المحتويات
توطئة
لقد راودت المؤلف، منذ أمد بعيد، فكرة تدوين بعض ذكرياته عن فترة من أحرج الفترات التي عرفها وعاشها في الطفولة وبداية الشباب، كما عاشها أفراد الشعب المغربي في مواجهة المستعمر الفرنسي الذي فرض هيمنته على البلاد وأهلها مدة أربعة وأربعين عاما.
ولا يعتبر المؤلف، نفسه سباقا إلى هذه المحاولة، بل كتب عنها العديد ممن عاشوا وعايشوا تلك الفترة، كما تناولها الكثير من الباحثين أيضا. غير أن الشهادة الحية تبقى في اعتقاده أصدق وأدق في التعبير عن الدور الذي لعبه رجال ونساء وفتية في بناء صرح المغرب المستقل، وتخليد كفاحه المجيد، لتبقى صفحاته مشرقة وذخرا وفخرا على مدى التاريخ ..
والكتاب سيرة روائية صدر عن “المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير”، الطبعة الأولى سنة 2018م. ويقع في 419 صفحة، قدم له المندوب السامي لقدماء المقاومين الدكتور مصطفى الكثيري، وتصدير الروائي والناقد الدكتور محمد علي حيدر.
ويهدف محمد شفيق من وراء هذا العمل، الذي فضل أن يأتي على شكل سيرة لا يعتبرها ذاتية، إلى رفع بعض الحجب عن الدور الذي لعبته فئة الشباب إبان المحنة التي عاشها المغاربة، وإسهامهم في التضحيات الجسام التي قدمها الشعب المغربي في سبيل صون عزته وكرامته وقيمه الحضارية والتاريخية. حتى تعرف الأجيال الحاضرة والمقبلة الأهوال والمخاطر التي ركبها أبناء هذا الوطن، والثمن الباهظ الذي دفعوه من أجل أن ينعم المغرب بحريته واستقلاله. وليعرف أبناؤنا وحفدتنا كيف يحافظون على هذا الاستقلال، ويوطدون صرح المجد والكرامة على الدوام. (الكتاب، ص: 31\32)
مضامين الكتاب
إن الكتاب يحكي قصة مقاومة احتلال، لشباب تحمسوا للانخراط في صفوف المقاومة، خصوصا إذا تعلق الأمر بمقاومة المحتل لبلادهم. قاوموا بكل الأساليب والأشكال والمتاح عندهم، إن لم تسعفهم البندقية لجئوا إلى الكتابة والقلم.
ودائما ما نجد في الصفوف الأمامية لمقاومة المستعمر المستبد فتية شبابا، يدافعون بحماس وإيمان قويين عن بلادهم المغتصبة. ويرجع السبب في ذلك إلى الظروف التي فتحوا أعينهم عليها، وما كانوا يشاهدونه ويعيشونه، أو يسمعونه من كبارهم عندما يتحدثون عن المعاملة السيئة التي لقيها آباؤهم وأمهاتهم على أيدي المستعمر المتجبر. فتتكون لدى هؤلاء الفتية والشباب عقدة نحو ذلك المستعمر، ملؤها البغض والكراهية… (الكتاب، ص: 33\33)
لقد فتح جيل من فتية المغرب وشبابه أعينهم على الاستعمار الفرنسي والإسباني، والذي تعامل مع المواطنين على أساس أنه مواطنون من الدرجة الثانية، أو كما كان يسميه المستعمر (Indigène)، وغير خاف ما تحمله هذه الكلمة من احتقار بغيض…
كان المغربي مستعمرا مستعبدا من طرف حاكم بأمره، مسيطر على خيرات البلاد، محولا لنفسه كل شيء، مثل نزع ملكية الأرض من أصحابها الشرعيين، واغتصابها رغم أنوفهم. ليتخذ منهم، بعدما كانوا أسيادا، خدما عليهم الرضى بما يقرره لهم السيد الأوربي …
كان على المغربي أن يتعامل مع هذه الوضعية بكامل الاستسلام، إن هو أراد أن ينأى بنفسه عن المشاكل التي يخلقها له المستعمر، وإلا سيعرض نفسه للمحاسبة والمعاقبة، ويُزَج به في السجن بتهم واهية.
المواطن المغربي، ومنذ البداية، ثار في وجه المستعمر وحمل السلاح في وجهه؛ فاشتعلت نار الثورة في الجبال، خاضها أبطال من مثل: موحى أوحمو الزياني، وعسو أوباسلام في الأطلس المتوسط والكبير، وكذلك في جبال الريف شمال المغرب الاستعمار الإسباني، قادها البطل الكبير محمد بن عبد الكريم الخطابي… (الكتاب، ص: 35)
وبشهادة العدو، فإن الأبطال المغاربة، بسلاحهم العتيق، وبعض ما كانوا يغنمونه من أعدائهم من أسلحة، استطاعوا أن يُخلدوا بطولات وملاحم لن ينساها تاريخ بلادهم. وذلك بفضل عزائمهم وإيمانهم بعدالة قضيتهم، وحفاظا على كرامتهم وعزتهم.
لم تهمد هذه الثورات شمالا ووسطا وجنوبا، إلا في أواسط الثلاثينيات من القرن الماضي، لتبدأ معركة أخرى، هذه المرة انطلاقا من المدن. أشعلها شباب متعلم متأثر بالأفكار التحررية الآتية من المشرق العربي، قادها شباب من مثل الزعيمين علال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني، وكذلك أحمد بلافريج، وعمر بن عبد الجليل، وغيرهم…
كانت البداية حملة تطالب بإصلاح وضعية المغاربة اجتماعيا واقتصاديا، ثم تحولت إلى المطالبة بالحرية والاستقلال في 11 يناير 1944. غير أن هذه المطالب كانت تُقَابَل من طرف المستعمر بالحديد والنار، وتخلف في كل مرة عددا من الشهداء والمعطوبين.
وقد وَجَدَتْ هذه المطالب تجاوبا من طرف ملك البلاد المغفور له جلالة الملك محمد الخامس. الشيء الذي أغاظ سلطات الاستعمار التي خلعت هذا الأخير من على عرشه، ونفته سجينا بعيدا عن عرشه وبلاده. فعاد المغاربة إلى حمل السلاح من جديد، وأشعلوها ثورة داخل المدن وفي القرى والجبال، انخرط فيها وقادها شباب استرخصوا النفس والنفيس من أجل الوطن وملك البلاد الشرعي، إلى أن تحقق النصر، وخرج المستعمر معترفا بالأمر الواقع… (الكتاب، ص: 36)
لقد انهمك عدد من حاملي المبادرة من الماهدين للعمل الوطني وقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، والمؤلف من بينهم، إلى تسجيل وتدوين مذكراتهم النابضة بخواطرهم وأحاسيسهم والجامعة لرواياتهم وذكرياتهم الذاتية والنضالية إبان فترة الكفاح الوطني.
ويعد هذا الكتاب، إحدى أهم الوثائق التي تتيح للقارئ رصد لوحات رائعة لفترة من تاريخ الكفاح الوطني التي كان المؤلف، هو ورفاق الدرب، في قلب أحداثها وأحد صناعها الأفذاذ. فهو يرويها بحس وصدق الوطني الغيور والمناضل الحر والراوي الملتزم بالحقيقة التاريخية.
وقد وفق مُؤَلِّف هذه السيرة في السفر بالقارئ عبر حقبة تاريخية دقيقة وحاسمة أثمرت مسارا وقائع تحس بها أحيانا وكأنها تنطق لتقول بأن الزمن والمكان معا سجلا لهذه الشخصية التاريخية، وشخصيات أخرى في العاصمة الاقتصادية، صور النضال الوطني والمواجهة للوجود الأجنبي، في قالب روائي جمع بين السيرة الذاتية والسرد، في تناغم رصين. ولم يكن السرد وحده من أعطى السفر تفرده بل كان للأسلوب ولعمق الوصف والرواية تأثير يوازي تأثير الحكي أو يزيد لدرجة تجعل القارئ مقبلا بلهفة على قراءة الكتاب ومتشوقا إلى التعرف على المزيد من الوقائع والأحداث من خلال ثنايا صفحاته. (مقدمة الكتاب، ص: 9)
تتوزع مذكرات المقاوم محمد شفيق، إلى مقدمة وتصدير، واستهلال، وفصول مترابطة ومتكاملة البنية والمضمون ومعززة بصور ودعامات شاهدة تستجيب لميل القارئ وتفتح شهيته وتثير نهمه لإتمام مطالعة المؤَلَّف بأكمله.
خصص المؤلف الفصل الأول للنشأة والصبا وتلقيه التعليم الأولى بالمسيد، وبسط معطيات عن العائلة وهي تعيش أجواء الحرب العالمية الثانية، جراء الإنزال الأمريكي في سنة 1942م، والدمار والتخريب الذي خلفته قنابل قوات التحالف في مواجهة النازية فوق التراب البيضاوي وما نجم عنها من هجرات اضطرارية لأهالي المدينة وساكنتها كما وقع لعائلة المؤلف التي هاجرت إلى الصويرة. وحدث تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال في 11 يناير 1944م وما تلاه من مظاهرات شعبية عارمة جوبهت بقوة الحديد والنار وبحملة الاعتقالات والمضايقات.
وفي الفصل الثاني، تناول المؤلف بالتحليل، أنشطة الحركة الوطنية في ظل سياسة الانفتاح التي نهجتها الحكومة الفرنسية في المغرب سنة 1946م. ومنها تنظيم ندوات وعروض مسرحية هادفة لإذكاء حماس المواطنين ومشاعرهم الوطنية. بالإضافة إلى اجتماعات الحزب التي كانت تعقد بين الفينة والأخرى في سرية تامة، بمنزل الوالد حيث تتلى نشرة الحزب المتضمنة للتوجيهات السياسية والحزبية.
وتطرق في الفصل الثالث للفترة التي عاش خلالها المغرب على إيقاع احتقان سياسي واجتماعي عصيب على إثر الانتفاضة الشعبية التي شهدتها مدينة الدار البيضاء تضامنا مع الشعب التونسي الشقيق إثر اغتيال الزعيم النقابي التونسي والمغاربي فرحات حشاد يومي 7 و 8 دجنبر 1952م. والتي أسفرت عن مواجهات دامية بفعل التدخل العنيف للقوات الاستعمارية، المدججة بكل أنواع الأسلحة، ضد المتظاهرين والمحتجين والمواطنين. وعن اعتقالات في صفوف المناضلين الوطنيين السياسيين والنقابيين وإخضاعهم للاستنطاق والتعذيب.
واستعرض في الفصل الرابع مرحلة سنوات التمدرس التى كانت حافلة بالكد والاجتهاد والمثابرة. حيث برع المؤلف في المطالعة والتمثيل؛ إذ غالبا ما كان يشارك في مسرحيات بمدينة الدار البيضاء. كما أبرز فضوله الكبير إلى الاطلاع على ما جَد من أخبار ومستجدات وطنية ودولية عبر تنصته العفوي على ما يدور بين والديه وبين أساتذته الوطنيين، وهو ما دفعه بمعية كوكبة من أقرانه وأترابه إلى التوقيع بدمائهم على وثيقة، رفعت كهدية إلى السلطان سيدي محمد بن يوسف بمناسبة الذكرى القضية لعيد العرش، يتعهد فيها الموقعون على التضحية في سبيل الحرية والاستقلال.
أما الفصل الخامس فقد كان الحلبة التي انبرى فيه صاحب السيرة في سرد مساره النضالي بعد نفي السلطان سيدي محمد بن يوسف وأسرته الكريمة في 20 غشت 1953. بعد أن ترسخت لديه ولدى أقرانه من جيل الشباب آنذاك فكرة الانتقال إلى مرحلة الكفاح المسلح. وتبين لهم أن لغة الحوار لم تعد تجدي نفعا مع المستعمر الذي أضحت حملاته القمعية تتخذ طابعا قمعيا وتعسفيا أكثر قساوة. فكان الانخراط في الفعل النضالي الفردي ثم المنظم من خلال الانتماء لإحدى خلايا المقاومة أشبال النصر.
وفي الفصل السادس الموسوم بـ “المواجهة العنيفة”، يبرز المؤلف سياسة سلطات الاحتلال بالمغرب بتعيينها فرنسيس لاكوسط (Francis Lacoste) مقيما عاما لتهدئة الأوضاع المتوترة والمتأزمة في المغرب. إلا أن هذا الإجراء لم يحقق للسلطات الفرنسية أهدافها. إذ استمرت المقاومة المغربية في نشاطها وتمسكت بمطالبها بعودة السلطان وإعلان استقلال البلاد، وبتنسيق بين مختلف التنظيمات وفصائل المقاومة تصاعدت العمليات الفدائية. وكان من نتائج ذلك من سلسلة من الحملات القمعية والمضايقات والملاحقات في حق الوطنيين المناضلين المخلصين.
الفصل السابع، يمكن اعتباره استراحة إلى حين للمؤلف، الذي فسح المجال أمام سارد آخر، وهو صديق السارد الرئيسي بدر الدين ميكو ليروي معاناته في المعتقل مع البوليس الفرنسي، فجاء حكيه جامعا لصور عكست المناخ السائد في المجتمع المغربي آنذاك، حيث تحضر مشاهد التعذيب، ووصف آلياته.
وفى الفصل الثامن حاول استكشاف واستقراء الأحداث والملاحم البطولية التي كانت ربوع المملكة مسرحا لها إبان فترة الكلام المسلح. حيث واصلت المنظمات الفدائية عملياتها في المدن كما في البوادي، كاستهداف خطوط السكك الحديدية وإحراق مزارع المعمرين ومنشأتهم وملاحقة غلاة المستعمرين وأذنابهم من العملاء ضعاف النفوس، لتتوج بانطلاق عمليات جيش التحرير بالشمال الذي ستنطلق رصاصته الأولى في فاتح أكتوبر 1955م مباغتة الوجود الفرنسي بالمغرب. (التقديم، ص: 10\15)
خاتمة
لقد توفق محمد شفيق في عمله التوثيقي هذا، وقدم من خلال مبادرته المتميزة سيرة روائية، أرخت لمساره النضالي وكفاحه مع ثلة من المجاهدين الأخيار، الذي ضحوا بالغالي والنفيس من أجل الحرية والاستقلال.
إن العناصر البنيوية للكتاب تصب في خانة تهجين السيرة الذاتية والرواية معا وصهرهما في قالب السيرة الروائية قلبا وقالبا. وإنه بالإمكان حسب الناقد محمد علي حيدر تحويل هذه السيرة الروائية إلى شريط سينمائي في حال التفت إليه المخرجون. وستكون الفائدة أعم وأشمل لو أقدمت وزارة التربية الوطنية على جعل هذا العمل المتميز جزءا من المقررات الدراسية بالسلك الثانوي والإعدادي. إذ أن أبناءنا الآن يكادون لا يعرفون شيئا عن تاريخ مقاومة بلادهم للاستعمار.