المحتويات
توطئة
شهد المغرب في القرن 19 ومطلع القرن 20 محاولات إصلاحية سياسية وهيكلية مكثفة لمواجهة التغلغل الاستعماري، ركزت على تحديث الإدارة، وتقوية الجيش، وإصلاح الجبايات، وإقرار “البيعة المشروطة“. كما برزت مشاريع فكرية ودستورية هامة مثل مذكرات الإصلاح “علي زنيبر” ومشروع “جماعة لسان المغرب 1908م”، وصولاً إلى مطالب الحركة الوطنية في القرن 20 لإصلاح نظام الحماية. وقد تأثرت هذه المشاريع بالسياق الدولي والضغط الاستعماري، وتهدف في مجملها إلى حماية السيادة المغربية، وتحديث هياكل الدولة، وتأهيل البلاد لمواجهة الأطماع الأجنبية التي توجت بفرض الحماية سنة 1912.
ويأتي كتاب “مشاريع الإصلاح السياسي بالمغرب في القرنين التاسع عشر والعشرين” للدكتور أحمد كافي، ليغطي فترة القرن التاسع عشر إلى حدود 1955م، أي إلى حدود الاستقلال، لأن هذه المرحلة مرحلة القلق والبحث عن الذات ورواج الدعوات الإصلاحية بالمغرب وفي الدول الإسلامية عموما. وتتميز بالقلق الفكري والثقافي والديني وبالاضطرابات الاجتماعية والبحث الدؤوب عن الطريق المنجية للوصول إلى مصاف الدول المعتبرة في هذا المضمار؛ مضمار التدافع الحضاري. وهو كتاب يقع في 384 صفحة صدر عن دار الكلمة للنشر والتوزيع سنة 2013م. وهو في الأصل أطروحة علمية تقدم بها الكاتب لكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بمدينة فاس؛ وحدة مشاريع النهوض الحضاري في الفكر الإسلامي، وحصلت على ميزة مشرف جدا مع التوصية من اللجنة والطبع.
مضامين الكتاب
ركز الكتاب على مساهمة علماء المغرب الأقصى ومفكريه ورواده في المجال السياسي بإظهار إبداعهم. وحددت القرن المعاصر فترة زمنية للدراسة، بسبب هجوم منظومات فكرية مغايرة في تصورها للإنسان والكون والحياة؛ تريد الامتياح من معينها والتخلي عن الانطلاق من هوية الأمة كأساس لأي نهوض. وإذا كان قد حدد الفترة التي قصدها بالبحث وهي القرن المعاصر والذي قبله، فإن هذا لا يعني عدم الرجوع إلى ما قبلهما إذا تعين، لأنه قد يتحتم أحيانًا ويكون واجباً لخدمة وإثارة الفقه السياسي المعاصر ولكون جذور الحاضر ربما تعود إلى ما قبل الفترة التي اختراها، ولكن ذلك سيكون بقدره وبالضرورة الماسة إليه. وتركيزه على المغرب الأقصى أصالة وبالذات، فهو بدوره لا يمنع من التعرض للمشرق وغيره.
يروم الباحث في هذا البحث الرد على الأفكار الشاذة داخل الحقل الإسلامي، وهي أفكار لا ينكر وجودها وتضايقها من العمل السياسي من حيث إصلاحه والمشاركة فيه وفي آليات التداول السياسية، والتي تذهب بعيدة حيث أحكام الكفر والفسوق والخروج من الملة. وهي على أية حال شاذة عن الخط العام لحركة الإسلام في مجال التدبير اليومي للناس وتناول همومهم السياسية. ولا يخلو مجتمع من المجتمعات المتقدمة أو المتخلفة وفي أي عصر من العصور من أمثال هذه الأصوات النافرة التي يلفظها الخط العام الذي تختاره الأمة وتسير عليه.
وقد انصب اهتمام الدكتور أحمد كافي على قراءة الأطروحات الاجتهادية في القضايا السياسية عند مجموعة من علماء المغرب، وركز على بيان نسبة المشاركة السياسية مع باقي الاهتمامات الأخرى؛ والكشف عن مستند ومرجع آرائهم في المجال السياسي، والتجديد أو الجمود في المساهمة. ولم يتعرض الباحث للعلماء الذين اكتفوا بالحديث عن مواضيع في الفقه معلومة، ورضوا بالإفتاء في أحوال الناس ونوازلهم الخاصة، ترجيحا منهم لفقه العافية على فقه المحنة والمجالدة، وإن كان قد أعرج عليهم دون الوقوف عندهم. (مقدمة الكتاب ص9\10)
وإن من أهم وأبرز الذين وقف عليهم: الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني، وأحمد بن المواز، وأبو القاسم الزياني، ومحمد أكنسوس، وأحمد بن خالد الناصري، ومحمد بن عبد السلام اللجائي، ومحمد بن عبد القادر المشرفي، ومحمد الأعرج السليماني، ومحمد ابن عبد القادر الكردودي، ومحمد السفياني الفلاق، وعلي بن محمد السوسي السملالي، والغالي بن محمد اللجائي، والشيخ محمد الفاسي، والحجوي الثعالبي، وآخرين.
ويتناول البحث ويعالج بين ثناياه على مستوى دائرة أوسع الاجتهادات السياسية في هذه المرحلة، هل كانت تمثل بالفعل استجابة للتحديات المطروحة في الشأن السياسي؟ وإلى أي حد استطاع العلماء أن ينافسوا المرجعية العلمانية في السياسة؟. وإذا استحضرنا تحجيم دور الفقهاء السياسيين، فهل هذا التحجيم يعبر عن عجز أو تقصير ناجم عن ذواتهم؟ أم ثمة قرار سياسي في هذا الإطار؟ أم الأمر ببساطة يتعلق بدورة حضارية جديدة برزت فيها سيادة النموذج الغربي الذي كان هذا توجهه واختياره؛ فتوارى منطقيا دورهم؟ أم أن العلماء لم يستطيعوا فرض أنفسهم من خلال اجتهادات ممحصة تجديدية؟ أم مرد ذلك إلى ضعف المستوى الفكري للمرحلة حيث جمدوا على قواعد مستهلكة متجاوزة لم تمكن من إبداع محمود في المجال السياسي ينطلق من التجديد كخاصية في المرجعية الإسلامية؟.
وإن من مقاصد هذا البحث تتبع الفكر السياسي المغربي، ويعني به الفكر المؤطر للفعل السياسي المغربي؛ هل استطاع أن يؤطر شروط النهوض ويتجاوز إرهاصات الإرث الاستعماري؟ خصوصا إذا استحضرنا أن المشروع الاستعماري كان مشروعا فكريا بالأساس»، ثم هل حصل الوعي به فوضع من أولوياته التخلص منه؟.
إن فائدة العمل الذي يرجو الدكتور كافي تحقيقها ويجتهد في البحث عنها لا تتعلق بالاعتزاز بالماضي، وما أبدعه السابقون من علمائنا ومفكرينا، ولا بإهالة التراب عليه انتقاما منه وتقليلا من شأنه لغرض مدخول ومقصد خبيث، وإنما فائدة ذلك في هذا البحث تكمن في القراءة منه استلهاما للمستقبل الذي نعيشه على ما كان بالأمس، وتمتينا للبناء الذي لا يتحقق إلا بالوقوف على الصيرورة التاريخية لإكمال البناء وتجاوز ما وقف في وجه إكماله. (مقدمة الكتاب، ص: 16)
وقد اجتهد الباحث في عرض الموضوع – بعد المقدمة التأطيرية له – بتناوله في بابين:
- الباب الأول: مفهوم الإصلاح والسياقات المرجعية بالمغرب .وقسمه إلى ثلاثة فصول: الفصل الأول: مفهوم الإصلاح السياسي بالمغرب ودواعيه، وقسمه بدوره إلى مبحثين: المبحث الأول: مفهوم الإصلاح: تناول مفهوم الإصلاح والمصطلحات التي التبست بمفهومه عن طريق الغلط المعرفي، مبينا وجه ما ادعاه بالأدلة والحجج، وهو بحث أكد فيه على مقاصد الإصلاح السياسي بالمغرب والحاجة إليه. المبحث الثاني: مداخل الإصلاح بالمغرب: بين في هذا البحث شمولية النظر عند الإصلاحيين المغاربة، والميادين التي طالها الفعل الإصلاحي.
وعنون الفصل الثاني بـ: السياقات المرجعية للإصلاح بالمغرب، وقسمه إلى مبحثين كبيرين، تحت كل مبحث مطالب تفصيلية: المبحث الأول: السياقات الداخلية للإصلاح. المبحث الثاني: السياقات الخارجية للإصلاح.
وجاء الفصل الثالث تحت عنوان: مجالات الإصلاح السياسي بالمغرب .وحيث إن موضوع الإصلاح السياسي قد حصل طرقه عبر مشاريع واضحة تتناول المجال من زوايا متعددة كما سيأتي في الباب الثاني، فإن هناك قضايا جزئية تعرض المسائل سياسية دون أن يرتبط أصحابها بالتفصيل والتقديم في مشروع مكتمل الجوانب، لذا آثر تناول ثلاث قضايا مهد بها لدراسة المشاريع في الباب الموالي.
- الباب الثاني: مشاريع الإصلاح السياسية بالمغرب وأسباب التعثر. بعد تمهيد لهذا الباب شرع في دراسة المشاريع الإصلاحية السياسية في ثلاثة فصول، بدأ في الأول منهما بدراسة المشاريع الإصلاحية في مرحلة التأسيس، وخصص الثاني لمرحلة الأجرأة، والثالث لأسباب التعثر؛ لكونها هي المقصودة عند المصلحين من حيث الوعي بها وعدم التقليل من شأنها.
خلاصة
خلص المبحث إلى أن أسباب نجاح الإصلاح ترجع إلى عدم الخوف والارتياب من القاعدة الصلبة القوية والسواعد المترامية العدد، المتنوعة المؤهلات.. وإن الشعوب التي شاركت في الإصلاح التي التحمت مع أصحاب الفكر والنظر والسياسة وشؤون الحكم قد حققت المتوقع وغيره. كما أن المفكرين وأصحاب الرأي في الأمة ينبغي لهم وجوبا عينيا عدم ترك ميدان تفوقهم، في التنظير والنقد والإبداع. ويجب العمل على تقوية الفكر وتعزيز الثقافة وفهم تاريخ الإصلاح وجذوره للمساعدة في الإصلاح السياسي الراشد كي يتجنب العثرات ويأمن إعادة إنتاج التجارب الفاشلة. وإن مما أفشل مشاريعنا الإصلاحية، أننا ركزنا على النسخ، ولم نركز على الإبداع.
لقد اهتم العلماء بالسياسة وأحوالها، ولم يقتصر الحال على الاهتمام فقط، بل تجاوزوه إلى الممارسة والتمهر فيها والتفوق في معرفتها والحنكة في ممارستها. فقد قام العلماء بمهمة الإصلاح السياسي فأثمر قدامهم بأمرها وشأنها، وفرض مطالبهم وإصلاحاتهم ومشاريعهم السياسية والدفاع عنها، وحضور المرجعية الإسلامية بكل قواه، وعدم وجود منافس ومزاحم لها من المرجعيات الأخرى التي ظهرت متأخرة.