مقدمة

تضع كثير من مدارسنا ومؤسّساتنا التعليمية شروطاً لولوجها والتمدرس بها، منها؛ نوعية اللباس الخاص بالتلاميذ والتلميذات، والطلبة والطالبات، في سعي منها للتميز على مُستوى المظَهر، وليتبيَّن الناس اسم المؤسّسة التي ينتمي إليها التلاميذ/الطَلبة المرتدين اللِّباس الجامعي الأبيض أو الأحمر أو غيرهما، ولتقليص الفوارق الاجتماعية التي يمكن أنْ تُبرِزها ألبِسة المتعلِّمين في حالِ عدم توحيد اللباس المدرسي أو الجامعي. وهي فكرة نجد لها أصولاً وامتدادات تاريخية في أعرق معاهد التّعليم في الشرق والغرب الإسلامي.

ومسألة اللّباس هذه لا تعني حصرا التلاميذ والطلبة؛ بل الأساتذة والشيوخ والفقهاء أيضا، فقد كانت بعض مؤسّسات التعليم في المغرب تجعل من اللباس الجامعي شعارا أساسيا لهيئة العلماء، وتفرض الدولة عليهم لونا محدّدا، تمييزا لهم عن علماء مصر والشام والحجاز مثلا، وفي مرحلة لاحقة عن العثمانيين ثم الاستعمار.

اللباس الأبيض.. الخصوصية المغربية والإلزامية الرسمية

لقد كان من مميزات المغرب الأقصى بعد استقلاله عن دولة “بني العبّاس في بغداد قد اتّخذ له شعارات خاصة، كان من هذه الشعارات ما يمسّ المذهب والعقيدة، بيد أنّ فيها ما كان يخصّ المظهر. ولما كان اللون الأسود من خصائص العباسيين [لقَّبهم المؤرخون وخصومهم الأمويون الفارون إلى الأندلس بــ: “الـمُسَوِّدة”]؛ اختار المغاربة اللون الأبيض. ومن المصادفات أن يتّفق الذوق المغربي والأندلسي على هذا الاختيار، وقد سارت على هذا الدول الـمتعاقِبة على الحكم بالبلاد واحترَمَته بدِقّة. وانطلاقا من هذا نَرى العلماء يُقْبِلون جَميعهم على البياض. وإذا ما تتبَّعْنا أنماط الـمَلابس التي قُدِّمت إلى العلماء من الأمراء عند توليهم، أو التي خَلَّـفوها وراءهم؛ فإنّنا لا بدّ أن نَجِد البُرنس الأبيض، ولهذا عَددْناه لباسا جامعيا من مميزات العلماء، ويُخطئ من يدَّعي أنّ العلماء كانوا لا يعرِفون التأنُّق في اللباس، أو بالأحرى كانوا لا يهتمّون بمظهرهم الخارجي (..).”[1]

لم يكن ثمة من بين فئات المجتمع بعد رجال الدولة من يتفنّن في لباسه ويحترم خصوصيته الـمحلية ويتأنَّق في اختيار جيِّده عن رديئه من فئة العلماء والمشايخ، “فقد اعتاد علماء المغرب الأقصى وحتى طَلبة العلم على اتّخاذ اللباس الأبيض المتكوّن من “الكِساء/الحايْك، وعلى البرنس أو السّلهام، ولم يحيدوا عنه إلا في بعض الظّروف العصيبة”.[2]

وأورد المؤرخ أحمد الناصري في “الاستقصا” خَبر الفتنة التي أعْقَبت انتشارَ أخبار اتّفاق الأمير المأمون السَّعدي مع إسبانيا على تسليمها العرائش سنة 1019 هجرية، منتقِيا من بينها حادثا طريفا، ذلك أنّ جَمْعا من مُناصِري فِعْلة الأمير قَصدوا المأمون بعد الاتفاق ومرَّوا للسلام على قائد جيوش العدو الإسباني، وفي أثناء عودتهم؛ انقضَّ عليهم الناس والعامة يرمونهم بالحجارة ويَضربونهم، ما عدا الفقيه القاضي ابن أبي النّـعيم الذي كان يرتدي لباس العلماء،[3] ذي اللون الأبيض المميَّز.

اللِّباس الجامعي؛ من شروط الالتحاق بالقرويين

إنّ جامعة القرويين بعراقتها وقيمتها العلمية ودورها في التعليم والتّفقيه والوَقف والأحباس “حظِيَت بدراسات عِدّة، بل إنّ ما كُتِبَ في شأنها مِن مؤلَّفات ودُوِّنَ من وثائق ونُشِرَ من أبحاث قديما وحديثا يفوق بكثير غيره من المعالم التاريخية والمباني الأثرية”[4]، ولم يَقتصر إشعاعه ودوره في نَقلِ مَرْكَز الثِّقل العلمي والحضاري إلى عُدوة فاس، واحتضان نُخبة من العلماء والطلبة النُّجباء عِلماً وعطاءً ووطنية منذ قرون؛ بل تـميَّز عن غيره من معاهد التعليم والتّفقيه بخصائص، منها إلزامه الـمتعلِّمين والمعلِّمين بارتِداء الزّي الرسمي أو اللباس الجامعي طِوال أعوام الدراسة وليس اقتصاراً على التخرُّج كما تفعل جامعاتنا اليوم ومؤسسات التعليم في أوربا والغرب.

شمِل هذا الأمر؛ أي اللباس الجامعي حتى أولئك الذين يحضرون مجالس الحديث والفقيه في الجامع. في المقابل؛ تميَّز بعض العلماء الأفذاذ بلباس أبيض أنيق يناسِب مكانتهم الاجتماعية وأحيانا ثروتهم، وقد ذكر المؤرخ الراحل عبد الهادي التازي (1921-2015) في موسوعته الفريدة “جامع القرويين؛ المسجد والجامعة، موسوعة لتاريخها المعماري والفكري” عددا من الأعلام الذي درَّسوا بالقرويين وتشدَّدوا إزاء مسألة اللباس مع طلَبتهم وقُصّادهم ممن يرغبون في نَيل الإجازات، فذَكَر منهم: الشيخَ الزويلي المتوفَّى سنة 719، وابن البنّاء المتوفّى سنة 713 والفقيه الـحِـناني المتوفّى سنة 746 والعلّامة السّلاسي المتوفّى سنة 761 والخطيب ابن حَلال المتوفّى سنة 980[5]، فأضحى اللباس الجامعي أو لباس التعليم بالقرويين شرطاً في الالتحاق بصفوف التّدريس والتمدرُس، وأصبح “بمثابة حَصانة تُكْسِبُ من يحملها الاحترامَ والهيبة، وتحميه مِن اعتداءات النّاس ونِقمتهم”، بحيث كان علماء القرويين “عندما يظهرون في الشارع يلبسون ملابس بيضاء، ويظهرون بسحنة الوقار، ويسيرون بتؤدة دون أنْ يلتفتوا يمينا أو يسارا، وإذا مرَّ بهم أمِّيٌ أو صاحب دكانٍ أو تاجرٍ أو موظفٍ؛ يَلزم أن يَنحني ويحاول تقبيل اليد، أو على الأقل لمس الكِساء، وتقضي الآداب بعدَم ظهورهم في الأسواق أو المقاهي أو الحمامات العامة.[6]

ولا ريب في أنْ صارت لهذا اللباس كل هذه المكانة والرمزية والإلزامية؛ فقد كان المغرب “الدولة الأولى في العالم الإسلامي التي أصدرت ظهيرا في اتخاذ اللون الأبيض دليلا على شعار البلاد. ويتعلّق الأمر بالظهير الذي أصدره أبو يوسف يعقوب يوم الأحد 20 شعبان عام 784ه، بأن لا يُلبَس إلا البياض، وكان ذلك بمناسبة الفرح بالنصر الذي أحرزه الجيش المغربي في أعقاب إحدى الأيام الغُـرّ بالأندلس (..) وفي يوم الاحتفال باللقاء [يقصد اللقاء الذي جمع السلطان يعقوب المريني بالمدعو سانْجُهْ في الجزيرة الخضراء] أمَر السلطان بإظهار شعائر الإسلام وأبّـهته وعظمته، وشدّد على لباس البياض، فكان منظرا فريدا ويوما مجيدا، بين سانجُه وجماعته وهم في سود الثياب، وبين العاهل وحاشيته من وزراء وسفراء وعلماء، وهو يَرتدون الملابس البيض”[7].

يُستفاد من هذا النص أنّ اللون الأبيض في الألبسة بالمغرب شمل المجال السياسي والاجتماعي والديني والعلمي، واستقرّ مع توالي الأيام باعتباره “صفة ممـيّـزة للطبقة العالمة”،[8] وعلامة بها يميّز العامة والطلبة والسلطان بين أهْل الـخِطط من غَيْرهم على حد تعبير سفير السلطان أبي عنان المريني إلى العلّامة أبي الحجّاج الأنفاسي. ثم ارتضاه طلبة العلم وشيوخه وفقهاء جامع القرويين بفاس.

خاتمة

لقد دأبَ الطُّلاب الذين يَدرسون في القرويين وابن يُوسف بمراكش على إحياء تقليد سنوي راسخ هو الاحتفاء بالمغرب يُسمّى “سلطان الطلبة“، وكذلك الأمر بمنطقة سوس ومنطقة الريف وجبالة شمال المغرب، وقد شكَّل هذا النشاط الطلابي فُرصة سانحة لإبراز جمالية اللباس الجامعي ووحدته وأناقته، ومناسَبَة كذلكَ يُسمح فيها بالسُّخرية من البرتوكول الاستعماري ومن سياساته الحربائية تُجاه العلماء وجامع القرويين الذي عَدَّته فرنسا “بيتاً مُظْلِمًا”، ولربما كان من بين الأسباب التي دَفَعَت الفرنسيين إلى إلغاء احتفال سلطان الطلبة. إلا أن هذا لم يُـصِب الجامعة والجامع في مَقْتَل، بل نراه بعد استقلال المغرب يُواصل أدواره العلمية والثقافية وإسهامه الروحي والديني كما كان عليه في القرون الماضية، ويبصم على أهمية ما يُدرَّس فيه حتى غدا مركزا هاماً من مراكز الدراسات الإسلامية ومنبع الثقافة الدينية في العالم الإسلامي وإفريقيا.

المراجع
[1] التازي عبد الهادي، جامع القرويين؛ المسجد والجامعة بمدينة فاس، موسوعة لتاريخها المعماري والفكري، المجلّد الأول، دار نشر المعرفة بالرباط، خزانة المكتبة العامة والمحفوظات بتطوان، ص: 126.
[2] السّبتي محمد بن القاسم الأنصاري، اختصار الأخبار عمّا كان بثغر سبتة من سَنِيِّ الأخــبار، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، منشورات المطبعة الملكية، الطبعة الثانية 1983، الرباط – المغرب.
[3] الناصري أبو العباس أحمد، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، الجزء السادس، ص: 20.
[4] معلمة المغرب، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، مطابع سلا، 1989، ص: 6624.
[5] التازي عبد الهادي، جامع القرويين؛ المسجد والجامعة بمدينة فاس، موسوعة لتاريخها المعماري والفكري، مرجع سابق، المجلّد 2، ص: 439.
[6] لاند روم، جامعة القرويين بفاس، تعريب محمد الخطيب، مجلة دعوة الحق، العدد 13، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية.
[7] التازي عبد الهادي، جامع القرويين؛ المسجد والجامعة بمدينة فاس، موسوعة لتاريخها المعماري والفكري، مرجع سابق، ص: 438.
[8] التازي عبد الهادي، جامع القرويين؛ المسجد والجامعة بمدينة فاس، موسوعة لتاريخها المعماري والفكري، مرجع سابق، ص: 438.