مقدمة

لا يكاد الباحث في تاريخ المغرب يبذل مجهودا كبيرا في التنقيب عن علاقة الوطنيين المغاربة بالقضية الفلسطينية حتى تنهال عليه الشواهد من كل حدب وصوب، وهو برهان ساطع وخبر شائع عن تعلّق المغاربة بفلسطين، وتمسكهم بقضيتها. هذا الارتباط ممتد في الزمن المعاصر، منذ وقوع فلسطين في شَرَكِ الانتداب البريطاني 1917م، ومستمر إلى لحظتنا الراهنة، مع ذلك يعد حدث إعلان تأسيس “دولة الاحتلال الإسرائيلي” في الأراضي الفلسطينية سنة 1948م، لحظة فارقة في مواقف زعماء الحركة الوطنية المغربية، فكيف استطاع المغاربة دعم القضية الفلسطينية وهم تحت وطأة الاستعمار؟ وما هي الخطة التي سار عليها الوطنيون المغاربة حينما تصادمت الأولويات الدبلوماسية بين القضية المغربية والقضية الفلسطينية؟

إن معاناة المغاربة إبان عيشهم تحت نظام الحماية الفرنسية-الإسبانية، جعلتهم يتمسكون بمقومات هويتهم، وعلى رأسها الإسلام ثم القومية العربية التي تشرّبها الجيل الثاني من النخبة الوطنية، هذا ما جعلهم منحازين إلى الحركات التحررية ومتحدين مع باقي الشعوب العربية التي تسعى إلى الانفكاك من قيود الاستعمار.

ولما كانت فلسطين ضحية من ضحايا الانتداب البريطاني في المشرق العربي، فإن هذا البلد الذي للمغاربة فيه سوابق، وملاحم تاريخية خالدة، حرّك في أهل المغرب الأقصى نزعات التضامن والمساندة، وإن كانوا في وضع يجعلهم هم أولى بالدعم، إلا أنهم لم يبخلوا بإيلاء القضية الفلسطينية مكانة خاصة، من بين تمظهراتها تخصيص يوم 27 رجب من كل سنة في المنطقة الخليفية للتضامن مع أبناء فلسطين، ولرفض تهويدها خلال الانتداب البريطاني، وأطلقوا عليه “يوم فلسطين” وذلك تطبيقا لمقررات مؤتمر بلودان الذي عقد بسوريا يومي 8 و9 شتنبر 1937[1]، وكانت هذه المناسبة تشهد تجمعات بالمساجد لقراءة القرآن وإقامة صلاة الغائب وتنفيذ الإضراب العام[2].

العمل الدبلوماسي الوطني وتحمل مسؤولية القضيتين

بعد تأسيس الجامعة العربية ومكتب المغرب العربي بالقاهرة، تربّع العمل الدبلوماسي الخارجي عرش الكفاح الوطني، وذلك بفعل القمع الاستعماري بالداخل، والفرص التي أتاحها العمل الخارجي؛ خصوصا رهان عرض القضية الوطنية بالأمم المتحدة.

في تلك الأثناء بلغت عملية تهويد فلسطين أشدها، فما كان على الوطنيين المغاربة-بفعل متابعتهم للقضية-إلا الانخراط في معركة مواجهة هذا التحدي بالتعبير عن مواقف الدعم والنصرة، حيث صرّح محمد بن عبد الكريم الخطابي بعد استقراره بالقاهرة لصحيفة “المصري” 31 ماي 1947، قائلا: “إن فسلطين بلاد عربية ولا بد أن تبقى عربية (…) وهي لم تغب عن بالي عندما كنت في المنفى”[3]، وحينما وصل المهدي بنونة إلى نيويورك في شتنبر من نفس السنة؛ وأسس المكتب المغربي للإعلام والتوثيق، كانت من بين مهامه الأساس ترجمة مقالات ومذكرات تتعلقّ بكل القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية ونشرها[4].

ثم مع إعلان الأمم المتحدة تقسيم فلسطين بين العرب اليهود في 21 دجنبر 1947، أصدر حزب الاستقلال المغربي بيانا يدين الحركة الصهيونية، ويفصل بين اليهود المغاربة وفكرة الصهيونية الاستعمارية التي “تريد الاستيلاء على ما في يد الغير ظلما وعدوانا”[5].

كما دعا الاستقلاليون المواطنين المغاربة –خصوصا اليهود– إلى مقاومة فكرة الصهيونية وعرقلة عملها، وأبرقت قيادة الحزب إلى الأمين العام للأمم المتحدة تعبّر عن احتجاجها بشدة ضد “السياسية الصهيونية التي ليست إلا نوعا من الاستعمار المنبوذ”[6].

تزامنت هذه التطورات مع تواجد الزعيم الوطني عبد الخالق الطريس في جولة رامت إلى كسب دعم القادة والنخب العربية للقضية الوطنية، فزار مدينة يافا الفلسطينية، وألقى خطابا أكد فيه على: «أن الحركة الوطنية المغربية تؤيد كفاح الشعب الفلسطيني وتضحي من أجله. وأن عرض قضية المغرب على الأمم المتحدة لا يرمي التشويش على القضية الفلسطينية وليس عملا جانبيا كما يزعم البعض»[7].

ورغم أن الوطنيين في هذه الفترة كانوا قد هيأوا كل أسباب العمل الخارجي ليكون مسارا مجديا يفضي إلى الضغط الدولي على الاستعمارين الفرنسي والإسباني، ثم انتزاع الاعتراف الدولي باستقلال المغرب عن طريق الأمم المتحدة، إلاّ أن ما لم يكن في الحسبان هو تصادف بحث الوطنيين المغاربة عن الدعم العربي، مع اشتداد الدعم الدولي للصهيونية، ما فرض على الدول العربية تقديم نصرة القضية الفلسطينية على كلّ القضايا العربية.

بقي المناضلون المغاربة معلّقين طيلة سنتين (1947-1949) من اللقاءات والمراسلات مع المسؤولين العرب في انتظار أن ترسو سفينة القضية الفلسطينية على حلّ ما. وأمام هذا الوضع لم تأخذ القضية المغربية حقّها في العرض والتداول بالهيئتين اللتان علّق عليهما الوطنيون آمالهم، ففي المشرق العربي أخبر امحمد بن عبود المهدي بنونة في رسالة بتاريخ 26 أبريل 1948، أنه «لا يسمح الجو هنا [القاهرة] بسبب خطورة الموقف في فلسطين بأكثر من بعض الاتصالات»[8]، أما في الأمم المتحدة بادر بنونة بتقديم الإحاطة التالية: «حين اتصلت بالوفود العربية لمعرفة رأيها حول عرض قضية المغرب وتونس على الجمعية العامة للأمم المتحدة، لم أجد لديها حماسا للموضوع، لأن معظم تلك الوفود كانت ترى أن إثارة قضية أخرى غير القضية الفلسطينية من شأنه أن يفتح عدة جبهات»[9].

تظهر هذه المواقف أن المغاربة رغم ما كانوا يعانونه من الاستغلال الاستعماري ظلّوا دائما سندا لنضال الفلسطينيين، وكان ذلك تشبثا بالثوابت التي أطّرت فكرهم وعملهم، إذ كان حرصهم شديدا على وحدة الصف العربي، وصدارة القضية الفلسطينية لما لها من مكانة خاصة، وهي ليست مجرد مغامرة دبلوماسية-عاطفية، بل كان وعيا استراتيجيا يراهن على وحدة الكتلة العربية-الإسلامية.

بعد فشل الدول العربية في استقطاب أصوات كافية لدعم القضية الفلسطينية بالأمم المتحدة، وتعرّض فلسطين إلى التقسيم بموجب قرار الجمعية العامة 29 نونبر 1947، أُعلن عن تأسيس “دولة الاحتلال الإسرائيلي” ماي 1948، وتبع هذا الإعلان اعتراف أمريكي ثم سوفياتي، حاول العرب ردّ الاعتبار عن طريق السلاح، وفي تلك الأثناء عبّر الخطابي -رئيس لجنة تحرير المغرب العربي- عن استعداد أبناء المغرب العربي للمشاركة في تحرير فلسطين[10]، وبالفعل تطوع حوالي خمسة آلاف من المغاربيين في هذه الحرب حسب علال الفاسي[11].

كما أيّد السلطان محمد بن يوسف ملوك ورؤساء الدول العربية في حربهم ضد إسرائيل ما أثار حفيظة سلطات الحماية الفرنسية التي عدّت برقية الدعم خرقا لبنود معاهدة الحماية[12]، بالموازاة مع هذا الدعم العسكري والدبلوماسي، تشكلت لجن جمع المساهمات المادية لصالح فلسطين في مختلف مدن المنطقة الخليفية، حيث وصلت قيمة ما تم جمعه سنة 1949، إلى أكثر من أربعة ملاين ومائتي ألف بسيطة[13].

موقف الوطنيين من الدعم الإسباني للقضية الفلسطينية

بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وجد نظام فرانكو نفسه محاصرا دبلوماسيا، ونتج عن هذا الحصار رفض قبول عضوية إسبانيا في الأمم المتحدة (28 يونيو 1945)، فكان رهان إسبانيا على أصوات الجامعة العربية السبعة في الأمم المتحدة[14]، إلى جانب كتلة أمريكا اللاتينية، وكان لهذا التوجه تأثير مباشر على علاقاتها مع هذه الدول.

وجدت الدول العربية من جهتها في دعم إسبانيا فرصة لاكتساب صوت قوي لدعم القضية الفلسطينية بالأمم المتحدة، وبالفعل لم تحظ “دولة الاحتلال الإسرائيلي” باعتراف إسبانيا سنة 1949، لكن توجه عبد الخالق الطريس كزعيم ل”حزب الإصلاح الوطني” لم يساير الطرح العربي، ورد على دعم الجامعة العربية لإسبانيا في الأمم المتحدة بأن: «إسبانيا لم تفعل شيئا تستحق أن تكسب من أجله عطف الدول العربية (…) لا أعتقد أن الجامعة العربية يمكن أن تنخدع للمناورات الإسبانية، لأن الدبلوماسية الإسبانية أعجز من أن تجعل العرب يرسمون خطة ودية إزاءها على أساس واه»[15].

إن المتمعن لهذا الموقف يبصر فيه بعد النظر الذي طبع الفكر الوطني، إذ لم تكن معارضة هذا الموقف انتصارا للقضية الوطنية فحسب، وإنما انتصارا عميقا للقضية الفلسطينية، فلا يمكن أن يقبل دعم دولة محتلة لدولة مستعمرة، لأنها تمارس نفس الخطيئة السياسية والإنسانية، كما أن هذا الدعم لا يقف على أسس ثابتة، وإنما يتّكل على مصالح متقلّبة قائمة على تحالفات ظرفية، قد يهزّها أي تغيّر طارئ.

خاتمة

إن إدراك الوطنيين لقيمة تحمل مسؤولية الكفاح الوحدوي، نبع من تكوينهم الاجتماعي والثقافي الذي تأسس على الانحياز إلى دائرة الانتماء الصلبة، لا إلى دائرة المصالح المتهافتة، حتى حينما أراد علال الفاسي وصف “دولة الاحتلال الإسرائيلي” استعمل عبارة بليغة، فشبّهها بإسفين “يفرّق بين آسيا العربية وأفريقيا العربية”[16]، بمعنى أن وجودها لم يكن مرادا لذاته، بل كان إرادة لتمزيق تكتل منافس للقوى الاستعمارية التقليدية.

المراجع
[1] مؤتمر تم عقده في سوريا بعد قرار قسيم منطقة فلسطين والأردن.
[2] محمد ياسين الهبطي، مساهمة في دراسة تاريخ المقاومة المغربية للاستعمار الإسباني مقاومة مدينة شفشاون نموذجا، المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الطبعة الثانية، 2016، ص، 294.
[3] صفوان ناظم داؤد حسن، "الحركة الوطنية المغربية والقضية الفلسطينية 1930-1948"، مجلة الدراسات التاريخية والحضارية، م5، ع16، 2013، ص، 16.
[4] محمد الخطيب،الوطنية في شمال المغرب، راجعه وأعده للنشر: محمد العربي المساري ومحمد معروف الدفالي، الرباط، منشورات أمل، الطبعة الأولى، 2020، ص، ص، 313 و314.
[5] عبد الإله بلقزيز، العربي مفضل، أمينة البقالي، الحركة الوطنية المغربية والمسألة القومية 1948-1967، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1992، ص، 191.
[6] عبد الإله بلقزيز، العربي مفضل، أمينة البقالي، الحركة الوطنية المغربية والمسألة القومية 1948-1967، مرجع سابق، ص، 191.
[7] المهدي بنونة، المغرب..السنوات الحرجة، الشرق الأوسط، الطبعة الأولى، جدة، 1989ص، 163.
[8] رسالة امحمد بن عبود إلى المهدي بنونة، بتاريخ 26 أبريل 1948، أنس الفيلالي، القضية المغربية في الخارج، 1937-1949 (ملف وثائقي)، ص 98.
[9] المهدي بنونة، المغرب..السنوات الحرجة، مرجع سابق، ص 162.
[10]صفوان ناظم داؤد حسن، الحركة الوطنية المغربية والقضية الفلسطينية 1930-1948، ص 16.
[11]صفوان ناظم داؤد حسن، الحركة الوطنية المغربية والقضية الفلسطينية 1930-1948، مرجع سابق، ص 21.
[12]صفوان ناظم داؤد حسن، الحركة الوطنية المغربية والقضية الفلسطينية 1930-1948، مرجع سابق، ص ص 19 و20.
[13] محمد ياسين الهبطي، مساهمة في دراسة تاريخ المقاومة المغربية للاستعمار الإسباني مقاومة مدينة شفشاون نموذجا، ص 296.
[14] RocìoVELASCO DE CASTRO, Nacionalismo y Colonialismo en Marruecos (1945 1951),, ALFAR IXBILIA, Seviila, 2012,p, 25.
[15] النشرة الإخبارية الصادرة عن الجامعة العربية 25 ماي 1947، أنظر: أنس الفيلالي،القضية المغربية في الخارج، 1937-1949 (ملف وثائقي)،منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، القنيطرة، الطبعة الأولى، 2019، ص 36 و37.
[16] علال الفاسي، كي لا ننسى، سلسلة الجهاد الأكبر، الرباط، مطبعة الرسالة، ص، 264.