مقدمة

عَرف الإنسان الأرشيف منذ أن دَخل طَور الكتابة _ وإنْ كانت مَدرسة التاريخ الجديد[1] في فرنسا تُوسِّع اليوم من حَقل الوثائق لتَشمل كل ما تركه الإنسان من إرث وفِعل وسلوك ونقائش تَدلُّ على مروره من موقعٍ جغرافي ما، بعيداً عن المقاربات الكلاسيكية التي كانت تجعَل “الوثيقة” شرطا واقِفا لكتابة بحث تاريخي أو التعريف بحضارة مُعينة. فتَركت حضارة ما بين النَّهرين إرثا عظيماً مِن الأرشيفات المادية والمعنوية، وخلَّفت الحضارة المصرية عددا لا يُحصى من الـمُـستَنَدات والوثائق والأرشيف المنظور والمرئي والملموس، وعلى منوال ذلك صار الرومان زَمن مجدهِم وامتدادهم الجغرافي وما خلّفوه من مآثِر وعمران ونقائش ومراسلات وكتابات أضحت تأريخياًّ (أرشيفاً قائم الذات) لا سيما تأسيسهم دار الوَثائق القيصرية.

الأرشيفات في مغرب الحماية

في المغرب؛ تَأسَّست أوَّل مَصلَحة للأرشيف سنة 1913 على يد المستعمِر الفرنسي، وفي الثَّاني مِن مارس عام 1956، تَمَّ العُثُور على 2500 متر خطية مِن أرشيف المغرب؛ بينما تم ترحيل أرصدة مهمة منه، وبالأخص ما تعلَّق بالجوانب الأمنية والعسكرية.

بعد الاستقلال لم تُشَكِّل مَسألة الأرشيف المغربي قضية ذات أولوية بالنسبة للحكومات المتعاقِبَة لأنَّهُ لم تَكُن ثمَّةَ إرادة سياسية واضحة المعالم لتنظيم الأرشيف الوطني المغربي ووضعه رهن (استخدام) الدولة والمجتمع. و”في العام 1975 تأسَّست مديرية الوثائق الملكية وأَصدرت عددها الأول تحت عنوان (الوثيقة) عام 1976[2]“.

يتوزَّع الأرشيف المغربي على عددٍ من الخزانات والمؤسّسات، نذكُر منها على سبيل المثال لا الحَصر:

  • الخزانات الملكية في المدن الكبرى، وفي طليعتها: (الخزانة الحسنية) بمدينة الرباط.
  • الخزانات التابعة لوزارة الثقافة والاتصال: الخزانة العامة بالرباط –  المكتبة العامة والمحفوظات بتطوان – خزانة القرويين بفاس – خزانة ابن يوسف بمراكش.
  • الخزانات التابعة لوزارة الأوقاف والشُّؤون الإسلامية، أشهرها: خزانة الجامع الكبير بمكناس – خزانة المعهد الإسلامي بتارودانت – الخزانة الناصرية بتامكروت، خزانة الجامع العتيق بالصويرة.
  • الخزانات التابعة للزوايا، منها: الزاوية المشيشية العلمية – الزاوية القادرية – الزاوية الوزانية – الزاوية الدّرقاوية – الزاوية التيجانية – الزاوية الشّرقاوية – الزاوية النَّاصرية.

مؤسسة أرشيف المغرب.. الأرشيفات ثروة وطنية

تمَّ تأسيسُ (مؤسَّسة أرشيف المغرب) كمؤسّسة عصرية سنة 2007، ورُقِّيَت لمؤسسة إستراتيجية عُيِّنَ مديرها بظهير شريف سنة 2012، ذات طابع عمومي “تتمتّع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي”[3]، تعنى اليوم بأرشيفات المغرب، وصيانة التراث الأرشيفي الوطني وتثمينه، واستِجلاب الأرشيف المغربي من الخارج، والنهوض بمجال الأرشيف عن طريق البحث العلمي والتكوين المهني والتعاون الدولي وتنظيم أنشطة متنوعة.

أنواع الأرشيفات بالمملكة المغربية

أضحى الأرشيف بأنواعه وخزائنه وتنوّعه يشكِّل تراث المملكة، تباهي به الدول ذات العراقة التاريخية، يمكن الحديث عن أنواعٍ متعددة من الأرشيفات يزخر بها المغرب، منها:

  • الأرشيف التَّاريخي: ويَضُمُّ كافة الوثائق المتعلِّقَة بتاريخ القُطر المغربي في كافة النواحي (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية، الثَّقافية، الدينية، الفنية، العَسكرية..؛ وغيرها). وفي الآونة الأخِيرة لم تَعُد هناك أهمية للأرشيف التاريخي، فقد تَوَزَّعت وثائقه على الأصناف الأخرى مِن الأرشيفات، إلا أنه ما يزال ذا قيمة للباحثين والمؤرِّخين.
  • الأرشيف القضائي: ويَضُم وثائق وزارة العدل والمحاكم والهيئات التَّشريعية والقضائية، وكذلك القوانين والأنظمة والمحاكم الخاصة، وما يتَّصِل برجال القانون والقضاة وإصداراتهم، وما إلى ذلك.
  • الأرشيف الأدبي – الفنّي: يَضُمَّ كافة الوثائق التي تتّصِل بالحركة الثقافية، ونشاط الجمعيات والمؤسَّسات الأدبية والثقافية، ووثائق الشَّخصيات البارزة في ميادين الثقافة والشِّعر والآداب والصَّحافة الأدبية. أمَّا الأرشيف الفني فيحتوي على وثائق المؤسَّسات والدَّوائر والجمعيات والنَّوادِي الفنية، وتشمل النشاطات الفنية كــ (السِّينما والمسرح والموسيقى والغناء..)، والفنون التَّشكيلية كــ (الرَّسْم والنَّحت والفَخار..)، هذا بالإضافة إلى الأرشيف الذي يَضُمُّ فنون العمارة و الهندسة والبناء[4] ونحوِه.
  • الأرشيف السِّياسي: ويضمّ وثائق الأحزاب والهيئات السّياسية، والوثائق الشّخصية للبارزين في الحياة السياسية، ويمكن أنْ يَضُمّ المعاهدات والاتفاقيات المعقودة مع الدول الأجنبية، ومحاضر الاجتماعات السّياسية، وبلاغات وبيانات أحزاب المعارضة والحكومة، وبيانات التضامن بين الأحزاب داخليا وخارجيا، لأنها فاعِلٌ رئيس في بعض أهم أحداث وقضايا الأوطان.
  • الأرشيف الإداري: ويضمُّ وثائق الوزارات والمؤسَّسات الاستشارية والدستورية، والدَّوائر الحكومية بأنواعها، والمقاطعات والجماعات الترابية (الجهوية والإقليمية والجماعية)، والجريدة الرّسمية[5] بنُسختَيها العربية والفرنسية، ووثائق الجامعات والمعاهد والمتاحف، والهيئات ذات الصِّلة، وكذلك الشركات والمصالح التي مارست أو تمارس مختلف الأعمال والأنشطة الإدارية.
  • الأرشيف العسكري: ويضمُّ وَثائق وزارة الدِّفاع (سابقا) والطَّيران والبحرية، وسِجلات ومراسلات أزمنة الحروب، والاختراعات الحربية والأسلحة بأنواعها والأسرار العسكرية، ووثائق المحاكم العسكرية،ومذكِّرات القادة العسكريين، والمتاحف العسكرية وغير ذلك مما يدخل في هذا المجال.
  • الأرشيف الدّيني: ويَضُمُّ وثائق وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والمساجد، والكنائس، والجمعيات والمدارس الدِّينية للطائفة اليهودية والمسيحية، وفتاوى علماء الدين وأجوبة المجلس العلمي الأعلى وهيأة الإفتاء، وغيرها.
  • الأرشيف السِّري: ويضمُّ الوثائق السرية التي تتَّصِلُ بسلامة وأمن الدولة ورموزها وقادتها، وغالبا ما يكون هذا الأرشيف تحت إشراف شخصية كبيرة _ يمكن اتخاذ أرشيف ما كان يُدعى في فرنسا بــ: مصلحة التوثيق الخارجي ومكافحة التجسُّس[6]؛ نموذجا ضمن هذا المستوى _، ويرتبط إما بالقصر الملكي أو برئاسة الحكومة أو وزارة الداخلية، ولا يُباحُ الاطِّلاع على وثائق هذا الأرشيف إلا في الحالات الاستثنائية والمواقف السياسية التي تستوجِب ذلك.
  • أرشيف الخرائط والأطالس: ويضمُّ هذا الأرشيف خرائط الدَّولة، والأطالس كافة، الخاصة بأراضيها ومقاطعاتها ومُدُنها، وما له علاقة بالقُطر المغربي مِن أمور سياسية واقتصادية وجغرافية وما إليها.
  • أرشيف الأختام والشِّعارات والنُّقود: ويضمُّ الأختام القديمة والحديثة التي بَطُل استعمالها، وكذلك الشِّعارات والرُّموز والأعلام والنُّقود بأنواعها الورقية منها والمعدنية.

وتقديراً لقيمة الأرشيفات ومركزيتها؛ فقد خُصِّصَ يوم 30 نونبر من كل سنة يوماً وطَنيا للأرشيف بالمملكة المغربية.

المراجع
[1] لوغوف جاك، التاريخ الجديد، ترجمة محمد المنصوري، عن المنظمة العربية للترجمة، مركز دراسات الوحدة العربية.
[2] كريم عبد الكريم، الوثائق المغربية في بعض دور الأرشيف العالمية، /انظر الرابط الإلكتروني: http://drrami.net/?p=110
[3] مؤسسة "أرشيف المغرب": https://www.archivesdumaroc.ma/ar-MA/Presentation
[4] الألوسي سالم عبود، الأرشيف تاريخه، أصنافه، إدارته،ص: 45-46.
[5] الجريدة الرسمية للمملكة المغربية: http://www.sgg.gov.ma/arabe/BulletinOfficiel.aspx
[6](بوتان) موريس، الحسن الثاني، ديغول، بن بركة؛ ما أعرفهم عنهم، ترجمة: رشيد برهنوس، مراجعة: عثمان بنّاني، دفاتر وجهة نظر، العدد 29، الطبعة الأولى 2014.