المحتويات
مقدمة
لقد كان المغرب في عهد المولى إسماعيل يواجه واقعا مضطربا فرضته سنوات الانقسام وضعف السلطة، فاستغلت ذلك بعض القوى الأوربية، واحتلت عددا من الثغور والموانئ المغربية. وفي هذا السياق برز القائد والمجاهد المولى إسماعيل، الذي أعاد للدولة هيبتها، فوحد الداخل وأنهى الوجود الأجنبي، وبدأت في عهده مرحلة جديدة عنوانها الجهاد والتحرير واستعادة السيادة على السواحل المغربية.
وقد وصف أحد معاصريه اتساع ملكه وهيبة سلطانه بقوله: «وقد رأيت مبلغ ملكه من أقصى بلاد السوس إلى تخوم السودان، ويبلغ منها ما وراء النيل، وانتشرت دولته في أراضي السودان، وبلغ في ذلك ما لم يبلغه ابن العباس أحمد الذهبي السعدي، ولا أحد قبله، ومن المشرق إلى قرب بلاد باسكرة من بلاد الجريد، ونواحي تلمسان. وتزينت به الخلافة أي تزين، والله أعلم حيث يجعل رسالاته».[1]
وتجلت هيبته –رحمه الله- في معارك التحرير التي قادها لاسترجاع المهدية وطنجة والعرائش وأصيلا، حتى ارتبط اسمه في التاريخ المغربي بملاحم استعادة الثغور وطرد الاحتلال الأجنبي.
فتح المهدية.. بداية مشروع التحرير
المهدية (أو حلق الوادي، حلق سبو، حلق المعمورة). ينسب تأسيسها إلى الموحدين. ويختلف المؤرخون حول مؤسسها بين عبد المؤمن بن علي ويعقوب المنصور. وكانت تسمى منذ تأسيسها بالمعمورة نسبة إلى الغابة القريبة منها. وهي تقع على بعد 9 كلم إلى جنوب مدينة القنيطرة، وعلى بعد 32 كلم شمال غرب سلا. احتلها البرتغال (921هـ/1515م). ثم بعد ذلك دخلت تحت النفوذ الإسباني (1022هـ/1613م). وحاول المجاهدون بقيادة العياشي استرجاعها، فاستعصت عليهم، إلى أن استرجعها المولى إسماعيل بمساهمة المجاهدين في سنة 1092هـ/1613م. وقد حملت المعمورة اسم المهدية منذ هذا الفتح بأمر من المولى إسماعيل.[2]
وقد أخذ المولى إسماعيل المهدية عنوة يوم الجمعة ثالث عشر ربيع الثاني عام اثنين وتسعين وألف، قيل بقتال وقيل بغير قتال وإنما أخذها بقطع الماء عنها. ومن لطف الله أن لم يمت أحد من المسلمين وغنم من كان بها من النصارى وجعل الله ذلك له من العمل المقبول الذي ينال به رضى الله.[3]
وقد جهز المولى إسماعيل جيشا لاستنقاذ ثغر الحلق هذا، أسند النظر فيه لكبير عماله القائد “عمرو بن حد” الريفي إذ كان من أهل السابقة والنصيحة في الخدمة، فنزل عليه وحاصره. وبعدما اجتمعت عليه جيوش المسلمين وتكاثرت عساكر الموحدين من المتطوعة والجند، زحف المسلمون إلى القبيبات (من المناطق القريبة من الرباط) والفندق الذي كانت به ذخائر الروم، وحالوا بينهم وبين المدد من ناحية المرسى، ومنعوهم من البير التي كانوا يشربونهم منها حتى أوهنهم العطش، وأشرف المسلمون على الفتح، فكتبوا للسلطان يعلمونه بذلك، وبأن أخذ البلد متوقف على حضوره. فأسرع النهوض إليهم فوجد النصارى معتصمين بالأسوار، ولما عاينوا من شدة التضييق ما لم يكن لهم به عهد قبل ذلك، أيقنوا بحضور السلطان، فاستسلموا للأسر وألقوا إليه القياد بعد أن خرج القسيسون يطلبون الأمان على بقايا النصارى لئلا تستأصلهم سيوف المسلمين، فأمنهم السلطان، وفتحوا باب الحصن وخرجوا منها أسارى، وكان ذلك يوم الأربعاء الحادي عشر من ربيع الثاني كما سبق.[4]
وهكذا نرى أن فتح المهدية كان إعلانا عن بداية مشروع المولى إسماعيل لتحرير السواحل المغربية من النفوذ الأوروبي. حيث أظهرت هذه المعركة قدرة الدولة على توحيد الجند والمجاهدين، واعتماد الحصار والاستنزاف بدل المواجهة المباشرة. كما بينت لنا أيضا أن حضور السلطان وهيبة سلطته كانا عاملا حاسما في انهيار مقاومة الحامية الأجنبية واستسلامها.
معركة طنجة.. دحر الإنجليز واستعادة البوابة الشمالية
طنجة مدينة عظيمة، فقد كثرت عمارتها، واتسعت بناءاتها، وتمكنت حضارتها، وقصدها أجناس الروم للسكنى، فعظمت بهم وطار صيتها، وهي بشاطئ البحر الرومي، فتحت في الإسلام ثم أخذها جنس البرتغال من يد المسلمين سنة سبعين وثمانمائة بعد قتال عظيم. زحف إليها من سبتة في ألوف من العساكر، ولما رأى المسلمون أن لا معين لهم ولا مغيث سلموها إليه، واستمرت بأيدي البرتغال إلى أن (بذلوها) للإنكليز على سبيل المهادات سنة أربع وسبعين وألف. ولازالت بأيديهم إلى تاريخ فتحها هذا، وهي عريقة في التمدن شهيرة.. فتحها عقبة بن نافع الفهري بعد الخمسين من الهجرة. مرت عليها دول البربر والأشراف والعرب، إلى أن استولى عليها البرتغال في التاريخ المتقدم وهو عام تولية الملك فيه لبني وطاس بالمغرب وفاس.[5]
وفي رابع وعشرين من المحرم عام تسعين وألف وقعت غزوة المولى إسماعيل بها فمات من المسلمين نحو خمسين ومن الكفار نحو ثلاثمائة، وأخذ لهم قصبة منها بأربعة أبراج. ثم في ربيع الأول من عام خمسة وتسعين وألف أخذها من غير قتال فتركها الكفار وهربوا بما قذف في قلوبهم من الرعب منه بعد أن خربوا دورها جعل الله له ثوابها من الذخائر التي يجدها يوم لقاه.[6]
فمعركة طنجة أظهرت لنا التحول الذي عرفته الدولة المغربية في عهد المولى إسماعيل، إذ لم تعد القوى الأوروبية تواجه إمارات متفرقة وضعيفة، بل سلطة مركزية قوية قادرة على فرض الحصار واستنزاف المحتل حتى الانسحاب. كما أن تخلي الإنجليز عن المدينة بعد سنوات من السيطرة أكد لنا تصاعد هيبة الدولة المغربية، وتحول طنجة من رمز للنفوذ الأجنبي إلى عنوان لقوة الدولة المغربية وهيبة سلطانها.
العرائش وأصيلا وإنهاء الوجود الأجنبي في الغرب
تنازل محمد الشيخ المأمون بن المنصور السعدي عن مدينة العرائش للإسبان بتاريخ 4 رمضان 1019هـ/ 20 نونبر 1610م، مقابل الحصول على المساعدات العسكرية للقضاء على إخوته المنافسين له على الحكم. فاغتنمت إسبانيا وضعية المغرب الذي كان يشهد تمزقا سياسيا ناتجا عن تناحر وصراع أبناء المنصور السعدي على السلطة واستولت عليها.[7]
وفي آخر شوال عام مائة وألف أنزل عليها المولى إسماعيل الجيوش وحاصرها ثم أمر بإرسال البارود تحت أسوارها بحفر العملة، ثم أرسلوا فيها النيران حتى تصدعت أسوارها ففتحها عنوة وغنم ما فيها من النصارى. وكان عددهم ألفا وسبعمائة، ومن على أميرهم بالعتق. وفرح المسلمون بهذا الفتح المبارك وصحبهم منه سرور عظيم.[8]
ولما كمل فتحها كلف أهل الريف بعمارتها، وأمر قائده أن يبني مسجدين ومدرسة وحماما، ودارا له بقلعتها، ففعل. وكان فتح العرائش مما ازداد به المسلمون وأميرهم سرورا، وحل بالإصبنيول وغيرهم من النصارى ندامة وحسرة، فدخل الرعب جميعهم. وكان مدة إقامة النصارى بها إثنين وثمانين سنة لأن إعطاء محمد الشيخ إياها لهم كان سنة تسع عشرة وألف. ومدة حصار المسلمين عليها نحو الثلاثة أشهر ونصف.[9]
ثم بعد فتح العرائش انتقل المجاهدون لحصار أصيلا فنزلوا عليها، وحاربوا أهلها سنة كاملة إلى أن لحقهم الجهد، فطلبوا الأمان لأنفسهم فأمنهم المسلمون على حكم السلطان. وبالليل ركبوا سفنهم وذهبوا لبلادهم.[10]
ولا بد أن نشير إلى أن أصيلا احتلت من طرف الإسبان سنة 989هـ/1581م، أي قبل أن يسلم محمد الشيخ المأمون العرائش إلى الإسبان (1019هـ/1610م). وتخلى عنها الخضر غيلان سنة 1079هـ/1668م بعد أن كانت خاضعة له خلا ثورته بالشمال الغربي. ثم عادت للإسبان إلى أن استرجعها المولى إسماعيل.[11]
ومن خلال فتح العرائش وأصيلا، يظهر لنا أن المولى اسماعيل قد سعى إلى إعادة دمج الثغور المحررة داخل سلطة الدولة عبر التعمير وبناء المؤسسات. كما يتبين لنا أيضا أن ضعف المغرب من الداخل كان السبب الرئيسي الذي فتح الباب سابقا للتدخل الأجنبي، بينما أدى توحيد السلطة وقوة الدولة في عهد المولى إسماعيل إلى طرد المحتل وإنهاء وجوده بمعظم سواحل الغرب المغربي.
خاتمة
إن هذه المعارك التي قادها المولى إسماعيل، تكشف لنا عن جانب فريد من شخصيته –رحمه الله-، فهو سلطان جمع بين قوة الدولة وحزم القيادة وطول النفس في الحصار والتحرير. وقد كانت الفتوحات التي قادها جزءا من مشروع واسع لإعادة السيادة المغربية وإنهاء الوجود الأجنبي الذي استغل سنوات الضعف والانقسام التي عرفها المغرب قبل قيام الدولة العلوية.
وقد استطاع المولى إسماعيل عبر هذه الملاحم، أن يعيد للدولة المغربية هيبتها ووحدتها، وأن يرسخ الأمن والاستقرار في كثير من الأنحاء. فازدهرت البلاد في عهده واتسع نفوذها وقويت شوكتها داخليا وخارجيا. ولذلك بقي اسمه في الذاكرة التاريخية مرتبطا بملاحم التحرير وبناء الدولة، حتى عد واحدا من أبرز سلاطين المغرب الذين جمعوا بين الجهاد والسياسة وإعادة العمران.
المراجع
[1] محمد بن محمد بن مصطفى المشرفي، الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية، تحقيق ادريس بوهليلة، وزارة الأوقاف، ط1، 2005،1/300.[2] المشرفي، الحلل البهية، 1/301. (بتصرف).
[3] محمد الطيب القادري، نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، تحقيق: محمد حجي وأحمد التوفيق، مكتبة الطالب، الرباط، 1982، 3/288.
[4] المشرفي، الحلل البهية، 1/3ّ02-303.
[5] المشرفي، الحلل البهية، 1/304. (بتصرف).
[6] محمد الطيب القادري، نشر المثاني، 3/288.
[7] المشرفي، الحلل البهية، 1/305.
[8] محمد الطيب القادري، نشر المثاني، 3/288.
[9] المشرفي، الحلل البهية، 1/306-307.
[10] المشرفي، الحلل البهية، 1/313.
[11] المشرفي، الحلل البهية، 1/313.