بين يدي التقديم

حاز الفقيه العلامة المختار السوسي رحمه الله علوما ومعارف وفنونا عديدة، وكان أميَل ما يكون، إلى علم التراجم الذي لازمه في كل مصنفاته، فَعَلَا فيه كعبه وسما فيه شأنه، واشتغل فيه بحس المؤرخ، وحصافة الفقيه، وإدراك العالم، ولغة الأديب.. فكانت الحصيلة: تراث يطفح إمتاعا ومؤانسة وفائدة لا تخطئها عين القارئ. يكفي أن نذكر  هنا موسوعة “المعسول” و “من أفواه الرجال” و “خلال جزولة” و”إيليغ قديما وحديثا” لتشهد للرجل بالنبوغ في هذا المجال.

ومن فرط ولع الرجل بعلم التراجم وتفنّنه فيه، التفاته إلى ما لم يلتفت إليه غيره، وإلزام نفسه بغير ما يلزم، فإذا كانت الخزانة العربية تزخر بمصنفات في طبقات المفسرين والمحدثين والفقهاء والأطباء والفلاسفة والأدباء والشعراء وحتى البخلاء والحمقى والشطّار والعيّارين … فإن المختار السوسي أبدع (طبقات) لا قِبل لرجال هذا العلم بها.

تقديم الكتاب

ومن الكتب التي تشهد للمختار السوسي بالنبوغ والفرادة في هذا المجال، كتابهالرؤساء السوسيون في العهود الأخيرة من أواخر القرن 13 إلى أواسط القرن 14 الهجرييْنوهو كتاب هيأه للطبع نجله رضى الله عبد الوافي، وكتب مقدمته الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية سابقا. والكتاب في فصلين اثنيْن: الأول بعنوان: “القواد الحسنيون” الذين قدمهم المولى الحسن الأول “عند تشريفه سوس سنة 1299ه، وسنة 1303ه” بعد أن كانت سوس على عادتها من النظام القبلي، فحاول المولى الحسن الأول أن “ينظم القواد عليها ولو رسميا وظاهرا”. وقد أورد الكاتب في هذا الفصل تراجم اثنين وخمسين (52 ) قائدا من هذه الفئة، عرّف بأسمائهم، وأنسابهم، وقبائلهم، وأخلاقهم، ونفوذهم، وثرواتهم، وحروبهم، و”ما بنوا وما هدموا وما سجنوا وما نكبوا من الناس”. وبالرغم من غزارة المادّة التي جمعها في هذا الفصل، إلا أنه – وبتواضُع العالم، يختم الفصل مقرًّا بأنه “سقط عنا أسماء… فلعل أرباب الأقلام السوسية يستدركون ما فاتنا فيفيدون التاريخ” (ص 157).

أما الفصل الثاني فاختار له عنوان: “الرؤساء القبليون” وهم فئة ثانية من الأكابر ممن حازوا شروط الرياسة، فسادوا قبائلهم إمّا بقدراتهم الذاتية، أو بالوراثة بعد وفاة آبائهم الرؤساء؛ وقد ضمّ الفصل الثاني اثنتين وستين (62) ترجمة، أبدع المختار السوسي في عرضها سواء حين يستطرد ويطنب، أو حين يُوجز ويلخّص، ومن نماذج ذلك ترجمته الموجزة لـ (القائد سعيد ندّْرْحْم الكنسوسي) حيث قال فيها: “من رؤساء قبيلته في أواخر القرن الماضي، كان فاضلا زوّارا لأهل الخير، عاقلا ذا رأي متين وحِكم، ويذكر بطبّ عجيب، تؤثر  عنه نوادر، فيداوي حتى خصومه من أثر المعارك، توفي بعد 1316ه”. (ص 214).

خاتمة

يذكر أنه وردت بين ثنايا الفصلين تراجم فرعية بلغت في مجملها 150 ترجمة، زادت الكتاب غنى وثراء، ليصير وثيقة تاريخية تعرّف بفترة من تاريخ المغرب المعاصر، وتقدم نموذجا لرجال السلطة، وما تمتعوا به من نفوذ واسع، وصلاحيات لا محدودة. فضلا عن أنّ الكتاب شهادة إضافية بسعة اطلاع العلامة المختار السوسي، وشغفه بتراجم الرجال، وتمتّعه بحس تاريخي نادر، كان من ثماره خزانة جليلة النفع، عميمة الفائدة.

رحم الله العلامة المختار السوسي وأجزل له الثواب.