مقدمة

نَظَّرَت النخبة المغاربية فكريا في الكثير من المجالات. فإذا كان المجال الديني قد استحوذ على العقل المغربي بشكل كبير في زمن ما قبل الاستعمار، فإن صدمة التجربة الاستعمارية كانت كفيلة باقتحام العقل المغربي للحقل السياسي تأملا وتحليلا وتنظيرا. فقدّم نخبة من العلماء والمناضلون الوطنيون قراءات نقدية للواقع السياسي، وأبدعوا تصوّرات فكرية عن القضايا الكبرى التي اعترضت حياتهم اليومية.

ونظرا لما تكتسيه هذه الحقبة التاريخية من أهمية واضحة في تاريخ الأفكار بالمغرب، انجذب بعض الباحثين المغاربة لرصد هذه التحولات الفكرية وتتبع مواردها وتجلياتها، من بينهم الدكتور سعيد بنسعيد العلوي الذي قدّم دراسة وافية عن الموضوع بعنوان: “الوطنيّة والتحديثية: دراسة في الفكر الوطني وسيرورة التحديث في المغرب المعاصر”، زيادة على الدكتور عاهد ازحيمي الذي أصدر كتابا عن: “تصوّر النخبة المثقفة بمنطقة الحماية الإسبانية لمشروع النهضة الوطنية 1913-1936م”، ثم جاء هذا الكتاب الذي نحن في صدد تقديمه، ليرصد من خلاله الدكتور عبد الخالق كموني بشكل أوسع: “تصوّر النخبة السياسية المغربية للحماية والمقاومة والاستقلال (1944-1956م)”.

كتاب “تصوّر النخبة السياسية المغربية للحماية والمقاومة والاستقلال (1944-1956م)”، للباحث عبد الخالق كموني، وهو متخصص في التاريخ الحديث والمعاصر، حاصل على شهادة دكتوراة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية سايس-فاس (جامعة محمد بن عبد الله). وقد أشرَفَتْ على إصدار عمله هذا؛ المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، سنة 2020.

يصادف قارئ الكتاب على الغلاف صورة خلفية تحمل أسماء أشهر الجرائد التي صدرت خلال الحقبة الاستعمارية (الوحدة المغربية، الرأي، الأمة..)، ثم ترشده صور الشخصيات المطبوعة على الغلاف إلى الأعلام أو النخبة المقصودة في العنوان، وهم من الأعلى نحو الأسفل: علال الفاسي، عبد الخالق الطريس، محمد المكي الناصري، محمد بن الحسن الوزاني، عبد الحي الكتاني والباشا الكلاوي.

محتويات الكتاب

أما على مستوى المحتوى فالكتاب من الحجم المتوسط، يقع في 223 صفحة، تبدأ بسُنّة سارت عليها المؤسسة الناشرة وهي تقديم لمدير المؤسسة الدكتور مصطفى الكثيري. ثم مقدمة صاحب العمل، يعقبها مدخّل يبيّن المحدّدات النظرية للنخبة السياسية بشقيها العام (نظريا) والخاص (الحالة المغربية). ثم فصلان يتضمنان بشكل متوازن ثلاث أبواب في كلّ فصل، الأوّل يتطرّق لموقف النخبة السياسية المغربية من الحماية والمقاومة وتصورها للاستقلال، والثاني يدرس النخبة السياسية المغربية وتدبيرها لقضية استقلال المغرب.

الإشكالية المركزية للكتاب:

يستشكل الدكتور عبد الخالق كموني مسألة مواجهة النخبة السياسية المغربية للاستعمار، فحالة المواجهة التي تحكّمت في العلاقة بين النخبة الوطنية والإدارتين الاستعماريتين الفرنسية والإسبانية تثير عدة أسئلة أهمها: ما هي التصورات التي عبّرت عنها النخبة المغربية بخصوص القضايا المصيرية للشعب خلال حقبة الاستعمار؟. وعليه فإن هذا التساؤل يشمل تصورات النخبة الوطنية لمسألة الحماية بكونها وضعية قانونية وسياسية، ومنه مواقفهم من التعابير الرافضة لهذه الوضعية أو بتعبير آخر تصورهم للمقاومة التي تسعى إلى رفض نظام الحماية واستعادة الاستقلال.

الاختيارات المنهجية في الكتاب:

اختار صاحب الكتاب فترة زمنية دقيقة لتكون موضوع بحث عن التصورات المطلوبة، وهي ما بين سَنة إصدار وثيقة المطالبة بالاستقلال في المنطقة السلطانية 1944م، وسَنة استرجاع حرية واستقلال المغرب 1956. وتبنّى منهجا تاريخيا يقوم على التتبّع الكرونولوجي للمواقف والتصورات. كما اعتمد نهجا وصفيا مكّنه من رصد مواقف وتصورات النخبة الوطنيّة في عدد من القضايا. فضلا عن ذلك طبع البعد التحليلي تناول المضامين التي تتعلّق بالتصورات السياسية والفكرية للنخبة الوطنية.

ونظرا لطبيعة الإشكالية والمنهج المعتمد للإجابة عنها تطلّب هذا العمل إدماج حقول معرفية متعددة على رأسها التاريخ، والعلوم السياسية والأنثروبولوجيا الثقافية والعلوم الاجتماعية. أما من ناحية المصادر فكانت الجرائد الوطنيّة (العلم، الأمة، القيامة، الوحدة المغربية، الرأي العام..)، والجرائد الفرنسية التابعة لتوجهات الإدارة الاستعمارية الفرنسية (Le Courrier du maroc, La Vigie Marocaine, Le Petit Marocain) المنبع الأساس الذي استقى منه الباحث مادة الكتاب. إذ توفّر هذه الجرائد خطابات وبلاغات وتقارير وأخبار تكشف تصورات ومواقف النخبة من القضايا الهامة.

الأفكار الأساس لكتاب:

استطاع الدكتور عبد الخالق كموني أن يقدّم لنا في هذا الكتاب تصورات الفاعلين السياسيين حول القضايا الهامة في العقد الأخير من عُمر الاستعمار. وقد بنى وصفه لهذه التصورات على تصريحات زعماء أحزاب وطنية، أو من خلال بلاغات رسمية صدرت عن هذه الأحزاب، أو مقالات رأي نشرت على صفحات جرائد تابعة لهذه الأحزاب.

ولما كان هؤلاء يشكلون أغلبية النخبة الوطنية وليس كلّ النخبة، فإن هناك بعض الشخصيات التي كانت تعمل من خارج الأطر الحزبية الوطنية، وتتبنى مواقف مختلفة إلى حد التناقض مع مواقف الحركة الوطنية. ومثّل هؤلاء الأعيان والقواد والباشاوات وبعض العلماء وشيوخ الزوايا، وكانت لهم أيضا صحف مدعومة من الإدارة الاستعمارية كشفت مواقفهم، كما أبانت بعض العرائض التي كتبوها عن وجهة نظرهم في القضايا المحورية خلال هذه المرحلة.

الحماية .. استعمار واستغلال أم مرحلة انتقالية

واجهت الأحزاب الوطنية دعاية الاستعمار ومبرراته بكشف النوايا الحقيقية للاستعمار في المغرب، والمتمثلة في محاولة تقسيمه، والاستبداد بالسلطة، مع تواصل حالة التردّي في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية. وبالتالي كان الموقف العام هو رفض هذا النظام والإجماع بين هذه الأحزاب على ضرورة النضال من أجل تغييره، واستعادة السيادة. أما النخبة المغربية المقرّبة من الإدارة الاستعمارية فقد عبّرت عن مواقف إيجابية تجاه هذا النظام، معتبرين أنها فرصة للإصلاح، ووضع سيسمح برأب صدع الفوارق الحضارية بين المغرب وأوربا.

المقاومة.. دفاع عن الحرية بالقلم والبندقية أم إرهاب وفتنة

أجمعت الأحزاب الوطنية الأربعة في مواقفها من المقاومة على ضرورة مواجهة نظام الحماية بشتى أنواع الأنشطة السياسية والنشر الصحافي والمساعي الدبلوماسية الخارجية. كما لم تخف هذه الأحزاب دعمها الصريح لبعض الأحداث المرتبطة بالمقاومة المسلّحة، وتجاوزت أحيانا مقام الإسناد الدعائي إلى مقام الانخراط الفعلي في تمويل المقاومة المسلّحة وتزويدها بالمناضلين الذين تحوّلوا عن القلم وحملوا البندقية في بعض اللحظات الفاصلة.

عَكْسَ هذا التوجه، اختار الأعيان والمقربون من نظام الحماية موقف الإدانة المطلقة لكافة أشكال المقاومة، سواء السياسية حينما دعوا إلى حلّ هذه الأحزاب والجمعيات، أو المسلّحة التي وصموا عمليّاتها بوصمة الإرهاب.

الاستقلال .. أساس النهضة أم مطلب متهوّر

ما من شكّ أن مطلب الاستقلال كان هاجس الأحزاب الوطنية الأول جاعلة منه شرطا لتحقيق النهضة وعمادا لتحقيق العدل. إلاّ أن الوطنيين اختلفوا في تصوّرهم لحيثيات هذا المطلب. فحزب الاستقلال  اعتبر أن الدستور نظام يأتي بعد الاستقلال، في حين كان حزب الشورى والاستقلال ُمصِرًا على أن إلغاء الحماية إجراء غير كافٍ لتحقيق المنشود، وإنما الاستقلال مشروع متكامل مدخله الأساس دستور يحفظ للشعب والمستضعفين منه بالخصوص حقوقهم. في حين تقدّم حزب الإصلاح الوطني للسلطان محمد بن يوسف سنة 1952؛ بمقترح هو بمثابة حجر أساس لوضع دستور. وهي لا شك خطوة من خطوات تعضيد مطلب الاستقلال وتحويله إلى أمر واقع. أما حزب الوحدة المغربية فكان تصوّره للاستقلال مؤطرا بالوحدة والسيادة السياسية والاقتصادية والثقافية.

وقياسا على ما سبق من القضايا يمكن توقع موقف النخبة المقرّبة من السلطات الاستعمارية؛ فإنها لم تكتف فقط بمعارضة مطلب الاستقلال، وإنما اتهمت الذين يرفعون هذا الشعار بالأقلية الديكتاتورية. ودافعت عن “الإصلاحات” التي يقوم بها الاستعمار الفرنسي، خصوصا السياسية منها، فمدحت الديمقراطية الفرنسية، وذَمّت استفراد السلطان بالحكم وحده. علما أن هؤلاء الأعيان لم ينتظموا في أي مؤسسة ديموقراطية تعبّر عن صدق شعاراتهم.

النخبة المغربية أمام تحدي إنهاء الاستعمار

انطلقت المفاوضات بين أول حكومة مغربية بقيادة البكاي والحكومة الفرنسية يوم 15 فبراير 1956. وكانت هذه المحطة ثمرة تحولات جيو-استراتيجية في المنطقة، ونتيجة تنامي ضغط المقاومة المسلّحة بالمغرب، فضلا عن المساعي الدبلوماسية للوطنيين بالأمم المتحدة. فمهّدت فرنسا لهذه المفاوضات أولا بمشاورات إكس-ليبان غشت 1955. ثم ثانيا بعودة السلطان محمد بن يوسف نونبر 1955. ونظرا لكون الدعوة إلى المفاوضات جاءت من الطرف الذي يمثل السلطة الاستعمارية فإن هذه الدعوة حام حولها الكثير من اللبس. وشارك بعض الوطنيين فيها بارتياب، مع إصرارهم على أن تكون مفاوضات حول مستقبل العلاقات المغربية الفرنسية دون أن تشمل مسألة الاستقلال لأنها قضية محسومة بالنسبة إلى المغاربة في ذلك التوقيت.

خاتمة

كشف هذا الكتاب أن النخبة الوطنيّة خلال الحقبة الاستعمارية لم تكن على قلب واحد خصوص موقفها من وضعية الحماية. فرفضت الفئة الأوسع حضورا والأكثر شعبية هذا النظام، وحَاوَلَتْ تقديم تصورات لطرق التخلّص من هذه الأزمة، ومنه رسم معالم حالة الاستقلال؛ كيف يمكن تحقيقه؟ وكيف يمكن أن يكون؟

ولا يسع الباحث أن يُنكر حقيقة المواقف التي سجلها التاريخ لقسم من النخبة الوطنية التي تشابكت مصالحها مع مصالح بقاء الاستعمار. هذا النوع من النخبة الذي دافع عن بقاء فرنسا، وحاجج على أهميته في تطوير البلاد، وحاجة المغرب للاستفادة من التقدم المادي الذي وقع في أوربا، واعتبر أن الاستعمار هو مرحلة انتقالية لا بد للمغرب من أن يمرّ بها، ولم يحصر هذه المرحلة بمدة زمنية محددة أو رهنه بتحقيق إنجازات واضحة.