المحتويات
مقدمة
يعد عهد المولى إسماعيل بن الشريف من أهم مراحل التاريخ المغربي في العصر الحديث، لما عرفه من تثبيت أركان الدولة العلوية وتقوية نظام الحكم بعد فترة انتقالية حساسة أعقبت وفاة أخيه المولى الرشيد.
وقد جاءت بيعة المولى إسماعيل في ظرف سياسي مضطرب، سرعان ما تحولت فيه مرحلة تولية الحكم إلى امتحان حقيقي بسبب تعدد الثورات الداخلية والتمردات القبلية، كان أبرزها ثورة المولى أحمد ابن محرز. مما جعل السلطان الجديد يدخل الحكم وبين يديه مجموعة من التحديات العسكرية والسياسية.
بيعة المولى إسماعيل
بويع المولى إسماعيل في اليوم الذي وصل إلى فاس خبر موت أخيه المولى الرشيد، وهو يوم الأربعاء خامس عشر ذي الحجة عام اثنين وثمانين وألف (1082هـ).[1]
وقد ذكر اليفرني في “روضة التعريف” أن بيعته كانت في الساعة الثانية من يوم الأربعاء 16 ذي الحجة الحجة سنة 1082هـ، ووافق من شهور العجم أبريل، ويقال له نيسان، ومن غريب الاتفاق أن ولادته نصره الله كانت في ذي الحجة، وبيعته فيه. أما سنه يوم بيعته فكان 26 سنة، وبعضهم يقول: كان ابن 25 سنة، والأول هو الموافق لما سلف في تاريخ ولادته.[2]
ويظهر لنا من خلال ما أوردته المصادر التاريخية، أن هناك اختلافا بسيطا في تحديد يوم البيعة، إلا أن هناك اتفاقا وإجماعا على الشهر والسنة.
وتميزت بيعة المولى إسماعيل بحضور نخبة من كبار علماء المغرب وشرفائه وأعيانه ومشايخ قبائله، وهو ما يؤكد مكانة العلماء وأهميتهم في إضفاء الشرعية الدينية والسياسية على السلطان.
وقد حضر هذه البيعة رؤوس القبائل المغربية وأعيان المدن الإسلامية، من أهل الحل والعقد، شرفاء وعلماء وصلحاء، كالشيخ عبد القادر الفاسي، والشيخ الحسن اليوسي، ومحمد بن علي الفيلالي، وأحمد بن سعيد المزكلدي، ومحمد بن الحسن المجاصي المكناسي، والقاضي الأعدل أبي مدين المكناسي، وغيرهم.[3]
وبحضور هذه الأسماء الوازنة، كانت البيعة إعلانا سياسيا، وعقدا شرعيا قائما على مبدأ السمع والطاعة، ودعوة للالتفاف حول السلطان باعتباره ممثل الدولة وموحد الأمة.
وبعد أن تمت بيعة المولى إسماعيل، وجه الجيش لسائر أقطار المغرب يأخذون له العقد والبيعة على سائر القبائل، والخاص والعام.[4] ليثبت حكمه ويوحد البلاد. ثم اتخذ مكناسة الزيتون دار القرار، وتبوأها منزلا مباركا، وأحدث فيها من البناءات الهائلة الرائقة ما يحير الأذهان.[5]
الامتناع عن البيعة ودلالاته السياسية
امتنع المولى إسماعيل في بداية الأمر عن قبول البيعة والخلافة، وعلل ذلك بما أظهره من ضعف وعدم قدرة على تحمل مسؤولية الحكم وحده، خاصة في ظل صعوبة الأوضاع السياسية وتعدد الخصوم.
غير أن أهل فاس والأعيان ومشايخ القبائل أصروا عليه، ولم يبرحوا المكان حتى قبل بالبيعة، فبايعوه على السمع والطاعة ومساندته في الخير والشر.
يقول اليفرني (الإفراني): “ولما تحقق الناس بموت مولانا الرشيد لحقهم من الأسف ما لا يعبر عنه، وأقبلوا إلى مولانا نصره الله وراودوه على البيعة له والانتصاب للإمامة، فأظهر الامتناع، واعتذر بضعفه وقلة حماته وأنصاره، فلم يزالوا معه حتى قبل، فعقدوا بيعتهم له بالسمع والطاعة والانقياد في المكروه والمحبوب والمنشط والمكره”.[6]
ونفهم من هذا الموقف أن السلطان الجديد كان واعيا بثقل مسؤولية الحكم ومدى صعوبتها في هذه المرحلة، وأن قبوله البيعة جاء إثر ضغط سياسي واجتماعي فرضته ضرورة استمرار الدولة بعد وفاة المولى الرشيد، بالإضافة إلى أن العلماء كانوا يرون المولى اسماعيل الرجل الأحق بالخلافة، وأنه لا يمكن أن يتقدم “العامي مع وجود الهاشمي الفاطمي العلوي”.[7]
ولعل امتناع المولى إسماعيل في البداية عن طلب الخلافة، وتردده في قبولها، كان من العوامل التي قوّت شرعيته السياسية وساهمت في تثبيت حكمه؛ “ولذلك رزقه الله النصر على الأعداء في كل موطن”.[8]
أما أهل مراكش فقيل أنهم لم يشاركوا في مظاهر التهنئة والبيعة، وهذا الأمر كان مؤشرا مبكرا على بوادر التمرد في الجنوب. ومع تولي المولى إسماعيل الحكم، سرعان ما بدأت تتكشف بعض ملامح التمرد في شكل تحركات وثورات داخلية، كان أبرزها ثورة المولى أحمد بن محرز، الذي سعى إلى استثمار ظرفية الانتقال السياسي لتوسيع نفوذه ومنازعة السلطة في أكثر من منطقة.
ثورة المولى أحمد بن محرز.. من فاس إلى مراكش
تعد ثورة المولى أحمد بن محرز من أخطر الثورات التي واجهت المولى إسماعيل في بداية حكمه. فبعد بيعة المولى إسماعيل بفاس، بلغه أن ابن أخيه المولى أحمد ابن محرز يريد التحرك إلى مراكش يطلب من أهلها أن يبايعوه ويقيموه مقام عمه مولانا الرشيد. ومولاي أحمد هذا كان خليفة عند مولانا الرشيد على سجلماسة والصحراء وتوات ودرعم ومدغرة وأنكاد وما إلى ذلك من البلاد. فلما سمع بذلك المنصور بالله مولانا اسماعيل أسرع في النهوض وخرج إلى مراكش يوم الخميس آخر ذي الحجة متم عام اثنين وألف، فوصلها، وخرج أهلها إلى قتاله، فالتقى الجمعان بها يوم الخميس سادس محرم، فهزم أهلها، وفي غده، وهو يوم الجمعة سامح أهلها ودخلها فبايعوه.[9] أما المولى أحمد بن محرز فقد فر عنها.
أما أهل فاس فقد قاموا على السلطان واتصلوا بالثائر ابن محرز، ونكثوا بيعة المولى اسماعيل، وغدروا بخليفته زيدان التلمساني. واستمرت الحرب بينه وبين أهل فاس، الذين بعثوا إلى ابن أخيه المولى أحمد ابن محرز للصحراء، فأجابهم لذلك، وتوجه نحوهم، فنزل بقرب دبدو على وادي ملوية، فنادوا بنصره في الأسواق وغيرها. وفي مغرب يوم الأحد منسلخ جمادي الثانية خرج عشرة من الخيل للقاء المولى أحمد بن محرز بتازة، وخرج المولى إسماعيل بجيشه نحو تازة فقصد ولد أخيه المولى أحمد بن محرز، وطال الحرب بينهما بتازة نحو شهر والحرب سجال.[10] ثم فر المولى أحمد بن محرز منها نحو بلاد أنجاد، فاتبع أثره السلطان في الحين ووقعت بينهما ملحمة عظيمة انقشع فيها سحاب المولى أحمد وتبددت كتائبه، ففر هاربا نحو سجلماسة، ومنها إلى درعة، فمراكش التي دخلها فتلقاه أهلها بفرح وسرور، وملكوه عليهم، والمولى اسماعيل لا يغيب عنه من خبر ابن أخيه شيء.[11]
رجع السلطان إلى فاس وحاصرها بعد أن دوّخ تازة وضواحيها، ومهد بسيفه نواحيها، فدار بها من كل جهة، ولم يترك لأهلها شاذة ولا فاذة.[12] ولما طال الحصار بأهل فاس وعلموا أنه لا نجاة لهم إلا بالإذعان والانقياد، خرجوا بأشياخ العلم والأشراف راغبين في العفو عنهم، والصفح عن جناتهم، فتلقاهم نصره السلطان نصره الله بالبشر والترحاب، وبسط لهم جناح الرحمة والحلم، وكان دخوله فاس في 19 رجب عام 1084 بعد محاصرته لها 15 شهرا.[13]
أما المولى أحمد فقد رجع إلى مراكش، وتبعه عمه مولاي اسماعيل، وأقام على حصارها ومحاربة من بها، فوقع قتال عظيم مات فيه من الفريقين عدد لا يحصى، ففر المولى أحمد عنها متوجها لجبال سوس.[14]
المولى أحمد ابن محرز واتساع مجال الثورة
لما ضاقت على المولى أحمد بن محرز سبل الثبات بمراكش، اتجه نحو سوس حيث وجد في تلك النواحي مجالا رحبا لإحياء دعوته واستجماع الأنصار. إلا أن المولى إسماعيل لم يدعه يستقر طويلا، بل لاحقه بخطى حازمة حتى تحولت تلك الأرض إلى ساحة جديدة للحرب.
عندما فر المولى أحمد بن محرز عن مراكش، توجه لجبال السوس، ثم نهض لتارودانت، فاستولى عليها وعلى كثير من أعمالها إلى الساقية الحمراء، وأذعنت له تلك القبائل، وبعث لأمير الجزائر يحرضه على الخروج من تلمسان والعبث في أطراف تازا ونواحيها. فجمع لذلك الجموع ووجهها، فبلغ المولى اسماعيل خروجهم فنهض إليهم، وتوجه لقتالهم بناحية مسون، فلما بلغهم نهوضه إليهم انقلبوا على أعقابهم راجعين (خائفين).[15]
صرف السلطان بعد ذلك عنان قصده إلى محاربة ولد أخيه المذكور بالسوس، الذي خرج لتارودانت، فانحصر بها، ثم وقع بينهما قتال مات فيه خلق كثير وجرح أحمد بن محرز، واستمر الحال على ذلك إلى أن وقع الصلح بينهما، ثم رجع السلطان لمكناسة.[16]
خاتمة
ختاما، يمكن أن نقول إن بيعة المولى إسماعيل جاءت في ظرف سياسي معقد عقب وفاة أخيه المولى الرشيد، إذ واجه منذ بداية حكمه سلسلة من الثورات الداخلية التي هددت وحدة الدولة العلوية وأمنها، وعلى رأسها ثورة المولى أحمد بن محرز في مراكش وفاس وما تلاها من اضطرابات سوس.
وقد أظهر المولى إسماعيل منذ السنوات الأولى من حكمه عن شخصية سياسية قوية قادرة على تدبير شؤون الدولة، إذ جمع بين الشرعية التي وفرتها البيعة بدعم من العلماء والأعيان، وبين الحنكة العسكرية التي مكنته من مواجهة الثورات المتتالية وقيادتها بنفسه. فاستطاع بذلك طي صفحة الثورات تدريجيا، وإعادة فرض نفوذه على مختلف مناطق المغرب، مما يسر له الطريق لتثبيت أركان الدولة العلوية وتوحيد البلاد تحت راية واحدة وسلطان واحد.
المراجع
[1] محمد الطيب القادري، نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، تحقيق: محمد حجي وأحمد التوفيق، مكتبة الطالب، الرباط،1982، 2/200. (بتصرف).[2] محمد الصغير اليفراني، روضة التعريف بمفاخر مولانا اسماعيل بن الشريف، تحقيق عبد الوهاب بنمنصور، ط2، 1995، المطبعة الملكية، الرباط، ص:60. (بتصرف).
[3] محمد الصغير اليفراني، روضة التعريف، ص:61.
[4] محمد الطيب القادري، نشر المثاني، 2/200.
[5] محمد الصغير اليفراني، روضة التعريف، ص:63.
[6] محمد الصغير اليفراني، روضة التعريف، ص:60.
[7] محمد الصغير اليفراني، روضة التعريف، ص:61.
[8] محمد الصغير اليفراني، روضة التعريف، ص:62.
[9] محمد الطيب القادري، نشر المثاني، ص:201. (بتصرف).
[10] محمد الطيب القادري، نشر المثاني 201،202. (بتصرف).
[11] محمد الصغير اليفراني، روضة التعريف، ص:67. (بتصرف).
[12] محمد الصغير اليفراني، روضة التعريف، ص:67.(بتصرف).
[13] محمد الصغير اليفراني، روضة التعريف، ص:68. (بتصرف).
[14] محمد بن محمد بن مصطفى المشرفي، الحلل البهية في ملوك الدولة العلوية، تحقيق ادريس بوهليلة، وزارة الأوقاف، ط1، 2005، 1/280-281. (بتصرف).
[15] المشرفي، الحلل البهية،1/281 (بتصرف).
[16] المشرفي، الحلل البهية 1/281 (بتصرف).