مقدمة

نسج المغاربة بعد إسلامهم علاقة خاصة بالمشرق العربي، وكان قوام هذه العلاقة رحلات الحج وطلب والعلم، وكانت أرض فلسطين من أهم مواطن المشرق بالنسبة لهم، هنالك حيث تعزّز تواجد المغاربة بالقدس خلال مرحلة حكم الفاطميين، الذين تشكلت غالبية جيشهم من المغاربة[1]، كما حضر المغاربة في جيش صلاح الدين الأيوبي بنسبة جيدة وخاصة في الأسطول البحري[2].

ولما تزايدت أعداد المغاربة المقيمين بمدينة القدس عقب الحروب الصليبية خلال القرنين 11م و12م، بدأت تظهر أماكن موقوفة على هذه الطائفة من المسلمين الذين قدِموا من مختلف بقاع الغرب الإسلامي، فكانت هذه الأوقاف حافزا على مزيد من الحضور والاستقرار، وإسهاما فعليا في إغناء التنوع الثقافي بالمدينة. وبالقدس موضعين أساسيين يحسبان على أوقاف المغاربة هما: حارة المغاربة وقرية عين كرم.

نشأة حارة المغاربة

تتميز أوقاف المغاربة داخل مدينة القدس القديمة بأنها مجتمعة في موضع واحد يطلق عليه: حارة المغاربة، وقصة هذا الحي تبدأ بتاريخ محدد هو عام 589هـ/ 1193م، حينما أوقف الملك الأفضل بن صلاح الدين الأيوبي سلطان دمشق والقدس، الأراضي والمساكن المحيطة بحائط البراق على طائفة المغاربة، وكان ذلك بمثابة اعتراف لهذه الفئة التي قدمت تضحيات مشهودة في الجهاد ضد الصليبيين، وإيذانا لهم بالاستقرار بالمدينة على هيئة جماعة ذات مذهب مختلف وثقافة مميزة.

تبلغ مساحة الحارة حوالي 45 ألف مترٍ مربع، وتمتد حدودها من الناحية الجنوبية إلى سور المدينة، وشرقا إلى الجدار الغربي للمسجد الأقصى، أما الحد الشمالي فيصل إلى ما كان يسمى “قنطرة أم البنات” ويرجح أن يكون حاليا الممر الرابط بين طريق الواد وساحة البراق، أما الحد الغربي فينتهي إلى حارة الشرف[3].

نما العمران في حارة المغاربة بشكل طبيعي لتشكل المساكن أغلبية مبانيه، وكان لهذه الأخيرة مدخلا يقود إلى دهليز يؤدي إلى ساحة سماوية مكشوفة، ومحاطة بالغرف على طبقة أو طبقتين، وقد علت القباب الضحلة المبلّطة بالحجر أغلبية المباني، والقبة الأكثر ارتفاعا في الحارة كانت قبة المدرسة الأفضلية[4].

بهذه البيوت عمّرت عائلات جاءت من المغرب، وبعضها من الجزائر وتونس، مشكلين بذلك نواة طائفة المغاربة التي ستصبح أحد أهم طوائف القدس[5]. ومع منتصف القرن 16م، فاق عدد المغاربة المقيمين في القدس 400[6]، كما سكن بالحارة بعض المقدسيين من غير هذه الطائفة.

وإذا تجاوزنا بيوت الحارة والتفتنا إلى باقي معالمها ستبرز بعض البنايات التي أدت أدوارا ثقافية، دينية واجتماعية مهمة بالمدينة، على رأسها:

  • المدرسة الأفضلية:

أو مدرسة القبة، أوقفها الملك الأفضل بن الملك صلاح الدين، على فقهاء المالكية بالقدس، وجرى تشييدها خلال سنوات حكمه 1193-1196م[7]، ولما اكتمل عمرانها شرعت في تأدية أدوارها العلمية خلال مرحلة الأيوبيين ثم المملوكيين، ولم تتوقف عن أداء مهمتها -حسب ما يستنبط من الوثائق العدلية- حتى القرن 18م، حيث تحولت مع الوقت إلى ضريح أو مقام بعد أن دفن في إحدى غرفها شيخ متصوف كان يدعى “الشيخ عيد”، فضلا عن ذلك أمست مسكن اللفقراء المغاربة[8].

  • زاوية عمر المصمودي المجرد:

يطلق على هذه الزاوية عدة أسماء «زاوية المغاربة، زاوية أبو مدين، وزاوية المصمودي»، وتقع في أعلى حارة المغاربة من جهة الغرب، أوقفها الشيخ عمر المجرد من ماله الخاص على الواردين من المغاربة، كما أوقف غلّة ثلاثة منازل على مصالح الزاوية المذكورة[9]، وذلك عام 703ه/1303م، وقد ذكره المؤرخ عبد الرحمان بن محمد عليمي مع الفقهاء المالكية وكان رجلا صالحا من الذين عمّروا القدس الشريف وهناك قضى رحمة الله عليه[10].

يتشكل مبنى الزاوية من طبقتين ملتفتين حول ساحة سماوية، تحتوي كل منهما على عدد من الحجرات (مجموع الحجرات يبلغ عشرة) التي بنيت لإيواء المجاورين المغاربة، ويرقد في أحد غرف الزاوية أحد الأولياء، ولما اتسع فضاء هذه الزاوية واشتهر أمر خدمتها للمغاربة الوافدين على القدس كانت هي الوجهة الأولى لهم إلى حين تدبير بيت يأويهم مدة إقامتهم بالمدينة.

مع توالي السنون وتأثر مبنى الزاوية بغواشي التاريخ، جرى ترميمه أكثر من مرة، لذلك تسود فيه حاليا خصائص العمارة العثمانية، وقد سلم من الدمار سنة 1967م[11]، وبقي ملجأ للعائلات المغربية التي نجت من التشريد بعد النكسة.

غير هذه المعالم توجد بعض المآثر التي لها علاقة بتواجد طائفة المغاربة بالقدس، وهي قريبة من حارتهم، كمسجد المغاربة الذي يقع بالزاوية الجنوبية الغربية للحرم الشريف، وقد تحول حاليا إلى مقر متحف الآثار الإسلامي[12]، هذا المسجد وإن خرج عن دائرة الأوقاف المغاربية إلا أن اسمه يدلّ على أن جلّ رواده كانوا من المغاربة، كما أن إمامة هذا الجامع كانت محصورة في الأئمة المغاربة، حيث أقيمت فيه الصلوات على المذهب المالكي[13].

وأيضا يعد باب المغاربة من الشواهد القائمة على حضور المغاربة في القدس الشريف، وسمي بذلك لمجاورته لباب جامع المغاربة ولأنه ينتهي إلى حارة المغاربة[14].

هدم حارة المغاربة

مسّت نكسة صيف 1967م، كل نواحي الحياة في القدس الشريف بعد أن اقتحمها الصهاينة، وكانت من مآسي هذا الاحتلال أن انتهت قصة حارة المغاربة التي استمرّ وجودها 774 سنة.

يوم 10 يونيو 1967م، بعد ثلاثة أيام من احتلال القدس العتيقة وبتوصية من بن غوريون، صدر أمرب هدم أجزاء واسعة من حارة المغاربة، بمبرر “تنظيف المكان لاستقبال المصلين اليهود”، وذلك بعد إخبار حوالي 650 من سكان الحي بمغادرته في ظرف ثلاث ساعات، وتقديم وعود لهم بتوفير بيوت بديلة[15]، لتشرع الجرافات الصهيونية بتخريب تراث عريق ووقف إسلامي أصيل، حيث طال الهدم 138 مبنى دُمّرت بشكلٍ كامل، بينها منازل والمدرسة الأفضلية وأجزاء من جامع البراق، ثم عادت جرافات الاحتلال بعد 14 سنة (1981م) لتهدم 15 عقاراً إضافياً في الحارة.

بعد هدم الحي بالكامل لم يتبق سوى زاوية المغاربة التي تقيم فيها اليوم مجموعة قليلة من العائلات المغاربية، فيما تعرّض البقيّة إلى التشريد، بفعل نقض الصهاينة لعهدهم كما العادة، وفي موضع الحارة أنشأ الاحتلال ساحة واسعة تستقبل المستوطنين في صلاتهم أمام حائط البراق أسموها “ساحة المبكى”.

لم يثر حدث الهدم هذا ردود فعل كبيرة حينها، لأن النكسة كانت عامة، لكن مع انكشاف زوبعة الحرب تجلّت المصائب متتابعة، فكان من أبلغ ما قيل في هذا الهدم تعليق ورد في افتتاحية جريدة العلم المغربية جاء فيه: «عمل كهذا سيزيد في ربط صلات المواطنين المغاربة بالكفاح في سبيل فلسطين واسترجاع القدس (…) وسيجعل من كفاحهم للقضاء على إسرائيل أكثر مساسا بالذاتية بقدر ما هو متصل بالعقيدة وبالأخوة العربية والإسلامية والوطنية الإسلامية»[16].

قرية عين كارم

تقع قرية عين كارم في ربض مدينة القدس، وهي من المواضع التي طبعها تاريخ المغاربة بالمدينة المشرّفة، وسجّلتها الشواهد التاريخية كمورد رئيس لتمويل حاجات سكان حارة المغاربة وروّادها، سيبدأ ارتباط هذه القرية بحياة المغاربة في القدس بعد أن حلّ بالمدينة الشيخ أبي مدين «الحفيد» بداية القرن 8ه/14م[17]، فاشترى بماله الخاص قرية عين كارم بكل ما تحتويه من أراضي زراعية وغير زراعية، بالإضافة إلى زاوية تقع قرب باب السلسلة، كما خصص جزءا من عائدات وقفه لإطعام الخبز وإقامة الولائم في بعض المناسبات فضلا عن تجهيز من يموت من المغاربة في القدس[18].

وهذا مما جاء في نص وثيقة الوقف: «..الشيخ أبو مدين بن أبي عبد الله محمد ابن (…) أبي مدين شعيب المغربي (…) أشهد على نفسه وهو في صحته أنه وقف (…) جميع المكانين (…) المكان الأول قرية تعرف بقرية عين كارم (…) وأما المكان الثاني (…) المشتمل على إيوان وبيتين وساحة ومرتفق خاص، وسفلي ذلك مخزن وقبو (…) وقفا صحيحا شرعيا قاطعا (…) على السادات المغاربة المقيمين بالقدس الشريف والقادمين إليها من السادة المغاربة على اختلاف أوصافهم وتباين حرفهم»[19].

بعد تاريخ الوقف لم تَسِر مصائر أوقاف القرية وفق المأمول، فحاول   بعض ممن استأجرها ضمّها إلى أملاكه خاصة، وهو ما ساهم في ضياع تدريجي لهذه الأوقاف، إلا أن الاعتراف الرسمي بها كأملاك وقفية ظلّ ثابتا طوال الفترات التاريخية المختلفة، وما أكد ذلك هو التزام حكومات الانتداب البريطاني على فلسطين (1917م-1948م)، بدفع أعشار القرية لحساب الوقف في ميزانية المجلس الإسلامي الأعلى[20].

في ظل الانتداب البريطاني وجد اليهود فرصتهم للسطو على بعض القطع الأرضية بقرية عين كارم، فاستغلوها أبشع استغلال، وأطلقوا أيديهم في سرقة الأراضي، ثم أفضى تنامي السرقات بهذا الموضع إلى قيام جيش الاحتلال الصهيوني بتأسيس مستوطنة زراعية بعين كرم بعد النكبة 1948[21].

المراجع
[1] نظمي الجعبة، حارة اليهود وحارة المغاربة في القدس القديمة، مؤسسة الدراسات الفلسطينية ومؤسسة التعاون، بيروت، 2019، ص 159.
[2] نظمي الجعبة، حارة اليهود وحارة المغاربة في القدس القديمة، مرجع سابق، ص 160.
[3] نظمي الجعبة، حارة اليهود وحارة المغاربة في القدس القديمة، مرجع سابق، ص 167.
[4] نظمي الجعبة، حارة اليهود وحارة المغاربة في القدس القديمة، مرجع سابق، ص 203.
[5] نظمي الجعبة، حارة اليهود وحارة المغاربة في القدس القديمة، مرجع سابق، ص 160.
[6] نظمي الجعبة، حارة اليهود وحارة المغاربة في القدس القديمة، مرجع سابق، ص 161.
[7] نظمي الجعبة، حارة اليهود وحارة المغاربة في القدس القديمة، مرجع سابق، ص 217.
[8] عارف العارف، المفصل في تاريخ القدس، ج1، مطبعة المعارف، القدس، الطبعة الخامسة، 1999، ص 238.
[9] عبد الهادي التازي، أوقاف المغاربة في القدس، مطبعة الفضالة، المحمدية، 1981، ص 47.
[10] مجير الدين العليمي، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، الجزء الثاني، مكتبة دنديس، الطبعة الأولى، 1420ه، ص 362.
[11] نظمي الجعبة، حارة اليهود وحارة المغاربة في القدس القديمة، مرجع سابق، ص 224.
[12] عارف العارف، المفصل في تاريخ القدس، ج1، مرجع سابق، ص 496.
[13] مجير الدين العليمي، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 52./ أنظر أيضا: نظمي الجعبة، حارة اليهود وحارة المغاربة في القدس القديمة، مرجع سابق، ص 162.
[14] مجير الدين العليمي، الأنس الجليل بتاريخ القدس والخليل، الجزء الثاني، مرجع سابق، ص 72.
[15] جريدة العلم، العدد 6247، الجمعة 21 ربيع أول 1387/ 30 يونيو 1967./ أنظر أيضا: نظمي الجعبة، حارة اليهود وحارة المغاربة في القدس القديمة، مرجع سابق، ص 259.
[16] "حظ المغاربة من مأساة القدس"، جريدة العلم، العدد 6247، الجمعة 21 ربيع أول 1387/ 30 يونيو 1967.
[17] أنظر: عبد الهادي التازي، أوقاف المغاربة في القدس، مرجع سابق، ص، 14-17./Vincent LEMIRE, Au Pied du Mur: Vie et Mort du quartier Mqghrébin de Jérusalem «1187-1967», seuil, 2022, p, 34.
[18] موسى سرور، "السياسة الخارجية الفرنسية اتجاه أوقاف المغاربة في القدس 1948-1962"، ضمن: الوقف الإسلامي في القدس، القدس، 1439ه/2018م، ص، 324./ أنظر أيضا: موسى سرور، "الوقف كأداة مقاومة للاستعمار: عين كارم المقدسية أنموذجا كما عكستها وثائق أرشيف المستعمرات الفرنسية"، المجلة المقدسية، العدد 13، يناير 2022، ص، 136.
[19] عبد اللطيف الطيباوي، الأوقاف الإسلامية بجوار المسجد الأقصى بالقدس: أصلها وتاريخها واغتصاب إسرائيل لها، ترجمة عزت جرادات، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية-المملكة الأردنية الهاشمية، عَمان، 1401ه/1981م، ص، 6-9.
[20] موسى سرور، "الوقف كأداة مقاومة للاستعمار: عين كارم المقدسية أنموذجا كما عكستها وثائق أرشيف المستعمرات الفرنسية"، ص، 136.
[21] موسى سرور، "السياسة الخارجية الفرنسية اتجاه أوقاف المغاربة في القدس 1948-1962"، ص، 325.