المولد والنشأة

محمد المختار السوسي أديب ومؤرخ وفقيه ومربي وسياسي ووزير  مغربي، سليل أسرة سوسية (من منطقة سوس وسط المغرب) صوفية وعلمية أمازيغية، كانت ولادته في صفر 1317/ يونيو  1900 بقرية “دوكادير” ببسيط “إلِغْ” بمنطقة الأطلس الصغير الغربي. والده هو الشيخ علي بن أحمد ابن محمد، وهو شيخ الزاوية الدرقاوية في إلِغ، وأمه هي رقية بنت العالم محمد بن العربي الأدوزي. بعد وفاة والده أصبح محمد المختار تحت كفالة أخيه الأكبر محمد الخليفة، الذي أضحى هو من يتولى مشيخة فرع الزاوية ورئاسة الأسرة.

وقد بدأ الطفل محمد المختار السوسي دراسته في سن مبكرة على يد أمه –على شاكلة إخوته- التي علمته القراءة والكتابة وحفظ أجزاء من القرآن الكريم، الذي أتم حفظه بعد تنقله بين عدة كتاتيب قرآنية لمدة سبع سنوات، الأمر الذي سمح له بالتمتع بما لم يتيسر لغيره من الفتيان في ذلك الزمن وفي تلك المنطقة المعزولة من المغرب. وقد تنقل الطفل محمد المختار بين عدد من المدارس من أجل تلقي تعليمه الابتدائي، وأخذ المعارف على يد عدد من الأساتذة:

  • المدرسة الإلغية في قريته سنة 1911 عند الفقيه الولوقتي التزنيتي لمدة سنة واحدة.
  • مدرسة إيغشان خلال سنتي 1912 و 1913 عند الفيقه عبد الله الإلغي لمدة سنتين.
  • مدرسة بونعمان (20 كلم جنوب مدينة تزنيت) سنة 1914 لمدة سنة.
  • مدرسة تانكرت بمنطقة إفران الأطلس الصغير (وليس مدينة إفران بالأطلس المتوسط المعروفة)، عند العلامة المشهور الطاهر الإفراني إلى سنة 1918.
  • مدرسة السعيدات (80 كلم شرق مدينة مراكش) لمدة سنة كاملة.

الرحلة العلمية لمحمد المختار السوسي

محمد المختار السوسي في جامعة إبن يوسف:

بعد المرحلة الإبتدائية، التحق التلميذ محمد المختار السوسي في أكتوبر سنة 1919 بجامعة ابن يوسف المعروفة بمدينة مراكش، وقد قضى فيها خمس سنوات من الدراسة، وفيها أخذ عن عدد من العلماء الأجلاء: كإبن عمر السرغيني، وبوشعيب البهلول، والحسن السرغيني، وعمر الجراري، وأحمد العلمي، واليزيد الروداني، هذا دون أن ننسى التحول العميق الذي أحدثته دروس العلامة الشيخ أبي شعيب الدكالي في نفس ومسار الطالب محمد المختار السوسي، خصوصا ما تعلق بانفتاحه وتعرفه على الفكر السلفي الإصلاحي، بعد مرحلة طويلة من العيش في كنف الفكر الصوفي الطرقي.

رحلة محمد المختار السوسي إلى جامعة القرويين:

قد دفعه هذا التحول دفعا للإلتحاق بجامعة القرويين التي تابع فيها دراسته لمدة أربع سنوات بين 1925 و 1928، الأمر الذي عمق في شخصيته الفكر السلفي[1]. وقد سمحت له فترة القرويين للتلميذ على يد الشيوخ: الرسموكي، والحجوجي، والعباس بناني، ومحمد ابن جعفر الكتاني، ومحمد بن الطيب البكرواي، ومحمد بن العربي العلوي، وعبد السلام الفاسي. وفي مدينة فاس انخرط السوسي في الحياة الثقافية والسياسية بالمدينة، حيث شارك في تأسيس جمعيتين؛ الأولى هي “جمعية الحماسة” التي تولى رئاستها، والجمعية الثانية جمعية سياسية سرية، للدفاع عن استقلال المغرب، برئاسة علال الفاسي، كما تطوع للتدريس في المدرسة الناصرية، التي تعرض طاقمها من مدير وأساتذة وطلاب للمضايقة من قبل السلطات الإستعمارية الفرنسية.

محمد المختار السوسي ومغامرة الرباط:

قد دفعته تلك المضايقات إلى الانتقال إلى مدينة الرابط سنة 1928، وقد قضى في الرباط سنة كاملة، استزاد خلالها من دروس شيخ الإسلام أبي شعيب الدكالي، والمدني ابن الحسني، ومحمد السايح. كما خالط نخبة من المثقفين من أمثال: محمد بن العباس القباج، ومحمد بن أبي بكر التطواني، وأبي بكر بناني، وعبد الله بن العباس الجراري، وعبد الرحمن الدكالي، كما شارك بفعالية في مختلف الأندية والفضاءات الثقافية والفكرية بالرباط.

جهاد ونضال محمد المختار السوسي

بعد 19 سنة من التحصيل العلمي والفكري والثقافي، وفي يونيو 1929 عاد محمد المختار السوسي إلى مدينة مراكش، حيث حل بزاوية والده بباب دكالة – حي الرميلة، وهناك بدأت مرحلة جديدة من حياته عمادها دخول غمار مجال أحبه كثيرا، وهو مجال التربية والتعليم. فقد حول الزاوية إلى مدرسة داخلية. وقد بذل مجهودا جبارا ليوفر المأوى والمأكل والملبس للتلاميذ الوافدين عليها من كل الآفاق، وخاصة من سوس، والصحراء، والشياظمة، وعبدة، والرحامنة، حيث بلغ عددهم في فترة وجيزة 300 طالب. واستمر في جهاده التربوي هذا بين سنة 1929 و1937 قبل أن تمتد يد سلطات الإحتلال الفرنسية إليه لتنفيه، قبل أن يعود مرة أخرى إلى جهاده بين سنة 1946 و 1951. لينتقل إلى مدينة الدار البيضاء  للإقامة  وممارسة التدريس. وقد ساهمت مدرسته في تخريج كثير من العلماء والأدباء ورجال الحركة الوطنية، من أمثال: محمد بن عبد الله الروداني، وعبد القادر  حسن، وأحمد شوقي وغيرهم.

ولم يكتف محمد المختار السوسي، بالتدريس بل ساهم بفعالية بنشاطات أخرى، خصوصا في مجال الإرشاد والوعظ في المساجد، كما اعترف به سنة 1935 كمدرس في جامعة ابن يوسف بمراكش. وأسس وترأس الجمعية الخيرية بمراكش. وخلال نفس الفترة تزوج برفيقة عمره الفترة السيدة صفية بنت إبراهيم.

حياة الإعتقال والنفي

وبسبب نشاطه السياسي ضد المستعمر الفرنسي في مراكش تعرض للاعتقال عدة مرات، وعاش معاناة القمع والنفي, ففي 11 مارس 1937 قررت السلطات الفرنسية نقله إلى مسقط رأسه بقرية “دو كادير” في منقطة “إلغ”[2]. ورغم قساوة محنة النفي، التي استمرت لمدة 9 سنوات، فقد وظفها محمد المختار السوسي من أجل الكتابة والتأليف (جمع مذكراته في كتابه “خلال جزولة”) ، وجمع مادة علمية كبيرة من الخزانات السوسية ساعدته في كتابة مؤلفاته فيما بعد. وفي نهاية سنة 1945 رفع عنه قرار النفي وعاد إلى مراكش رفقة أبناءه الثلاثة الذين ولدوا في المنفى. وقبل اعتقاله ونفيه إلى تافيلالت رفقة عدد من الزعماء الوطنيين بسبب الإحتجاجات العمالية بمدينة الدار البيضاء التي تلت اغتيال الزعم النقابي فرحات حشاد 07 دجنبر  1952، عاد محمد المختار السوسي إلى ممارسة مختلف أنشطته السابقة في مدينة مراكش، فعاد إلى التدريس بمدرسة الرميلة، وإلقاء الدروس في المساجد، كما أسس جمعية لبناء مدرسة محمد الخامس. وأرسله السلطان محمد الخامس في عدة وفود رسمية، منها وفد الحجاج سنة 1946، ووفد جمعية أحباس الحرمين الشريفين إلى تونس سنة 1948. كما كان من الموقعين على عريضة الاحتجاج على حملات الاستعمار التعسفية.

استغرق الاعتقال بتافيلالت حوالي سنة ونصف، ابتداء من 10 دجنبر 1952، مقسمة على مركزين؛ الأول هو مركز “تينجداد” حيث قضى هناك 7 أشهر، من معاملة السيئة والمشينة، وقد ملأ وقته هناك في قراءة القرآن الكريم والتأليف. أما المركز الثاني فهو مركز “أغبالو نكردوس”، وقد كانت الظروف هناك أفضل بكثير من المركز الأول، وقد أرخ لمذكراته في المعتقل في كتابه ” معتقل الصحراء”. وانتهت محنة الاعتقال في 10 يوينو 1954.

محمد المختار السوسي في رحاب الوزارة

في سنة 1955 عاد محمد الخامس من المنفى فشكلت أول حكومة مغربية في عهد الإستقلال، فتقلد فيها المختار السوسي منصب وزير الأوقاف، وفي الحكومة الثانية، تقلد منصب وزير التاج، كما تقلد مهمة القاضي الشرعي للقصور الملكية. كما دأب على القيام بأنشطة ثقافية كثيرة، مثل حضوره في بعض المؤتمرات الخاصة بالقضايا الإسلامية، وإلقاء المحاضرات ودروس دينية يومية، وتسجيل أحاديث إذاعية بالعربية والأمازيغية. ويبقى أهم عمل قام العلامة محمد المختار السوسي هو الإنكباب على إتمام تآليفه بالمراجعة والتنقيح، والطبع والنشر[3].

وقد توفي رحمه الله يوم الأحد 29  جمادى الثانية 1383/ 17 نونبر 1963، ودفن بمقبرة الشهداء بالرباط.

الإرث الفكري والعلمي للعلامة المختار السوسي

  • المعسول في الإلغيين وأساتذتهم وتلامذتهم في العلم والتصوف وأصدقائهم وكل من إليهم ( 20 جزء).
  • خلال جزولة (أربعة أجزاء).
  • الإلغيات (ثلاثة).
  • على قمة الأربعين.
  • بين الجمود والجحود، رواية في أفكار إسلامية.
  • سوس العالمة.
  • الرسالتان البونعمانية والشرقية.
  • الترياق المداوي في أخبار الشيخ الحاج علي السوسي الدرقاوي.
  • منية المتطلعين إلى من في الزاوية الإلغية من الفقراء المنقطعين.
  • أصفى الموارد في تهذيب الرحلة الحجازية للشيخ الوالد.
  • من أفواه الرجال (عشرة أجزاء).
  • إيليغ قديما وحديثا.
  • معتقل الصحراء.
  • حول مائدة الغذاء (مذكرات).
  • ذكريات.
  • طاقة ريحان من روضة الأفنان، مختصر روضة الأفنان للرفاكي.
  • مدارس سوس العتيقة، نظامها وأساتذتها.
  • رجالات العلم العربي في سوس.
  • المجموعة الفقهية في الفتاوى السوسية.
  • كيف عرفت الأدب.
  • مشيخة الإلغيين من الحضريين.
  • الرؤساء السوسيون في العهود الأخيرة.
  • نهضة جزولة العلمية والدينية في اليوم.
  • ديوان الشيخ الإلغي.
  • الثريدة المناغية للعصيدة.
  • قطائف اللطائف في الحكايات والنوادر السوسية.
  • ديوان معتقل الصحراء.
  • في النقد والأدب.
  • وصف الغطريس.
  • حاشية على الكشاف للزمخشري.
  • المجموعة الفقهية في الفتاوى السوسية.
  • مذاكرة الشيخ الجليل في البحث هل يوجد للقتل حدا لتارك الصلاة كسلا من دليل.
  • معنى الولي في الشرع.
  • أحاديث إذاعية سوسية.
  • مذكرات عن المعتقل.
  • الأجوبة الحاضرة البادية، في تفضيل الحاضرة اليوم لمثلي على البادية.
  • نوازع الغربة.
  • الوظيفة محاسنها ومساوئها.
  • من ضمير إلى ضمير.

المراجع
[1] معلمة المغرب، الجزء 15، مادة السوسي محمد المختار، أفا عمر، 5185.
[2] معلمة المغرب، الجزء 15، مادة السوسي محمد المختار، أفا عمر، 5186.
[3] معلمة المغرب، الجزء 15، مادة السوسي محمد المختار، أفا عمر، 5187.