
المحتويات
توطئة
أحد أعلام دكُّالة في القرن العشرين، دائرة معارِف حَجَّ إليها الوُجهاء والعِلية والعلماء، وكَعْبة علمية صامِتة، استَجْلَبت بغزارة اطّلاعها وقوّة منطقها وصلابة مبادئها أنظارَ الصغار والكبار، يَرجِع بِنَسَبِهِ إلى قَبيلة بني رافع، المتوطِّنة بإقليم سيدي بنّور، على المحيط الأطلسي جنوب حاضرة الدار البيضاء المغربية.
النشاة والتكوين.. تَنوُّع المؤثِّرات
كان مولده بأزمور سنة 1884م، تَيتَّم صغيراً، فَكَـفَله جَدّه الشيخ الحسن الأزموري، الذي كان فقيهاً وإماما بمساجد أزمور، وعلى يديه قَرأ حفيدُه امحمد الرافعي بعض السور القرآنية واللغة العربية، ثم دَفع به للفقيه إسماعيل الـحُسيني فختَم على يديه القرآن الكريم؛ قراءةً وحِفظا.
تَلقّى تكوينَه العلمي الأوّلي في كتاتيب أزمور، وُسِمَ طِيلة مرحلة أخذ العلم بالتميز في العلوم العربية والشرعية، فحَضَّه أشياخه على الارتحال إلى فاس للدراسة بالقرويين. وفي المدينة العالِمة؛ الْتَقى خيرة طلبة المغرب، وتلقّى العلوم والـمَعارِف على يد كُلٍّ من العالِم أحمد بن الجيلالي، والفقيه أحمد بن الخياط الذي كان يُقدِّر تِلميذه الرافعي لدرجة أنْ قالَ في مَجمعٍ من علماء القرويين “لقد جاء [أي الرافعي] ليأخذ عنّا؛ فأخَذْنا عنه”.
شَبَّ الرافعي على حبّ الدِّين والوطن والطريقة التيجانية، مالكِيَّ المذهب، سُنّي العقيدة. وكانت مرحلة التلقِّي في فاس زاداً له على طريق العلم، فلم يقتصِر على حدود ما دَرَس؛ وإنما عاد قافِلاً إلى بلْدَته، حامِلاً أرْحالاً من الكُتب والمصنّفات، فانْغمَسَ فيها قراءةً وتلخيصاً، واستغرَق متأمِّلاً بين عوالِم الفكر وعوالم الناس، وكلما ازداد معرفةً ازدادَ صَمتًا وتأمُّلاً.
لم يكن صَمتُ الرافعي صَمْتَ الـخُمول؛ بل كان صَمْتاً مَليئاً، التَزم فيه الرجل القراءة على نَهْج الأقدمين، ناهلاً من علوم عديدة ومشارب متنوِّعة، وتَرْجَم جُهدَ القراءة إلى الرسائل والتّخريج والتّعليق، فما تَرك من كِتابٍ بين يديه أو وَصل إليه إلّا وحَبَّره حواشِيَ وهوامِشَ تتضمّن نظراته في الكتاب وانتقاداته له.
جاءَت على الفقيه الرافعي مرحلة قَـرَّر فيها التخصص في الفلسفة القديمة، وفي الفلسفة الغربية، فكان شديد الاهتمام بها، منهمِكاً في قراءة أمّهات المراجع عنها، حتى تَشبَّع بالفكر الفلسفي، وصار كثيرَ الاسْتحضار للآراء الفلسفية، “لدرجة أصبح معها يُفْرِغ معلوماته في قالَبِها، وأصبح لا يتحدَّثُ إلا بالنّقد والتحليل، والفحْص والتّعليل، كما أصبح متمرِّساً بأساليب الـحِجاج والمناظَرة”[1] حَسب تعبير المؤرِّخ محمد معروف الدّفالي. وعَبَّر عن هذه الـمِيزة في سيرة وشَخص العلّامة الرافعي الأستاذ القاضي السايح بقوله إنّ “الرافعي قد زاوَل الفلسفة كثيراً ودَرَسَها دراسة عميقة، وتَشَبَّع مِن مَذاهبها وآرائها، فتكيَّف بها فِكرُهُ واصطبَغ بها ذِهنُه (..)، كان الرافعي يَـجِدُ لذَّته في الفلسفة فيُعَلِّق دائماً على كتب الفلسفة، وأحياناً يتجاوز الحواشي ويدخل في الخطوط المكتوبة فيُعَلِّق عليها”.
نبوغه العلمي والموسوعي
الانتقال الـمَرِن من العلوم الشرعية واللغوية إلى الفلسفة؛ سيُحقِّق نوعاً من التكاملية في الشخصية العلمية للعلّامة الرافعي، وسيدفع به من ناحية أخرى إلى الاشتغال النظري والفكري في قضايا العصر، بآليتيْ الفلسفة وعلم الكلام، وبمُقتضى النّظر الشَّرعي أيضاً. فنحن قَبل كل شيء؛ أمام عالِمٍ خِرّيجِ القرويين، متضلِّعٍ في التفسير والفقه والحديث، ومتمكّن من الفلسفة، حَلّاه الأستاذ أحمد زيادي بلقب “شيخ فلاسفة المغرب”.
قادَتْهُ دراسته لتاريخ الفلسفة إلى اقتحام حَقل التاريخ، فأَقْبَل على المؤلَّفات العربية والغربية بشغفٍ كبير، وكانت له صولات وجولات مع “كِتاب العِبر وديوان المبتدأ والخبر في أخبار العرب والعَجم والبربر ومَن عاصرهم مِن ذوي السلطان الأكبر”[2] للمؤرخ عبد الرحمن بن خلدون، حيثُ يُؤكّد مَن طالَعُوا كنانيش مخطوطات الشيخ الرافعي بالخزانة الملكية في الرباط أنّهم وَجدوا ضِمْنَها تعليقات وحواشِيَ كَتبها الرجل على مَتن “المقدِّمة” وكُتبٍ أخرى في الفلسفة والتاريخ.
كما كانت مُعاصَرُتُه لأحداث: مؤتمر الجزيرة الخضراء، خَلْع السلطان عبد العزيز، ثورة بوحمارة الجلالي، احتلال المغرب وتقسيمه، محاولات الإصلاح المفروضة فرنسيًا، حرب التحرير الريفية، انتفاضات القبائل والزعامات في الصحراء والأطلس المتوسط، ميلاد الحركة الوطنية المغربية..؛ دَور في شَغفه بتاريخ المغرب وأوربا وتاريخ العالم العربي، والتواصل العلمي مع نُخبة العلماء لتزويده بمراجعَ تاريخية قيمة، وموافاته بملخّصات عن المجلات والجرائد الوطنية وتلك التي تَصدر في مصر والمشرق، وطَلَبه لبعضهِم تَرجمةَ المقالات الصحفية من المجلات والصّحف الأجنبية التي كانت تَكتُب عن المغرب.
ولَـمَّا آلَ أمر كُلٍّ من محمد أزرقان[3] ومحمد بوجيبار وَزيرا الأمير ابن عبد الكريم الخطابي في الإقامة الإجبارية بمدينة الجديدة وسطات؛ حرِص العلّامة الرافعي على الاتصال بهما، ومُجالستهما ومناقشة أطوار الثورة الريفية وأوضاع الريف وخبايا سَيْر الأحداث لغاية استِسلام الأمير الخطابي سنة 1926. كما كانت له صداقة قوية بالفقيه أحمد السكيرج الذي كان كثيرَ الإحاطة بتاريخ المغرب، وكان له كبير الفَضل في التعريف بحرب الريف في مُؤلَّفه القيم “الظِّل الوريف في محاربة الرّيف”، ناهيك عن علاقات الرافعي وصداقته مع نخبة مِن الشخصيات العلمية بالجديدة كالقاضي الحسن السايح، والـمُحَدِّث عبد الرحمن الدّكالي، والفقيه القاضي عبد الحفيظ الفاسي، والقاضي البشير بن عبد الله الفِهري، والصّدر الأعظم محمد الجبّاص، وغيرهم.
ظَهر هذا الاهتمام والتعمُّق في التخصصات جلِياًّ لكلّ مَن عاصَر العلّامة الرافعي وسَمع عنه، ومَن أجازَهم وحاورَهم وحاوَروه، وجميعهم يشهدون له بالكفاءة والاقتدار، والارتقاء لمقام الإتقان في القراءة والكتابة والخطابة، والتميز بسرعة الحِفظ وقوّة الذاكرة، إذ كان يُلِمَّ بكثيرٍ من القصائد والدواوين الشعرية، ويحفظ نصوصاً أدبية رفيعة. كما كان له اطِّلاع على جديد ما يُنشَر ويُخَطّ، وقُدرة فذَّة على مُحاورة العلماء وردّ بعض الشُّبهات ومُناقشة القضايا التي كان على خِلاف معهم فيها، وتَقريض بعض النصوص الفلسفية والأدبية، سواء أكانت مغربية أو مشرقية.
وفي مرحلة أخرى مِن عمره بعد استقراره في مدينة الجديدة؛ يَـمَّـمَ وجهه شَطْر عِلم الفلك، فدَرَسَه، واشَتَغل بتعقيداته. حكى أحد تلامِذته يُدعى العربي المسعودي أنّه وَجدَ في بيتِ العلاّمة الرافعي حين زارَه “أسطرلاباً” كان قد أهداه له السلطان المغربي عبد الحفيظ. وكانت للرافعي صِلاتٌ مع علماء غربيين ومُستَشرقين، مراراً ما جَمَعتهُ بهم لقاءات علمية في مُستقرِّه بالجديدة، ومنهم هنري ديكاستري، ليفي بروفنصال، ويليام مارسي، جورج كولان، دوسان فال.
امحمد الرافعي.. الذِّكر والأثَر الجليل
كان الرجل مقصِداً للعلماء والطلبة وعامة الناس، يَستفْـتُونه، ويَطلبون رأيَه في نوازِلهم، وتفسيرَه لسُور القرآن، ويُحبّون محاورتَهُ في قضايا فلسفية ودينية، في مرحلة عصيبة من تاريخ المغرب المعاصِر، حيث الحرية تتعرض للقمع، والوطن تحت وطأة الاحتلال، والتنقل لغير ما ضرورة متعسِّر، والآراء والكُتُب التي تُخالِف هَوى وأدْلوجة الاستعمار ممنوعة من النّشر، والصُّحف قلَّما تصِلُ أصداؤها للقرى والبوادي النائية، والعلماء منهم مَن أُحْصِر في بيته، ومنهم مَن تَم توظيفه لفائدة الدعاية الاستعمارية، ومنهم مَن ظَلّ مُقاوِماً ممانِعاً بقلمِه ورأيِه وعِلمِه؛ ومنهم الفقيه العلامة امحمد الرافعي، الذي لم يَفتأ يُجيب على أسئلة العامة، ويَستقبل الطلبة والعلماء، ويُفتي في نوازِل عديدة، منها فتْواه الشهيرة في مسألة صلاة الخسوف جَماعةً التي توصّل بها شباب الحركة الوطنية يوم 19 غشت سنة 1924، وفتْـواه بشأن نزاع أسرة الرّزيني بحاضِرة تطوان. وكان يَزور الحواضِر المغربية للوقوف على أوضاعها تحت الحماية، إلا أنها كانت زيارات محدودة للغاية، في الزمان والمكان، كما كان بسببٍ مِن فتاواه وحِدّة طبعه وسجالاته الحامية ورُدوده القاسية؛ له خصومٌ ومُناوِئون، بقدر ما كان له أصدقاء ومُحبوّن.
ومِن أدوراه الوطنية الجديرة بالتقدير؛ استنكارُه لسياسة الميز العنصري التي نهجَتها فرنسا بإقدامها على استصدار الظهير البربري سنة 1930، ومُساندتُهُ لمطالب الحركة الوطنية[4]، ولقاءاتُه العديدة مع بعض الشخصيات الوطنية والمخزنية التي آل مصيرها إلى النفي والإبعاد بعد توقيع الحماية، وتوسُّطه لإطلاق سراح بعض عناصر الحركة الوطنية الذين اعتُقِلوا بسجن العاذر قُرب الجديدة، وتمكينهم من الاستشفاء والتطبيب، وتواصُله الدّائم مع رموز حزب الإصلاح الوطني بشمال المغرب، ومن خِلالِهم؛ نَسْجهُ علاقاتِ تراسُلٍ مع الأمير المناضل شكيب أرسلان رحمه الله.
الغريب في مسار الرجل أنّه لم يمتهن وظيفة رسمية ولا مهنة قارة، بل كان أصْلُ مَعاشه مِن الأوقاف الحبُسية التي كانت تُخصَّص للعلماء، وما كان يفِدُ عليه من هِباتٍ مَلكية وأعُطيات مِن لَدن السلطان يوسف بن الحسن ثم خَلَفه من بعده الملك محمد الخامس رحمهما الله، وعاش على الكفاف والعفاف، ولَـم يتزوّج قَط، فلم يخلِّف ذُرية تَحفظ اسمه وإسهامه، وتُحقِّق تراثه.
كما لَم يَصُغ بخطِّ يده كتاباً شاملاً في إحدى المجالات العلمية التي كان يُتقِنها، ولم يَترك لنا مذكِّراته الشخصية إملاءً على أحد تلامذته أو بخط يده، ما خَلا بعض التقاريض على كُتُبِ مشاهير رجالات العلم، ومجموعة مِن الرسائل التي ألَّفها بين الحين والحين: “رسالة في شَرْح وحدة الوجود”، “رسالة في رثاء الشّيخ أبي شعيب الدّكالي“، “رسالة في تحقيق معنى العقل والنّفس الكُلية”، “رسالة في الأصول”، و”رسالة فيما فهِمْته من هيجل”[5]، وبِضعة أسطُر عبارة عن تجميع ورأي في أقوال الوليِّ الصالح مولاي عبد السلام بن مشيش رحمه لله. ومع هذه القِلّة؛ فقد كان فيلسوفاً وعالِما، أُحيط بتقدير مَن عرفوه وخَبَّروه، ووصَفه السادة العلماء بأوصاف العلماء، وكان يحلو للعلّامة الوطني المكي النّاصري وصْفهُ بــ”مُطَّلِع المغرب الدّاهية سيدي محمد الرافعي”.
خاتمة
وبعد عمر عامِرٍ بالخير والاستقامة والنزاهة العلمية؛ وافته المنية يوم الجمعة 14 رجب 1360 هجرية، الموافِق لسنة 1941، وكان إذّاكَ في السابعة والخمسين من عمره. فترأَّس جنازته وتأبينه صديقه المرحوم البشير بن عبد الله الفاسي الفهري قاضي الجديدة، وشهِدتها جموعٌ غفيرة من العلماء والصلحاء وممثِّلي المخزن المغربي. ثمَّ أقيمَ حفْلُ تأبين له بمناسبة أربعينية وفاته، في سبتمبر 1941 أبَّـنَه فيه شعراء وعلماءٌ عَرفوا قَدْره، وجمعتهم به أسمارٌ وأفكار.
المراجع
[1] "موسوعة الحركة الوطنية والمقاومة وجيش التحرير بالمغرب"، الجزء الثاني، المجلد الأوّل، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التّحرير، نسخة ورقية.[2] (ابن خلدون) عبد الرحمن: "كتاب العِبر، وديوان الـمُبتَدأ والخبر، في أيام العرب والعجم والبربر، ومَن عاصَرهم من ذوي السلطان الأكبر"، المكتبة العصرية، لبنان، تحقيق درويش الجويدي، طبعة 2011.
[3] (السكيرج) أحمد: “الظِّـلُّ الوَريف في محارَبة الرّيف“، الطبعة الأولى 1926، دون اسم الناشر.
[4] (الجراري) عبد الله بن العباس: "التأليف ونهضته بالمغرب في القرن العشرين من 1900 إلى 1972"، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 1985.
[5] مجلة "الثقافة الجديدة"، العدد 21، سنة 1981.