مقدمة

الحسن بن محمد الوزان الفاسي المعروف بليون الإفريقي أو يوحنا الأسد الغرناطي، واحد من أبرز جغرافيي المغرب ورحالته، وهو “بين العرب بالنسبة للجغرافية كابن خلدون بالنسبة للتاريخ” كما قال محمد المهدي الحجوي[1]. وهو أحد أبرز خريجي جامعة القرويين بفاس، وقد عاصر الفترة  التاريخية الواقعة بين أواخر الدولة الوطاسية وبدايات الدولة الزيدانية (السعدية)، وهي فترة عصيبة من تاريخ المغرب تميزت بالانقسام والإضطراب السياسي، واحتلال برتغالي اسباني لعدد من الثغور المغربية، لكنها في نفس الوقت كانت فترة ازدهار علمي وثقافي موروث عن الجهد الذي بذلته الدولة المرينية في مجال نشر العلم وبناء المدارس. وقد بقيت حياة هذه المعلمة العلمية المغربية مجهولة لقرون طويلة خاصة لدى المغاربة والمسلمين عامة، وقد تشابهت في ذلك تجربته بتجربة الرحالة المغربي الآخر الشريف الإردريسي. وبالإضافة إلى نبوغه في مجال الجغرافيا،نبغ في  مجالات علمية أخرى وخاصة الطب، والتي ألف فيها كتب عدة وبلغات متعددة. وكانت تآليفه في الجغرافيا خاصة مصدرا أساسيا عن إفريقيا طوال العصر الحديث.

نسبه ونشأته وتعليمه

ينتسب الحسن بن محمد الوزان الفاسي إلى قبيلة بني زيات الزناتية الأمازيغية في أقصى غرب بلاد غمارة من سلسلة جبال الريف بشمال المغرب، بين ساحل البحر المتوسط ومجرى وادي لاو القريب من مدينتي شفشاون وتطوان. عاشت أسرته حقبا من الزمن في الأندلس، وكانت ولادته عام 888ه/1483م بمدينة غرناطة قبل سقوطها، وانتقل مع أسرته إلى مدينة فاس وهو صغير. وفي مدينة فاس نشأ وتعلم، فالتحق بجامع القرويين، وطلب العلم على يد عدد من شيوخ وعلماء القرويين، وكان على رأسهم الإمام محمد بن غازي المكناسي[2]. ودرس البيان وعلم الكلام والفقه والحديث والأدب والتاريخ والجغرافيا والفلك والحساب… وقد ظهر تضلعه العلمي في كتاباته وتآليفه، وهو أيضا ما جذب انتباه البابا ليون العاشر (Léon X, Jean de Médicis) وحاشيته ليقرروا توظيفه كأستاذ ومصدر موثوق للعلم والمعرفة.[3] كما أنه كان يجالس الفقهاء والقضاة في المدن والقرى التي كان يزورها خلال رحلاته العديدة، يناظرهم ويناقشهم في نوازل فقهية وفتاوي دقيقة.[4]

وقد اشغل الحسن الوزان في سلك الوظيفة وهو في سن مبكرة، فعمل عدلا مدة سنتين بالمستشفى الكبير بفاس (مستشفى سيدي فرج)،[5] كما عمل حيسوبيا كمحصل لواجبات بيت المال، وانخرط في سلك رجال الدولة بعد أن قربه السلطان الوطاسي محمد الوطاسي المعروف بالبرتغالي لما رأى فيه من النبوغ المبكر، فأسند إليه عدة مهام سياسية حساسة وسفارات عديدة، على حداثة سنه، وهو ما مكنه من زيارة مناطق كثيرة من البلد وخارجه.[6]

رحلاته في المغرب وخارجه

كانت حياة الحسن الوزان منذ صغره، مليئة بالتنقلات والرحلات والأسفار، ويبدو أنه كان يسير على خطى الرحالة المغربي الآخر ابن بطوطة، ولا يستبعد أن يكون قد اطلع على خبره وهو في سن مبكرة فأراد أن يقتفي أثره ويسير على خطاه ومنواله. فقد كان الحسن الوزان بداية يرافق في شبابه والده في أسفاره لمنطقة الريف لقضاء مهمات وظيفية، كما كان يرحل كل سنة منذ صباه لحضور موسم مولاي بوعزا (الشيخ أبي يعزى) بالأطلس بمدينة تاغيا. لقد مكنته هذه الرحلات ومهمته السياسية إلى جانب السلطان الوطاسي من زيارة عدد من المدن شمالا وجنوبا والتعرف عليها؛ كأصيلا، وسلا، وآسفي، ومنطقة تادلا، ومدينة تفزا، ومراكش، وسجلماسة، ودرعة، وحاحا، والأطلس الكبير، ومنطقة سوس، وخلال زيارته لهذه الأخيرة تعرف على القائم بأمر الله السعدي وشهد بيعة أهل تارودانت له كأمير للجهاد عام 915هم1509م، وكان قد استولى على مناطق سوس وحاحة[7].

أما رحلاته خارج المغرب فقد كانت على مرحلتين؛ قادته الأولى، وفي سن مبكرة، إلى عدة جهات، فزار عدد من المناطق خارج المغرب، خاصة السودان الغربي وآسيا وأوربا، ففي عام 917ه/1511م صحب عمه الذي كان مكلفا بسفارة بين محمد الوطاسي وملك السونغاي محمد أسكيا الكبير إلى السودان الغربي[8]. وفي عام 921ه/1516م زار الجزيرة العربية ومصر، وبغداد وفارس وأرمينيا وبلاد التتار، وذلك قبل العودة إلى المغرب. أما الثانية فقد قادته إلى القسطنطينية ومصر ومنطقة الحجاز وطرابلس (923ه/1517م) وإفريقية (تونس) عام 926ه/1520م وهي نفس السنة التي غادر فيها البلاد التونسية بحرا فوقع في الأسر. ولا تعرف تفاصيل كثيرة حول رحلاته إلى المشرق وأوربا، حيث أن القسم الذي بقي من كتابه الذي وثق فيه رحلاته يتعلق فقط بإفريقيا.[9]

في الأسر.. من الحسن الوزان إلى ليون الإفريقي

خلال عودة الحسن الوزان بحرا من تونس عام 926ه/1520م إلى المغرب في رحلته الثانية، وقع الحسن الوزان في الأسر على يد قراصنة إيطاليين قرب جزيرة جربة، فأخذوه إلى مدينة نابولي وقدموه هدية للبابا جان ليون العاشر (Léon X, Jean de Médicis) وهو من باباوات عصر النهضة في أوربا، وكان مولعا بالعلوم والآداب، فرحب به وقربه، خاصة وأنه وجده عالما ومثقفا ومحبا للفكر والعلم، فوظفه مدرسا للغة العربية لرجال الكنيسة الكاثوليكية في روما ونابولي، وسماه جون ليون أو يوحنا الأسد الغرناطي أو الإفريقي. وقد تعلم اللغة الإيطالية واللاتينية، كما أنه كان يحسن الإسبانية والعبرية، وألف خلال تلك الفترة مؤلفات عدة باللغة الإيطالية في التاريخ والجغرافيا واللغة. كما لا تعرف تفاصيل كثيرة حول حياته في إيطاليا باستثناء توظيفه كأستاذ للغة العربية بكلية بولونيا الشهيرة.[10] وبعد وفاة البابا ليون العاشر سنة 1521م انتقل ليعيش في كنف الكاردينال جيل دي فيطيرب (Gilles de Viterbe) فكان يعلمه اللغة العربية.

وبالرغم من إشارة عدد من المصادر التاريخية إلى أن الحسن الوزان ترك الدين الإسلامي وتنصر وتمت تسميته بليون الإفريقي أو الأسد الغرناطي، فإن محمد حجي ومحمد الأخضر قد أكدا أن الحسن الوزان تظاهر فقط بالمسيحية حتى يتسنى له العيش في البيئة المسيحية، مؤكدان استمرار إسلامه وثبات عقيدته طوال السنين الثلاثين التي قضاها أسيرا في إيطاليا، وهو ما تؤكده الشواهد من كتابه “وصف إفريقيا” وخاصة في المقاطع التي كان يتحدث فيها عن الإسلام والشريعة الإسلامية، وعن المسلمين، وكان دائما ينسب نفسه لجماعة المسلمين، ولم يسبق له أن نسب نفسه للمسيحيين. كما أنه تمسك باسمه الإسلامي رغم مرور السنين على أسره وتداول اسمه المسيحي، حيث كان يوقع كتبه في نابولي وروما بقوله: “العبد الفقير إلى الله مؤلفه يوحنا الأسد الغرناطي المدعو قبل الحسن بن محمد الوزان الفاسي”.[11]

نهايته الغامضة

تحدثت المصادر التاريخية عن أن الحسن الوزان اختفى في مدينة روما في ظروف غامضة حوالي عام 957ه/1550م، ورحل إلى تونس ليعود إلى حياته الإسلامية الأولى، ومن تم انقطعت أخباره، فلا يعرف أعاد إلى بلده فاس بالمغرب أم بقي في تونس، وترجع المصادر أن وفاته كانت في نفس السنة توفي أي حوالي عام 957ه/1550م.[12]

مؤلفات ليون الإفريقي

ألف الحسن الوزان عددا مهما من المؤلفات باللغة العربية واللغة الإيطالية واللاتينية، وفي تخصصات متعددة كالجغرافيا والتاريخ والطب والفقه، وفي الأدب واللغة. وقد ضاع أغلب هذه التآليف، ولم يبقى منها إلا الآتي[13]:

  • “وصف إفريقيا”: وهو القسم الثالث من كتابه “الجغرافيا العامة” الذي ألفه باللغة العربية بعد أن ضاع الجزآن الأول والثاني، ثم نقله إلى اللغة الإيطالية أيام أسره عام 932ه/1526م. وعن هذه الترجمة نقل إلى لغات أخرى، أما الأصل العربي فقد ضاع[14]. نشر الكتاب أول الأمر بمدينة البندقية سنة 1550م، وترجم إلى اللغة اللاتينية وطبع عام 1554م، وترجم إلى الفرنسية وطبع بمدينة ليون الفرنسية سنة 1556م. كما ترجم إلى اللغة الإنجليزية والألمانية، وأخيرا اللغة العربية، وقد ترجمه إلى العربية عن اللغة الفرنسية الأستاذان محمد حجي ومحمد الأخضر عن الترجمة الفرنسية التي أنجزها الطبيب الفرنسي إيبولار سنة 1949، ونشرها معهد الدراسات العليا بالرباط سنة 1956 في جزأين.
  • معجم عربي – عبري لاتيني، وقد ألفه الوزان للطبيب اليهودي يعقوب بن شمعون، وهو مخطوط بمكتبة الإسكوريال بإسبانيا.[15]
  • كتاب في التراجم: باللاتينية، عرف فيه بثلاثين شخصية من فلاسفة العرب وأطبائهم، وانتهى من تأليفه سنة 933ه، ونشر بمدينة زوريخ السويسرية سنة 1664م.

أما كتب الحسن الوزان الضائعة فيظهر أن بعضها كتبها قبل وقوعه في الأسر، وبعضها في إيطاليا، منها:

  • مختصر تاريخ الإسلام
  • أشعار الأضرحة
  • كتاب في الفقه المالكي
  • مؤلفات أخرى في الأعياد الإسلامية وقواعد اللغة العربية والشعر.
المراجع
[1] أنظر تصدير كتاب: "حياة الوزان الفاسي وآثاره"، محمد المهدي الحجوي، المطبعة الإقتصادية، الرباط، 1354ه/1935م.
[2] الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف افريقيا، ج1، ترجمه محمد حجي ومحمد الأخضر، درا الغرب الإسلامي- بيروت، ط2، 1983، ص 6-7.
[3] محمد المهدي الحجوي، حياة الوزان الفاسي وآثاره، المطبعة الإقتصادية، الرباط، 1354ه/1935م، ص 9-11.
[4] الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف افريقيا، ج1، مرجع سابق، ص 7.
[5] محمد المهدي الحجوي، حياة الوزان الفاسي وآثاره، مرجع سابق، ص 12.
[6] المريني نجاة، معلمة المغرب، ج22، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر ومطابع سلا، 2005، ص 7584/ الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف افريقيا، ج1، مرجع سابق، ص 8.
[7] محمد المهدي الحجوي، حياة الوزان الفاسي وآثاره، مرجع سابق، ص 12-15 / الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف افريقيا، ج1، مرجع سابق، ص 8-9.
[8] الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف افريقيا، ج1، مرجع سابق، ص 09.
[9] الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف افريقيا، ج1، مرجع سابق، ص 10./ محمد المهدي الحجوي، حياة الوزان الفاسي وآثاره، مرجع سابق، ص 17-20.
[10] محمد المهدي الحجوي، حياة الوزان الفاسي وآثاره، مرجع سابق، ص 21-23.
[11] الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف افريقيا، ج1، مرجع سابق، ص 11-12.
[12] الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف افريقيا، ج1، مرجع سابق، ص 14.
[13] الحسن بن محمد الوزان الفاسي، وصف افريقيا، ج1، مرجع سابق، ص 13 وما بعدها.
[14] محمد المهدي الحجوي، حياة الوزان الفاسي وآثاره، مرجع سابق، ص 2-3.
[15] محمد المهدي الحجوي، حياة الوزان الفاسي وآثاره، مرجع سابق، ص 3.