المحتويات
توطئة
خَطَا فَريق بحثيٌّ شَغوف بتاريخ المغرب وحضارته وثقافته وتُراثه الغَـني؛ خَطواتٍ ناجحة على دَرْب التعريف ببلادنا وإعطاء إشعاع لمسارها ونبوغ أفرادها في مجالات وميادين عديدة، ولأحقابٍ مُتطَاوَلة، فأصدَر سلسلة تحت عنوان “مذكرات من التراث المغربي”، تَضَمّنت ثمانية أجزاء، في مُجلّدات نوعية، مضموناً وإخراجا وتَسفيراً.
أشرف على إعداد وإنجاز هذا العمل الذي يُضافُ لجهود موسوعة “معلمة المغرب” و“موسوعة أعلام المغرب العربي”؛ الأستاذ الباحث والصحفي المثابِر العربي الصقلّي، مَعِية فريقٍ مُكوَّن مِن الباحث هنري موران، المكلّف بإدارة النشر، والباحِثتين زبيدة الزروالي وأمينة زين الدين الـمُشرِفتان على الوثائق، والإعلاميون البكاي والناشف وأدول، الذين تَولّوا مَهمة الأعمال التصويرية لأَعْداد المذكّرات، فيما اعتَنَت بتحرير المواد السيدة لطيفة الجبابدي والباحثة بُشرى بنعزوز، واختَصّ بترجمة النصوص الباحثَان عبد الكريم حليم والسكّوري، أما التصميم والإخراج الفني فمِن إبداع السيد جوزي مورو بتعاونٍ مع الباحثة مُنيرة أسْري.
آخِر عنَاقيد المذكرات التراثية
لعلّه كان مِن الأفْيد للقراء والأنفع لمحبّي تراث بلادنا أنْ نُعرّفهم بالجزء الأول من سلسلة “مذكرات من التراث المغربي”، الذي صدر تحت عنوان “ميلاد مَرْكز حضاري 40 ه–660م”؛ إلا أنّنا عَكَسْنا الوضعَ بتقديم قراءة في آخِر أعمالِ المجموعة العلمية، أيْ الجزء الثامن، الصّادر أواخر سنة 1986 تحت عنوان “المغرب الخالِد؛ تُراث فاخر 1983- ..”، لنُقدِّم مِسْك ختام جُهود البحث والتّنقيب في تاريخنا وماضي وراهن تراثنا، ولنُقَرّبَ لقارئ اليوم مَشاهِدَ مِن اجتهاد باحثِينَ معاصرينَ وباحثات مُـجِدّات لم يكونوا بِدْعا ممّن سَلَف من الأوفياء الـمجتهدين العصاميين الـمُحبّينَ في وطنهم وقصّة حضارته. وأيضا؛ لكَوْن المواد التي تَضمّنها المجلد الثامن لــ”مذكرات من التراث المغربي” تنصّبُ في مُعظمها على الشواهد العمرانية والإضافات المعمارية وأساليب العيش والطّبيخ والزواج والتواصل الاجتماعي والتجربة الـمسرحية وفنون التأثيث الـمنزلية لمغاربة أواخر القرن العشرين، التي ما نزال نُعايشها ونَلْمَسها في واقعنا الراهن.
وتجذر الإشارة إلى كَون هذه المذكّرات تشكّلت عبر مسارها الطويل من مجموعة مجلّدات، حَمل الجزء الأوّل عنوان “ميلاد مركز حضاري” كما أوْمأنا أعلاه. فيما انفَرد الجزء الثاني بدراسة “الطابع الإسلامي” للمغرب فيما بين 660م-1248م. وجاء الجزء الثالث تحت عنوان “مِن تَـمتين الدّولة إلى الـمخاطر 1248م-1666م”، والرابع بعنوان “مِن العَظمة إلى المؤامرات والدّسائس 1666م-1906”. وعالج الجزء الخامس إشكاليتي “التجزئة والمقاومة فيما بين 1906 و1933”. واختَصّ الجزء السادس بــ“ثورة الملك والشّعب”. أما الجزء السابع فصدر بعنوان “في رِكاب الأمم”. وقَفّى الجزء الثامن بموضوع “المغرب الخالد؛ تُراث فاخِر”. صَدرت جميعُها بأسلوب “عصري يَعتمد البساطة والسلاسة واليُسر، ويَطْرَح الأحداث والأخبار التاريخية بلُغَة بعيدة عن الـجمود، قريبا ممّا تَتَدَاوَلُه الأجهزة الإعلامية الـمرئية والمقروءة والـمَسموعة، حتى تَكونَ في مُتناوَل وَطَوْع أمْرِ مُختَلِفِ الفئات والمستويات التربوية والتعليمية والتثقيفية”[1]. وبالتالي فهي سلسلة تندرج في سياق العمل الثقافي-الإعلامي-التاريخي.
محتويات غَنية ومواد نَـوعية
صدَر الجزء الثامن منتصف الثمانينات، ضاماً مشارَكَات لمؤرّخين وأساتذة باحثين مِن تخصّصات متنوّعة، نساءً ورجالاً، خادِما الفكرة الأساسية للعدد؛ دراسة مظاهر التراث المغربي وتَحليل عناصر مفاخره وخصوصيته ومكوّناته وسِرّ استمراريته التاريخية.
يُؤكّد مُعِدّو هذه السلسلة أنّ المجلّد الثامن “يَبدو مُستقِلاً عن سائر الـمجلّدات”، دوره إكمال وتَوضيح “بعض الأحداث التاريخية وبَعض الأعمال والشخصيات التي طبَعت عصْرَها”، وغايته تَفْهيم القُرّاء “شخصية المغرب وخُلود شعبه”.
يحتوي هذا المجلد على معلومات ومعطيات لها دلالتها في التعبير عن كيان وتراث ثَقافي ما نزال نَلْمَسه ونُعايِشه، ونُفاخِر به، وفي التدليل على تراث أصيل راسخٍ واسِمٍ لحضارةٍ مغربية ذات فرادة وخُصوصية.
لقد اجتهد الباحثونَ والمشاركون في المجلد الثامن لــ“مذكرات من التراث المغربي” في تقديم محتوى متميّز، ومتنوّع. بحيث أبْرَزَت لنا السيدة جودية حصّار مُحافِظة متحف الآثار بالعاصمة الرباط جوانب مِن “تراث الفنّ المعماري التقليدي في المدن”[2] بدراستها لأهمّ المنازل التي كانت مِلْكًا للأسَر الكبرى أو وجهاء الـمُدن، والمتأثّرة في معمارها بالطِّراز الأندلسي، وخاصة في مُدن فاس والرباط وسلا وتِطوان. وأطْلَعتْنا على جوانب الدّقة والمهارة اللّتين امتاز بهما الصّانع والبنّاء والمهندس المغربي ورَبّ البيت في المدن المذكورة، وعبْر مُختِلِف العصور.
فيما قامت الباحثة ليلى والباحث محمد المسعودي بالنّبش عن “الحياة اليومية”[3] من خلال دراسة العادات الدفينة في كبريات المدن المغربية، وإبراز التقاليد العريقة للمغاربة، ووصْف أحداث الزفاف والولادة والأعياد والمناسبات الدينية والجماعية.
ويُطلِعان الأستاذ جمال بلخضر على أهّم وسائل “العلاج التقليدية والطب التقليدي بالمغرب”[4] ورحلة تأَصُّلِ هذا الفرع مِن العلوم في التربة المغربية، وعناية السلاطين والنّخب والعامة بالمعرفة الطبّية جيلاً عن جيل، وإقدام مطابع المغرب -منذ اعتُمِدت على عهد الدولة العلوية– في طَبْع مؤلّفات ومصنّفات عريقة في المعرفة الطبية والصّيدلية.
وفي تكاملٍ مع هذه المادة؛ كَتَبت الدكتورة غيثة الخيّاط -طبيبة الأمراض النفسية- مقالا عن “الطب العقلي القديم”[5]، أوْضَحت فيه مواقَفَ المجتمع المغربي مِن الأمراض العقلية وفي تعامله مع الـمرضى. وحَلّلَت نظْرةَ العامة والخاصة إلى مرض الجنون، وغيرها مِن الأمراض ذات الصلة بالجوانب العقلية للإنسان المغربي في الزمن الماضي.
أما الباحث والمؤرخ الجادّ محمد شفيق -عضو أكاديمية المملكة المغربية سابقا- فقدّم بحثا مسنوداً بالوثائق والمصادر عن “الأسُس البربرية للثقافة المغربية”، عالَجه مِن زوايا عِلْم الاشتقاق وعلم التاريخ، هادِفاً إلى بيان أنّ الثقافة المغربية تَكتَشف في الغِنى البربري الثّري “أمجاد خطواتها الأولى على أوْطإ سُبُل العالمية”[6] حسب تعبيره، ومُبرِزا في الآن ذاته قيمة التنوّع وأهميته في مَسير الثقافة المغربية وخصوصياتها.
وفي نطاق التعريف بالتنوع الثقافي والاجتماعي الذي وسَم المغرب، خَصّ الدكتور محمد كنْبِيب الملاّحات اليهودية بدراسة تحت عنوان “عهْد الملاح”[7]، عادَ فيه للبحث عن أصول اليهود المغاربة الـمُختلِفة، الـمُقيمين منهم والقادمين مِن الأندلس وإسبانيا عموما بَعد محنة محاكم التّفتيش، وتعرّضَ لذِكْر مختلِف مراحل مُقام اليهود في كَنَف المغاربة المسلمين وإلى آثار ذلكَ في الميدانَيْنِ الاجتماعي والاقتصادي.
كما تعَقّب المؤرخ إدمون عمران المالح مسيرة الثقافة اليهودية المغربية[8] وتجارب اندماج الطائفة اليهودية في نطاق قومي متأصّل في حدوده الجغرافية والحضارية والدينية، ودراسة المراحل الكثيرة التي قَطَعَتْها جماعة اليهود المغاربة في سَعْيها لصِيانَة التراث اليهودي.
فيما قدّمَت الباحثة مريم أحرضان نصوصا مهمة عن الفنون الشعبية المغربية[9] مِن غناءٍ ورقص وشِعْر، تلك التي حَقّقت حضوراً راسخا في تاريخ المغرب، واستنطَقت تلك النصوص بفكّ رموز “يَصعُب التعبير عنها بالكلمات”. وساقَت دراسةً للاختصاصي في دراسة الموسيقى الباحث أحمد عيدون، موضوعها “رقصتان جماعيتان؛ أحواش وأحيدوس”[10] تُقدِّم لمحاتٍ عن رموزها ومَعانيها وإيحاءاتها.
وفي مقاله عن “التقاليد الشعبية” يُقدِّم الإعلامي والصحفي السوداني محمد جبريل معاقِل التقاليد الشفوية الغنية والمتنوعة بالمغرب الأقصى، المترسّخة في سياق مفارَقة عجيبة، في ظِلّ عقود مديدة من الـعُزْلة والانزواء، وعقود من التراجع التاريخي تحتَ وطأة “ضغوط كانت تتفاقم باطّراد، جاعِلةً مِن الـحِفاظ على الذّات مَهمة مَركزية”[11]. ومَيّز في مقاله بين التّقاليد الشّعبية الـمُنتقِلة إلى الأجيال عبر السّماع، وتلك المتعلّقة بمهارة القَصص، والملحون.
وفي موضوع ذي صِلَة؛ تَعَرّض الباحث بوجمعة الأخضر لموضوع “عالم الرّموز”[12] انطلاقا مِن خبرته رَسّاماً ونَحّاتًا ومحافِظا أثَرِيا. فَبَيّنَ معانيَ الأشياء والرموز والأشكال الخطية والشّعارات والـخُطوط والتّزاويق والـمربّعات السّحرية والطّلاسم والصّوَر. ودَرس دلالات حركة الإبداع الشّعبي الـمنحدِرة إلينا من قُرونٍ، والمرتبطة بممارسات سحرية خَفية كانَت أو مكبوتة أو مَقْموعَةً أو مُتَدَاوَلة. وعلى هذا المنوال؛ سايَر أستاذ الأدب الباحث الحسن الـمنيعي مَجْرى التاريخ منذ العهد الروماني فيما يخصّ التقاليد الـمسرَحية، واصِفاً مختلِفَ أشكال المسرح القديم[13] بالمغرب، وصولاً إلى عُروض التعبير المسرحي المعاصِر.
وساهم في هذا العدد المختَص بتراث المغرب؛ الكاتب والسيناريست المغربي الطيب الصديقي بمقالٍ بعنوان “عروض مغربية تَقليدية”[14] استحْضَرَ فيه نصوصا تؤطِّر موضوع العروض التقليدية في كُلٍّ من جامع الفنا بمراكش والبْساط والمسرح الصّوفي والمسرح الـمتنقّل وصندوق العجب.
فيما قَدّمت المؤرِّخَة وعالمة الآثار الدكتورة نعيمة الخطيب بوجيار إضاءات على “فنون التأثيث المغربي”[15] التي تشمل الزرابي والتّطريز والفخار والـخشب والـحِلِي والأسلحة، منطلِقةً في دراستها مِن وثائق مُصَوّرة، عَرَض المجلد جُزءا منها متخلِّلاً فقرات المقالات.
أما المادة الأخيرة في ملف العَدد فجاءت في موضوع “التقاليد الحربية”[16]، بقلم الأستاذ أحمد الصّفريوي، أشادَ فيه بالإنسان الفارس المغربي والحصان العربي-الأندلسي-البربري، وفنون اللعب بالبارود والزّغاريد الـمُصاحِبة للحروب ولأنشطة القبائل الـجهادية، ومسار الـمغامرات الحربية لَدى أجدادنا، وصولاً إلى محطات مِن مهرجانات لعِب الخيول في مغرب القرن العشرين.
تضمّن العدد دعامات صورية وبصرية متنوعة، وساقَ نصوصا ومُقطّعات شعرية، ومقالات سبَق لها الصدور في جَريدة 8 مارس، وجريدة EL HORRIA وهي صحيفة يهودية كانت تصدر بمدينة طنجة سنة 1922.
خلاصة
خَتمَ المجلد بإيراد مَسْرَد للتسلسل التاريخي لأهمّ الأحداث التاريخية التي أتت على دراستها المجلّدات السّبْع السابقة، منطلِقا في الـمَسْرَد فيما قَبل 350 مليون سنة التي تؤرخ لظهور الثديات والطيور الأولى والحيوانات الضّفدعية، ولقرون ما بعدَ الميلاد، وبالضبط من سنة قدوم الوندال إلى شمال إفريقيا في 492 للميلاد، وأحداث القرن السابع الميلادي، فالفتح الإسلامي بالمغرب، فأحداث القرن التاسع والعاشر والحادي عشر، انتهاءً بسنة 1981 من القرن العشرين. كما تَم إرفاق قائمة المصادر والمراجع والدراسات، وفهرس الموضوعات.
المراجع
[1] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، سنة النشر 1986، ص 9.[2] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 40.
[3] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 41.
[4] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 56.
[5] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 79.
[6] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 99.
[7] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 112.
[8] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 130.
[9] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 144.
[10] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 156.
[11] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 168.
[12] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 188.
[13] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 207.
[14] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 217.
[15] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 220.
[16] "مذكرات عن التراث المغربي"، إشراف العربي الصقلي، المجلد 8، ص 242.