مقدمـة

في المدخل الشمالي لمدينة آسفي ذو الطلّة البانورامية على البحر، والذي يحظى بفرشة مائية باطنية قليلة الغور نِسبيا، وعيون مائية مكشوفة على الشاطئ، توجد عين “لالـــة ميـرة” بأسفل المُنحدر المُحاذي لضريح سيدي بوزيد. وهي منبع مائي طبيعي، عذب، فرات، وغزير دائم الدفق،لا ينضب أو ينقطع ماؤه حتى في سنوات القحط، تجري مياهه بدون انقطاع منذ قرون طوال السنة، تقصده ساكنة المدينة وزوارها للترويح عن النفس. ولعل موقع العين المُتدفقة من بين الأشجار وسط الأجراف على شاطئ “البْلايا”، كما تسميه ساكنة آسفي (اسم إسباني)، أو (تفتاست حسب التسمية القديمة، وهو اسم ينحدر من الكلمة الأمازيغية “أفتاس”، ومعناها الساحل والشاطئ)”، يُضفي على العين سحرا خاصا بمناظرها العذراء وهدوئها الأخاذ، حيث تستقطب عددا متزايدا من المصطافين الذين يفضلونها على الاستحمام بالشاطئ، كما يستعمل ماؤها للشرب وتحضير الطعام والشاي، وللناس فيها مــآرب أخـــرى.

فمنذ زمن بعيد، لا يعلم قدره إلا الله، يخرج الماء العذب الصالح للشرب الآدمي من جوف هذه الصخور الصلبة “تحت ظلال فروع شجرة تين برية ضخمة، توفر المأوى والمخبأ للراغبات في غسل أجسادهن بمياه هذه العين ذات “القدسية الحريمية”[1]، التي كانت قديما وجهة مفضلة لساكنة آسفي لسقي المواشي وغسل الصوف وتنقية الحبوب وجلب الماء، حيث كان سكان المدينة القاطنين بجوار العين وقت نفاذ الماء يضطرون للتنقل إلى العين، من أجل جلب المياه بواسطة أدوات وأوعية خاصة كالجرار الطينية المحمولة على ظهور البغال والحمير، أو بواسطة السقائين المتجولين ببراميلهم وأوعيتهم المحمولة أو المجرورة بشكل يومي، ذلك أن مدينة آسفي عرفت فترات من الجفاف وشح في الماء، فلم يكن من سبيل لتجاوز كل ذلك سوى اللجوء للوسائل العتيقة كالسواني والبيار أو الاستفادة من ماء المطر أو العيون المائية (عين الغر، عين تكابروت، عين سيدي بودالة، عين الرتم، و عين امباركة، وعيون بوعريس، عين سيكسو، عين الدراق،  عين لالــة ميـــرة..).

ويبلغ متوسط كميات المياه المتدفقة من العين، بدون الحاجة لمضخات، حوالي 2 لتر في الثانية تنساب في البحر، ويرتفع صبيبها في حالات استثنائية، من جبل شاهق بمنطقة سيدي بوزيد على مدار 24 ساعة دون توقف، تشرب منه وتستحم بمياهه الساكنة، ويقدمه الزوار في قارورات لأفراد أسرهم أو معارفهم قصد التبرك أو العلاج أملا في الشفاء من الأمراض، وكذلك العَذارى طلبا للزواج، والمتزوجات طلبا للإخصاب والإنجاب،حيث يتم غسل شعرهن ومشطه وترك المشط في عين المكان، في جو احتفالي مفعم بترديد الأغاني الشعبية والزغاريد. ومع دخول فصل الصيف تدفع درجة الحرارة أعدادا من الشباب والنساء إلى ارتياد العين نهاية كل أسبوع، حيث يغتسل فيها الزوار وتسقى منها المواشي. ويقوم كثير من زوارها بالاحتطاب بقطع فروع الأشجار لطهي غذائهم تحت ظلال الأشجار لقضاء نهار جميل وسط غابة من الأشجار بجوار شاطئ البحر.

ورغم عبث السيول المتكرر في موسم المطر بهذا الموقع وإقبارها للعين وجرفها لغطائه النباتي مرة تلو الأخرى، بسبب وقوعه على سفح شديد الانحدار بهضبة سيدي بوزيد، فإن رواده ومن يؤمن بخوارقه وينتفع بها، كانوا يلجأون إلى النبش عن العين الجارية وتهيئة المكان من جديد للزيارة والتطهر[2]. كما تجد النسوة في الخروج إلى منتزه سيدي بوزيد واللوذ بموقع “لالة ميرة”، فرصة للتخلص من متاعب البيت إلى حين، بإمضاء يوم مريح وبهيج، يقضينه وسط مياه رقراقة وخضرة ساحرة، مع التفرج على زرقة البحر وأمواجه الهادرة وأفقه البعيد اللامتناهي، ومنهن من تهيئ وسط هذا الجو الشاعري والاحتفالي كؤوس من الشاي ويتبادلن بينهن أصناف من الحلوى الآسفية الأصيلة، بل ومنهن من تقضي نهار يوم الأربعاء بكامله بهذا الموقع، فيعملن تحت ظلال الأشجار على إعداد أكلات تقليدية، مثل الكسكس والطواجين الشهية[3].

معنى اســـــــم “لالــــــــة مــيـــــرة”

تعتبر دراسة الأعلام المكانية، والبحث في دلالاتها وسيلة من وسائل البحث في ثقافة مجتمع معين، ومصدرا آخر من مصادر التاريخ، فهي تسهم في نفض الغبار عن قضايا تاريخية جديدة، أو تصحيح مضامين تاريخية متداولة، أو إبراز إشكاليات مستجدة (..). فإذا كان المؤرخ يدرس المجتمع في علاقته بالزمن من خلال ما خلفه الإنسان من شواهد متعددة، سواء منها مادية أو غير مادية، فإن اسم المكان يعد شاهدا آخر من هذه الشواهد، لأنه أطلق في زمن معين، على مكان معين، من قبل فرد أو جماعة[4].وتعرف معاجم اللغة “الاسم” على إنه لفظ يطلق على أي شيء لتمييزه عن غيره. وبموجب هذا التعريف يفترض أن يكون لكل كائن اسما أو رمزا أو لقبا أو رقما يعرف به، ويتم التعامل معه من خلاله (..). ولا يمكن أن تسير الحياة إلا عندما يحمل أي شيء اسما يميزه عن غيره[5].

ويستوقف اسم عين “لالة ميرة” ساكنة المدينة وزائرها، ومن يسمع به أحيانا. ويحرص البعض على معرفة معنى هذا الاسم طلبا للمعرفة واستكمالا لمعلوماته عنها، أو من قبيل الفضول. فهناك عيون مائية بالمغرب لا خلاف على تسميتها، وهناك أخرى تعرف غموضا حول تحديد سبب تسميتها، ومن ذلك عين “لالة ميرة” بآسفي. ورغم ما يشوب التسمية من غموض وغرابة، فإن التفاسير التي سنقدمها تبقى مرجعا يحسن مناقشتها وتحقيقها قبل الأخذ بها.

لالة أو لالا أو للا:

حسب الثقافة الشعبية لا يذكر الأولياء والصلحاء، إلا مرفوقين بعبارة (سيدي) أو “ستي” أو “دادا” أو (لالة). لذلك نجد هذه التسمية حاضرة بقوة في عدد لا يحصى من الأماكن والجبال والعيون التي سميت بأسماء الوليات الصالحات، فهم في نظرهم شريفات يبسطن بركاتهن حتى بعد وفاتهن وانقطاع عملهن. وفي العيطة والأغاني الشعبية يلاحظ كذلك الحضور المكثف لتيمة الأولياء والصالحين كلازمة، حيث تتكرر باستمرار عبارة “ألالة زوروا الصالحين”. ويزخر التاريخ بالعديد من النساء اللائي يحملن لقب لالة/لَـلّا، نظرا لدورهن الفاعل وعملهن الجليل في المجتمع. وكلمة لالة أو لالّا أو للا، لفظة تستخدم للتوقير والاحترام وتقال للنساء وتعني: سيدتي أو مولاتي. وكلمة للا أو لالة لقب رسمي لجميع ربات الملوك العلويين ولأميرات المملكة المغربية. ومن طرائف هذا الاسم أنه يستخدم أيضا للمناداة على أي امرأة جهل اسمها. وبعد البحث والتقصي في كلمة “لالة” وجدنا أن أصل الاسم تتنازعه روايتين مختلفتين، الأولى تقول إن أصله أمازيغي، والثانية تقول إن أصله عربي.

  • الرواية الأمازيغية:

كلمة لالة أو لَـلّا lalla هي كلمة أمازيغية فريدة وعريقة جدا: ذات معاني سامية متعددة تدل على التكريم والمكانة العظيمة التي يوليها الأمازيغ منذ القدم للمرأة في المجتمع. وتحمل كلمة لالة في اللغة الأمازيغية معاني الشرف والتوقير والاحترام والتبجيل وعلامة التمييز بالنظر إلى أنه لقب أمازيغي فريد لا تحمله سوى النساء الهامات والمؤثرات أو من الأسر الكبيرة الصالحة في شمال أفريقيا عبر التاريخ… (و) تعني كلمة لالة : المرأة المُبجّلة، وتُنطق للا lalla ، كما تعني أيضًا “الأخت الكبرى”، كما تعني الكلمة أيضا صاحبة الأمر و ربّة البيت، حسب السياق، بحيث تُنطق الكلمة حينها بتسكين حرف اللام الأخير  هكذا: لالْ lal ، فيقال : (لالْ ن تادّارت)، أو (لالْ نْ تكمّي)، بمعنى ربة البيت والقائمة بشؤون الأسرة. (لالْ نْ تْمْغارين) أي سيدة النساء وصاحبة الأمر. كما تعني أيضا السيدة المحترمة فيقال: (أيّيه ألَالّا)، بمعنى: نعم سيدتي المحترمة. كما يستخدم مصطلح Lalla أيضًا في اللغة الأمازيغية كمرادف للكلمة الفرنسية (Madame) ، كما يصاغ أيضا لتغيير المعنى المقصود بإضافة ضمائر الملكية إليه: فيقال مثلا: لالّا كلالّا سلالّام  .. الخ، وذلك خلافا للمصطلحات المقابلة له في اللغات الأجنبية. وقد انتقلت هذه الكلمة الأمازيغية إلى اللهجات المغاربية التي نشأت بعد دخول الاسلام، والكلمة متداولة جدا في اللهجة التونسية والجزائرية والمغربية بنفس المعاني تقريبا، وتُكتب أحيانا: لالا أو للا أو لالة…[6]

  • الرواية العربية:

لالة أو لالّا أو للا، كلمة تستعمل بكثرة في اللهجة العربية المغربية وتعني السيدة الشريفة والمحترمة، أصلها عربي فما هي إلا تأنيث لكلمة آل في آل البيت. انتقلت هذه الكلمة إلى باقي اللهجات الأمازيغية في المغرب العربي (بالمغرب والجزائر) على غرار العديد من الكلمات العربية.(و) كما هو معروف، فاللهجات العربية المغاربية تتميز بعدة خصائص أبرزها إدغام الهمزة وسط الكلمات، وهذا الأمر يوجد أيضا في عدة لهجات بالمشرق. مثلا بالمشرق يقال (جاء لامر = جاء الأمر) و (أنا ونتا = أنا وأنت)، (جا عندي= جاء عندي)، (تاخذ هذا؟ = هل تأخذ هذا؟). وعلى نفس الغرار نجد في اللهجات العربية المغاربية مثلا: لامارة = الأمارة، لاربعا = الأربعاء، جيت عندو= جئت عنده، ناكل= أنا آكل، راس= رأس، وذن=أذن، رف بحالي = إرأف بحالي، …إلــــــخ.  وفي هذا السياق، فكلمة لالة هي النطق الأصلي ل الآلة، ومثال جد واضح على ذلك يقال مثلا في التراث المغربي (يا لالة مينة = يا الآلة أمينة، يا السيدة أمينة). (و) أصل لالة من الآلة، وهي مؤنث كلمة الآلوآل، وتعني الحاكم والسيد ويقال آل شخص على حاكم أي صار سيدا وواليا عليهم. ومن جذور نفس هذا اللفظ توجد كلمة إيالة وتعني إمارة أو منطقة حكم. ظهرت هذه الكلمة في بادئ الأمر مع دخول القبائل العربية وما نجم عن ذلك من تعريب اللسان في شمال افريقيا، حيث أن هذه الكلمة لم تكن مستعملة في اللهجات المحلية قبل الإسلام ولا يوجد لها ذكر في تلك الآونة. فيقال اليوم لالة فاطمة كلفظ احترام للنساء. وفي المغرب الكبير انتقلت هذه الكلمة من اللغة العربية إلى اللسان العربي المغاربي من تم صارت مستعملة في باقي اللهجات المحلية الأمازيغية. فكما هو معروف أن قرابة 40% من الألسنة البربرية هي عبارة عن قاموس عربي محض، وأبرزها كلمة سيتي المستعملة في بعض مناطق الأمازيغ بالمغرب وأصلها (سيدتي) والتي تحمل نفس معنى كلمة لالة[7].

ميرا أو ميرة:

اسم ميرا اسم علم مؤنث يحمل معاني مختلفة. ويوجد في الفلك نجم أحمر عملاق يبعد عن الأرض بمسافة كبيرة يسمى ميرا[8]. وهو أيضا اسم بلدة قديمة تقع في محافظة أنطاليا في تركيا. وتعتبر ميرا أحد أكثر المناطق الأثرية غرابةً في تركيا، حيثُ تحتوي هذه المدينة على مقابر ومنازل منحوتة بالصخر تُشبه إلى حد كبير مدينة البتراء في الأردن ومدائن صالح في السعودية[9]. ويَحمل الاسم في اللغات اللاتينية معنى “عجيب” و”رائع”[10]. أما في اللغات السلافية الجنوبية فإنهُ يعني “السلام” وغالبًا ما يُستعمل كجزءٍ من اسمٍ طويل مثل ميروسلافا أو سلوميرا[11]. وفي اللغة الألبانية يَعني “الخير” و”اللطف”[12]. ويعني بالهندية الأميرة[13]، وفي اليونانية الغزارة[14]. أما في السنسكريتية فيعني “المحيط” أو “البحر” أو “الحد” أو “الحدود”[15]. وعند الرومان يعود الاسم لنوع من الزهور اسمه ماري، علما أن البحر باللاتينية هو “ماري” و”مير”، ومنه كذلك جاء اسم “سيلاماري” أي كوكب البحر.

وفي اللغة العبرية هو مُشتق من اسم مريم أو هو الاسم المؤنث لإسم “لمئير” ويعني الضوء[16]. واسم ميرا مِن الألفاظ المُقدسة المرتبطة بدين المسيحية، وفي الكتاب المقدس للمسيحية ورد ذكر ميرا على أنه أحد أسماء القديسة مريم العذراء أم المسيح عيسى، وفي هذه الحالة فإن اسم ميرا هو اشتقاق لاسم مريم والذي يعني بحر الألم أو الأحزان أو المر بشكل عام[17]. كما أن الاسم يعني في اللغة الإنجليزية الرائعة، وهو من الأسماء التي تم تعريبها من اللغة الإنجليزية، وأخذها العرب من أجل تسمية بناتهم بها[18]. واسم ميرا بهذه الطريقة لم يذكر في معاجم اللغة العربية باختلافها بل إنه ذكر فقط في معجم معاني الأسماء على أنه اسم من أصل أعجمي. ونقول في اللغة العربية الميرة وهي المؤونة من الطعام، وقد حولت تاؤه إلى ألف[19]، إلا أن العرب بدأوا يستخدمون للأسماء العربية للإناث حرف الألف بدلاً من استخدام حرف التاء المربوطة.

وفي الثقافة الكناوية المغربية ينسب اسم ميرا إلى ملكة من ملوك الجان، الذين يلعبون حتى وقتنا الراهن دورا أساسيا في المعتقدات والممارسات السحرية بالمغرب. ومن تجليات الاعتقاد واسع الانتشار في قداسة ملوك الجن أن الكثير من الأغاني الشعبية تردد عبارات التقديس للالة ميرة. كما تنظم حفلات مغلقة، توسلا لمساعدتهم في قضاء أغراض اجتماعية أو طلبا للشفاء من مرض استعصى على العلاج. و “(الملكة ميرة) في معتقد العامة جنية من الملوك تصيب النساء بلوثة الغيرة والحسد، وبشكل خاص منهن الشابات المتزوجات حديثاً، واللواتي يغيظها جمالهن ولذلك فإن المرأة الجميلة التي لا تشعر بنفسها على ما يرام تعتبر أن أذى (ميرة) أصابها وتشجعها على الاعتقاد في ذلك (الشوافة) أو (الطلاعة) أو (العرافة) الكناوية في (ليلة الدردبة) وجميعها أسماء للساحرة الكناوية بحسب المناطق المغربية”[20].

وفي اللوحة الإشهارية المَنصوبة أسفل عين لالة ميرة بآسفي قرب الشاطئ، المكتوبة بثلاث لغات، العربية والفرنسية والإنجليزية تقول إن “عين لالة ميرة منبع لا ينضب يتميز بعذوبة مياهه الدائمة الجريان، والعين في الموروث الشعبي الآسفي رمز الخصوبة والفأل الحسن. ويشاع أن لفظ “ميرة” يعود في الأصل حسب مختلف الروايات إلى ترخيم وتصغير لاسم “أميرة”. وقد يكون اسم مستوحى من مريم نسبة إلى مريم العذراء، ويقال إن الاسم مشتق من العبارة العبرية “مار” بمعنى قطرات الماء. وتحكي الروايات أيضا أن هذا الاسم يعود لامرأة جميلة لجأت لهذا الموقع من أجل التعبد والزهد ودفنت به إلا أن ضريحها جرفته السيول…

ونفس الرأي يتفق عليه مؤرخ آسفي، الأستاذ إبراهيم كريدية الذي يقول: “أن اسمها هو تحريف بل تصغير ل “لالة الأميرة”، أي سيدتي ومولاتي “الأميرة “، وقيل أن لهذا الاسم علاقة بل هو مشتق ومنحوت من اسم مريم[21]، وهو اسم كان متداولا وشائعا بين يهود الشرق قبل ظهور السيد المسيح عليه السلام، ويرى علماء اللغة العبرية، أنه مكون من مقطعين: الأول “مار”(mar)  وتعني قطرات(goutte)  والمقطع الثاني “يام” (yâm) وتعني البحر[22]. الذي نجد له نفس الاسم، بنفس النطق وبنفس الرسم والمعنى في لغتنا العربية الفصيحة وهو ” اليَمّ ” والمقصود به عموما البحر كما هو معروف، لكن بلغاء لغة الضاد يذهبون إلى تدقيق معنى “اليم”، بالقول إن معناه الدقيق، كما ورد في القرآن الكريم، هو على العموم، “ماء البحر أو مياه البحار أو الأنهار”[23]. مما يفيد معه، أن اسم “لالة ميرا” ربما كان في الماضي مقرونا بوجود الماء، قد يكون مصدره البحار أو الأنهار أو العيون، والطريف أننا وجدنا في عدد من اللغات الأوربية، تسمية “البحر ” عندهم قريبة في رسمها ونطقها إلى حد كبير من اسم “ميرا  Mira “، ومن ذلك، أننا نجد في اللغة الفرنسية  ” mer”،  وفي اللغتين الإسبانية والبرتغالية “mar”، وفي اللغة الإيطالية “mare” ،  وفي اللغة الألمانية “meer”، وفي اللغة الفنلندية “meri” الخ …، وأغرب من ذلك وجدنا أنهارا باسم “Mira”، في كل من دولتي الإكواتور وكولمبيا بأمريكا اللاتينية[24]. وبمزيد من البحث في دلالات عبارة Mira””، وجدناها تستعمل نعتا بصيغ مختلفة في اللغة اللاتينية، فيقال في وصف المرأة (mira, mirum, mirus,   وتعني المرأة الرائعة أو المدهشة  admirable ou étonnante”[25].

أصـل لالة ميـرة”.. روايات متضاربة

وتتداول عدة روايات أصل “لالة ميرة”، ومنها رواية، تفيد أنها امرأة كانت بالفعل موجودة وهي مدفونة في مكان ما، من هذا السفح أسفل “ضريح سيدي بوزيد”، كان لها في الماضي ضريح معروف، لكنه تهدم وهوى في البحر بفعل السيول الجارفة، التي تعظم في فصل الأمطار، وتضيف أنه لم يبق من آثارها سوى العين الجارية، مردفة أن هذه المرأة كانت في حياتها ولية صالحة، جاءت من أرض غير معلومة وقصدت هذا المكان بقصد الخلوة والتهجد، بعدما سمعت أن أرض آسفي، هي أرض علم وجهاد وتصوف، كما تعدها رواية أخرى من أهل الجن، فتزعم أنها “جنية بالليل وامرأة بالنهار”[26]، وهذه الرواية، هي أكثر الروايات شيوعا وتداولا في الأوساط الشعبية في آسفي ومنطقة عبدة[27]. ولا يقتصر الاعتقاد بوجود جنيات في المياه على آسفي، سواء كانت مياه بحر أو عيون أو انهار، حيث كان الهنود الحمر في أمريكا الشمالية يعتقدون أن الجن يسكنون قرب مصب نهر الأمازون، كما يعتقد بوجود جني في هيئة وحش يسكن في بحيرة لوح نس في اسكتلندا، وهي أكبر بحيرة مياه عذبة في بريطانيا. ومن أهم الأسباب التي تحمل الناس في المعتقد الشعبي المغربي على الاعتقاد بأن نبعا معينا مسكونا هو وجود النبع في مكان مهجور، وألا تصل أشعة الشمس إلى مصدر النبع. وبالتأمل بوضع عين “لالة ميرة” التي تدور حولها القصص والأساطير نجد أن ينبوعها يمتاز بالعمق، وصعوبة وصول الشمس إلى ثغره.

وبمزيد من البحث، وجدت في المغرب نساء صالحات حقيقيات بهذا الاسم، ومنهن لالة أميرة بنت الفقيه المجاهد العياشي، التي يوجد قبرها في ضريح سيدي عبد القادر الحراثي على ساحل مدينة سلا[28]، كما وقفت في المعتقد الشعبي المغربي تفصيلات أخرى، تزعم أن اسم “لالة ميرة” يطلق على “جنيات” كثيرات، وقد تفنن المخيال الشعبي في تصنيفهن إلى “لالة ميرة الشلحة ” و “لالة ميرة العربية” و “لالة ميرة الكناوية” و”لالة ميرة الحارثية” و “لالة ميرة الهاشمية” و “الحاجة لالة ميرة “.. ، بل وذهب إلى الزعم بأن كلا من هذه “الجنيات” تفضل لونا معينا، “فلالة ميرة الشلحة” تفضل اللون الأصفر المائل إلى لون البرتقال jaune orangé  ، و “لالة ميرة العربية” تفضل الأصفر الفاقع jaune poussin[29].

ونكاد لا نعثر على ما يُشْفي الغليل ويُميط اللثام عن لغز شخصية “لالة ميرة” التي حولتها الأسطورة الخرافية الشعبية بآسفي إلى عين ماء مقدسة تحرسها ولية مزعومة، لا ضريح لها، ولم يَدّع الانتساب إليها أي أحد على غرار باقي الأجداد الروحيين للشرفاء الموجودين بآسفي. تفنن البسطاء من الناس بآسفي في نسج أحداث وخوارق حول العين التي تحمل اسمها، فشُدت إليها الرحال من كل صوب، معتقدين أن العين تحرسها ولية صالحة على ساحل المحيط الأطلسي، يعتقد إنها واحدة من الوليات المنسيات التي اندرس قبرها منذ قرون خلت، حيث غالبا ما كانت الأضرحة الخاصة بالنساء تنتهي إلى خانة النسيان، علما أن النساء الوليات تمتعن بمكانة اجتماعية لا تقل أهمية عن تلك التي اكتسبها المشاهير من نظرائهن الرجال، حيث يوجد بالمغرب فقط 150 ولية موزعة على التراب الوطني، واتفق كاتبوا السّير دائما على تخصيص بضعة أسطر للنساء الوليات في أعمالهم ولم يعترفوا لهم في الغالب بقدسيتهن إلا إذا كانوا أمهات لولي صالح.

وهذا ما يُعَزز الغموض الذي يلف تسمية العين والولية المزعومة، بحيث لم نهتد إلى معرفة تاريخ اكتشاف هذه العين ولو على نحو تقريبي رغم ما بذلناه من جهود، فهي قديمة قدم المدينة نفسها الضاربة في أعماق التاريخ. وتروج في هذا الصدد أقاويل وروايات مختلفة تفيد أن هذا الاكتشاف موغل في القدم، حيث لعبت العين دورا هاما في تحديد أماكن الاستيطان القديمة الأولى بالمدينة، بالنظر لاستخدام مياهها في الشرب والزراعة منذ القديم. وعموما يمكن أن نعتبر عين “لالة ميرة” عينا نُعتت باسم “مقدس”، شأنها في ذلك مثل عيون مائية أخرى ارتبطت بأسماء وليات مثل: “عين للا حية” (أولماس)، “عين للا ينو (طنجة)، “عين للاتاكركوست” (أمزميز، ناحية مراكش). وما يميز هذا الصنف من العيون المقدسة أن اكتشافها واستغلال مياهها يعود إلى قوى غيبية تحرس هذه الينابيع بحسب الثقافة الشعبية.

المراجع
[1] إبراهيم كريدية، برج الناظور ومنتزه سيدي بوزيد، ص 34.
[2] إبراهيم كريدية، برج الناظور ومنتزه سيدي بوزيد، ص 36.
[3] إبراهيم كريدية، برج الناظور ومنتزه سيدي بوزيد، مرجع سابق، ص 36.
[4] أطروحة دكتوراه طارق يشي، أنظر http://www.almarkaz.ma/Article.aspx?C=6242 .
[5] نبيل تللو، أنظر: http://www.albahethon.com/?page=show_det&id=1758.
[6] أنظر الرابط: https://tinyurl.com/hkpe6wn6 .
[7] أنظر الرابط: https://tinyurl.com/3j37tthw .
[8] أنظر الرابط: https://tinyurl.com/4x5whjen .
[9] أنظر الرابط: https://www.turkpress.co/node/10827.
[10] أنظر :https://www.3rbu.net/answer/86724.
[11] أنظر :https://www.3rbu.net/answer/86724.
[12] أنظر الرابط: https://tinyurl.com/yvhc3z8r .
[13] أنظر الرابط: https://tinyurl.com/ykhwt9hk .
[14] أنظر الرابط: https://tinyurl.com/ykhwt9hk .
[15] أنظر الرابط : https://tinyurl.com/yy9ysu8u .
[16] أنظر الرابط: https://tinyurl.com/yy9ysu8u .
[17] أنظر الرابط: https://tinyurl.com/srrbcb2x .
[18] أنظر الرابط : https://tinyurl.com/bdbzr6dp .
[19] أنظر الرابط : https://tinyurl.com/bdz36dph .
[20] أنظر الرابط : https://tinyurl.com/yft9k4pu .
[21]  نبيل المودن، مقال حول لالة ميرة.أنظر http// www.safi7.com.
[22] Etymologie et signification du Marie : https://www.magicmaman.com/prenom/marie,2006200,14257.asp
[23] منذر أبو هواش، الفرق بين "البحر" و"اليم" في القرآن الكريم، أنظر : https://tinyurl.com/45v48742 .
 [24] أنظر:https://fr.wikipedia.org/wiki/Mira؟
[25] أنظر:https://fr.wikipedia.org/wiki/Mira.
[26] من حديث أداره المؤرخ ابراهيم كريدية على الفايسبوك حول موضوع "لالة ميرة"، وكان هذا جواب من الأستاذ الباحث في التصوف الدكتور أحمد الوارث.
[27] إبراهيم كريدية، برج الناظور ومنتزه سيدي بوزيد، ص 40.
[28] من حديث أداره المؤرخ ابراهيم كريدية على الفايسبوك حول موضوع "لالة ميرة"، وكان هذا جواب من الأستاذ الباحث في التصوف الدكتور أحمد الوارث.
[29] إبراهيم كريدية، برج الناظور ومنتزه سيدي بوزيد، ص 40 _ 41.