توطئة

يواجه علم الاجتماع في العالم العربي أزمة بنيوية وتغريباً معرفياً، حيث يسود استيراد النظريات الغربية وإسقاطها على واقع عربي مختلف، مما أدى إلى فجوة بين البحوث الميدانية والواقع المعاش. ويهدف النقد السوسيولوجي إلى تجاوز التبعية للغرب والدعوة إلى تأصيل العلم عبر “علم العمران الإسلامي” أو نظريات نابعة من خصوصية الثقافة العربية. وقد تجلت أبرز محاور الدراسة النقدية لعلم الاجتماع العربي في التبعية السوسيولوجية، وأزمة المنهج والتطبيق، والحاجة إلى التوطين (التأصيل)، ونقد التغريب. وعرفت الساحة الفكرية مجموعة رواد النقد الاجتماعي الذين اجتهدوا في استعادة فكر ابن خلدون، وحاولوا تجاوز السطحية في محاكاة الغرب، لتفكيك بنية المجتمع العربي، بما في ذلك التحديات السياسية.

وكتاب “علم الاجتماع في العالم العربي دراسة نقدية” للدكتور عبد الله الشارف مساهمة في طرح إشكاليات علم الاجتماع العربي، النظرية والمنهج، وكذا الأسباب والعوائق التي تمنع هذا العلم من الإقلاع المنشود والبناء، والإسهام في تحريك عجلة التقدم والتنمية. ويقع الكتاب في 218 صفحة صدر عن مطبعة تطوان – تطوان (المغرب) سنة 2018م.

مضمون الكتاب

إن علم الاجتماع علم ينتمي إلى حظيرة العلوم الإنسانية ذات الأسس الفلسفية والأبعاد الإيديولوجية. ولقد بذل المؤسسون والرواد الأوائل، والمنظرون السوسيولوجيون جهودا متواصلة من أجل تشكيل وصياغة هذا العلم صياغة علمية أسوة بالعلوم الطبيعية وأملا في إخضاع الظواهر الاجتماعية للدراسة العلمية الموضوعية. بيد أن طبيعة موضوعه حالت دون تحقيق الغاية المنشودة، لا سيما أن الدارس أي الإنسان هو نفسه المدروس.

وهكذا، فإن الإشكالية المنهجية في علم الاجتماع لا زالت قائمة، كما أن الإطار الفلسفي والإيديولوجي سيظل محكما قبضته على بنية هذا العلم ومساره، يحكم طبيعة، وفلسفة، وأهداف الأنظمة الليبرالية الرأسمالية الحديثة. بل إن هذا العلم قد ولج نفق أزمته البنيوية والوظيفية، بدءا من سبعينيات القرن الماضي حيث كثرت الدعوات إلى إعادة النظر في أسسه، ومناهجه والبحث عن سبل العلاج. (مقدمة الكتاب، ص: 5)

وإذا كان علم الاجتماع العربي سواء في مظهره الأكاديمي والجامعي أو في أبحاثه المرتبطة بالدوائر الإدارية والحكومية، قد حاول شق طريقه نحو الإسهام في فهم وتحليل الواقع العربي مع الانخراط في مشاريع ثقافية وتربوية وسياسية، من أجل الإصلاح والتغيير، فإنه لم يستطع التخلص من الإرث الاستعماري السوسيولوجي والأنثربولوجي.

وهكذا نجد أن جل الدراسات السوسيولوجية في العالم العربي التي تتناول موضوعات اجتماعية مثل الأسرة العربية أو العادات والتقاليد، أو النظم والعلاقات الاجتماعية داخل قرية أو مدينة عربية أو موضوعات دينية متعلقة بالإسلام دينا ومجتمعا وتراثا وحضارة، إلى غير ذلك من الموضوعات والقضايا، تعكس في مفاهيمها ومنهجها وتحليلها كثيرا من نظريات وآراء وتصورات علماء الاجتماع الفرنسيين والإنجليز، الذين قاموا في الوطن العربي بأبحاث نظرية بالفترة الاستعمارية كلها. وميدانية، وذلك خلال عقود طويلة، بدءا من مرحلة ما قبل الاستعمار ومرورا بالفترة الاستعمارية كلها.

وعلى المستوى المدرسي والمنهجي، فإن الأعمال السوسيولوجية العربية تبنت في البداية، منهج ونظريات المدرسة الوضعية التي أسسها أوجست كونت، وطورها إميل دوركايم، ثم مالت إلى المدرسة الوظيفية، أو المدرسة الماركسية القائمة على المادية الجدلية والتاريخية. (مقدمة الكتاب، ص: 6)

إن استيراد المناهج والنظريات والمفاهيم الغربية في علم الاجتماع ومحاولة استعمالها كأدواة ووسائل لفهم وتحليل الواقع العربي، نتج عنه انحراف وضبابية في النظر إلى هذا الواقع، ورصد مكوناته ومعطياته. ذلك أن تلك النظريات والمفاهيم الاجتماعية الغربية، قد أفرزها واقع اجتماعي مختلف عن الواقع الاجتماعي العربي على جميع المستويات، فلا يمكنها، بأي حال من الأحوال أن تعكس في آن واحد، واقعين اجتماعيين مختلفين اختلافا كليا.

كما سقط السوسيولوجيون العرب في مأزق الاستيراد، مما يعبر عن ضعف كبير لديهم، وصعوبة في إدراك الفروق الجوهرية بين الإنتاج المادي والإنتاج الفكري للحضارة الغربية… ولقد اعترف بعض علماء الاجتماع العرب، بعجزهم عن إيجاد وتأسيس نظرية اجتماعية عربية واحدة، تكون أداة لفهم الواقع العربي وتحليله، رغم مرور عقود طويلة على قيام علم الاجتماع في الوطن العربي. وهذا يعكس خطورة الأمر، ومدى تصلب عقلية الباحثين السوسيولوجيين العرب، تلك العقلية الموصوفة بالتبعية الفكرية والثقافية والولاء الإيديولوجي للمدارس والفلسفات الاجتماعية الغربية. (مقدمة الكتاب، ص: 7)

إن هؤلاء السوسيولوجيين، انطلاقا من قناعاتهم الفلسفية والحداثية، لا يعيرون اهتماما لخصوصية البيئة الثقافية والاجتماعية، والحضارية العربية. التي ترفض التدجين، والذوبان، والانصهار في ثقافة أخرى مغايرة، وترفض كل فلسفة أو فكر، يستهدف هويتها وكيانها. كما أنهم، بحكم انبهارهم وإعجابهم يعلم الاجتماع الغربي، وانطلاقا من التقليد السطحي والساذج، لم يكلفوا أنفسهم عناء البحث في أصول وطبيعة النظريات الاجتماعية الغربية، ومدى ملاءمتها لثقافة وبنيات المجتمع العربي، ناهيك عن شك في كونية وعالمية هذه النظريات. كما أغفلوا التصورات والأسس الفلسفية المؤسسة لصرح العلوم الاجتماعية الغربية، وكذا الإيديولوجيات المختلفة الثاوية في عمق نظريات علم الاجتماع الغربي. (مقدمة الكتاب، ص: 8)

إن الأزمة البنيوية التي يعانيها علم الاجتماع العربي المعاصر، فتحت المجال البروز الدعوة إلى مشروع بديل يتجسد في علم الاجتماع الإسلامي. ويرى أصحاب هذا التيار أن علم الاجتماع الغربي، بالرغم من قيمته التحليلية والإجرائية، لا يمكن اعتماده والركون إليه كنموذج علمي لتحليل وفهم ومعالجة إشكاليات الأمة الإسلامية، لأنه وليد أطر اجتماعية وفكرية مختلفة من حيث الثقافة، والعقيدة والأسس والغايات.

وعرف المؤلف أن علم الاجتماع الإسلامي هو تلك المعرفة القائمة على الدراسة المنهجية، الرامية إلى اكتشاف السنن الإلهية المتعلقة بالظواهر المجتمعية من منظور إسلامي. ويهدف هذا العلم، فيما يهدف إلى قلب التصورات والنظريات المنتشرة في أنحاء العالم عن الواقع الاجتماعي وعن وعي الإنسان. ذلك أن السنن والقوانين الاجتماعية التي تسير المجتمع، هي من عند الله خالق كل شيء، والمهيمن على كل ما سواه.

وأضاف الكاتب إلى هاته الأهداف أخرى منها  العودة إلى التراث الإسلامي الصحيح عند دراسة القضايا التربوية والاجتماعية وإبراز دور الدين الإسلامي كمنظومات قيم، في تغيير وتحديث الواقع الاجتماعي، وإظهار ما في التراث الإسلامي من سنن الاجتماع وقواعد العمران والظواهر الاجتماعية. (مقدمة الكتاب: ص 9)

،قسم المؤلف بعد المقدمة إلى ثلاثة أبواب وملحق. عنون الباب الأول بـ: من التأسيس إلى التبعية، وفيه؛ الفصل الأول: حول نشأة علم الاجتماع العربي، الفصل الثاني: التبعية السوسيولوجية، الفصل الثالث: علم الاجتماع العربي وإشكالية الحداثة. أما الباب الثاني فعنونه بـ: من الاستغراب إلى الأزمة وبه ثلاثة فصول؛ الفصل الأول: الاستغراب في مناهج العلوم الاجتماعية، الفصل الثاني: أزمة التنظير في السوسيولوجية العربية، الفصل الثالث: علاقة علم الاجتماع بالتصور العلماني. وعنوم الباب الثالث بـ: من الأزمة إلى البديل، فصله الأول: تقييم الإنتاج السوسيولوجي العربي، الفصل الثاني: عناصر أزمة علم الاجتماع العربي، الفصل الثالث: علم الاجتماع الإسلامي.

خلاصة

يتحرك علم الاجتماع العربي حالياً نحو محاولات جادة للتحرر من النمطية الغربية، والبحث عن هوية معرفية نقدية تدمج بين التراث (علم العمران) والمنهجية العلمية الرصينة لفهم أزمات المجتمع العربي المعاصر. ولعل أغلب المحاولات ومنها رؤية الدكتور الشارف الغرضُ منها فتحُ ملفٍ فكريٍّ وخارطةٍ معرفيَّةٍ عن علمِ الاجتماعِ في العالمِ العربيِّ؛ والاجتهاد في تأصيلٍه لتبيئتهِ في الثقافةِ العربيَّةِ الإسلاميَّةِ، وتبيانَ أهمِّ الانتقاداتِ المعرفيَّةِ والمنهجيَّةِ التي تعرَّضَ لها، وتوضيحَ طبيعةَ أزمتِهِ المعرفيَّةِ وعلاقةِ هٰذه الأزمةَ بهيمنةِ الرؤى الوضعيَّةِ على مفاهيمِهِ ونظرياتِهِ وأدواتِهِ، وتفحّصَ المحاولاتِ التي بذلها بعضُ الباحثينَ في العالمِ العربيِّ لتأصيلِ علمِ الاجتماعِ، وتقويمَها. والاجتهاد في تقديمِ بديلٍ معرفيٍّ لعلمِ الاجتماعِ الغربيِّ، اصطلح عليه عبد الحليم مهورباشة تسميتِهِ “علمَ العمرانِ الإسلاميِّ”، وتُكوِّنُ الرؤيةُ الإسلاميَّةُ إلى العالَمِ والنموذجُ المعرفيُّ الإسلاميُّ مرجعيتَهُ المعرفيَّةَ والمنهجيَّةَ، وكذٰلكَ تبيانِ الشروطِ الواجبِ توافُرِها في عمليَّةِ التأصيلِ الإسلاميِّ لعلمِ الاجتماعِ، معَ تأكيدِ ضرورةِ أن يحفظَ هٰذا العلمُ أصولَ المجالِ التداوليِّ الإسلاميِّ، ويُسْهِمَ في دراسةِ الفعلِ الإنسانيِّ في إطارِ منظومةِ القيمِ الإسلاميَّةِ، ويوظِّفُ منهجَ الجمعِ بينَ القراءَتينِ: قراءَةَ الوحيِ، وقراءَةَ العالَمِ الاجتماعيِّ.