مقدمة

يعد المولى إسماعيل بن الشريف من أبرز الشخصيات التي طبعت تاريخ الدولة العلوية بالمغرب، بما ارتبط باسمه من قوة سياسية وعسكرية لاحقا، وأيضا بما تميزت به بداياته من سياق تاريخي أسهم في تشكيل شخصيته. إذ اهتمت المصادر التاريخية بسيرته، وتناولت جوانب مختلفة من حياته.

وسيتناول هذا المقال مرحلة المولى إسماعيل الأولى، من خلال الوقوف على تاريخ ومكان ميلاده كما ورد في الروايات التاريخية، ثم التعريف بنسبه العلوي الشريف، قبل الانتقال إلى أبرز صفاته كما صورتها شهادات المؤرخين، وصولا إلى الحديث عن نشأته وبدايات ظهوره السياسي.

المولى إسماعيل.. ميلاده ونسبه

ولد السلطان مولاي اسماعيل بسوس في عام وقعة القاعة، وهي الواقعة التي حدثت بين أخيه المولى محمد وأهل زاوية الدلائيين، وقد أشار صاحب “البستان الظريف” أبو القاسم الزياني إلى ذلك معتمدا على رسائل منسوبة للمولى محمد، مؤرخة بسنة 1056هـ. كما يضيف صاحب “روضة التعريف” أن مولده كان صباح يوم السبت 18 ربيع النبوي من السنة نفسها.[1] بينما يرجح الضعيف الرباطي في “تاريخه”، أنه ولد في آخر ذي القعدة عام 1051هـ/1641م.[2]

إلا أن مؤرخ الدولة العلوية عبد الرحمن بن زيدان يرفض هذا الترجيح، قائلا: “حدثني من وثقت بخبره من مبرزة عدول أبناء عمنا الأشراف المسنين سكان تافيلالت أنه ولد بتافيلالت وأن محل ولادته بقصر أبحار أسفل وادي يفلي لناحية الغرفة لا زال معروفا عند سائر الطبقات بالاستفاضة لا يمتري ذكر منهم ولا أنثى هـ. وما في تاريخ الضعيف من أن ولادة المترجم كانت أواخر ذي القعدة الحرام عام واحد وأربعين وألف وهم لا يلتفت إليه”.[3]

وورد في “التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير” أن السلطان إسماعيل بن الشريف بن علي وُلد بقصر “أبحّار”، الواقع في الجنوب الشرقي من قصر “أبي عام” خلف سوق الريصاني بتافيلالت، وذلك سنة 1045هـ/1635م، وهو القصر المعروف حتى اليوم بالاسم والنعت. كما يذكر المصدر أيضا أنه “كان أصغر من أخيه الرشيد بحوالي خمس سنوات، بل ربما هو أصغر إخوته جميعا.[4]

ونرى هنا أن الرويات التاريخية لم تُجمع على تاريخ محدد ولا على مكان واحد لميلاد المولى إسماعيل، إذ تباينت بين سوس وتافيلالت، كما اختلفت كذلك في ضبط السنة، مما يجعل تحديد مولده بدقة مسألة ترجيحية أكثر منها قطعية.

يرتبط العلويون بسلسلة نسب شريفة تنتهي إلى البيت النبوي عبر الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء رضي الله عنهما، ويندرج ضمن هذه السلسلة السلطان المولى إسماعيل بن الشريف الذي يعد أحد أبرز أعلام الدولة العلوية.

وقد حرص المؤرخون على توثيق هذا النسب وإبرازه ضمن كتب التراجم والتاريخ، باعتباره أحد أهم مصادر الشرعية التي تميزت بها الأسرة العلوية منذ بداياتها الأولى. ومن ذلك ما ذكره صاحب “نزهة الحادي بأخبار ملوك القرن الحادي” اليفرني “أن بداية نسب العلويين تعود إلى: “المولى علي ابن المولى محمد ابن المولى علي ابن المولى يوسف ابن المولى علي الملقب بالشريف ابن المولى الحسن ابن المولى محمد ابن المولى الحسن ابن المولى قاسم ابن المولى بلقاسم ابن المولى سيدي محمد ابن الحسن ابن المولى عبد الله ابن المولى أبي محمد عرفة أبن المولى حسن أبن المولى أبي بكر أبن المولى علي ابن المولى حسن ابن المولى إسماعيل ابن المولى قاسم ابن المولى الحسن المثنى ابن المولى الحسن السبط ابن علي ابن أبي طالب وفاطمة بنت الرسول صلى الله عليه وسلم.[5]

فالعلويون ينتمون إلى سلالة الأشراف (العلويين) الذين قدموا من ينبع، وهي مجموعة من القرى الواقعة بأرض الحجاز، اشتهرت بكثرة عيونها ونخيلها، وكانت موطنا للأشراف من بني علي كرم الله وجهه.[6]

صفاته في روايات المؤرخين

اهتمت المصادر التاريخية بوصف المولى إسماعيل، سواء من حيث ملامحه الجسدية أو صفاته الشخصية، وقدمت روايات متعددة تبين مدى اختلاف زوايا النظر بين المؤرخين ومن عاصروا عهده.

وقد وصفه صاحب “المنزع اللطيف” ابن زيدان بأنه كان: “جميل الصورة ربعة نحيف الجسم يظهر على البديهة غليظ وبعد التأمل يظهر أن غلظه إنما هو من تعدد لباسه أبيض مشرب إلى السمرة أسود العينين فراقهما يظهر الحلم قليل لحم الخدين أقنى الأنف صغيره محدب الذقن غليظ الشفتين طويل اللحية. مفروقها من الذقن حاد الذهن نشيط لا يعرف مللا ولا كسلا خفيف الحركة ماهر في الفروسية والألعاب الرياضية”.[7]

وقيل أيضا أنه كان: “أدم اللون أكحل العينين، أجعد الشعر معتدل القد وليس بطويل، أشيب اللحية كأنها قطعة ثلج”.[8]

كما وصفه الأسير الفرنسي جيرمان مويت (Mouite) بقوله: “طويل شيئا ما، حسن الملامح، ذو لحية طويلة، ومتفرعة قليلا”.[9] وقد عرف مويط بموهبته في التدوين وبذاكرة قوية في تسجيل الوقائع، وكان ذا نزعة كاثوليكية متشددة. وقد قضى بالمغرب نحو إحدى عشرة سنة في الأسر، خلال عهدَي المولى الرشيد والمولى إسماعيل، ثم ألّف كتابًا بعنوان “رحلة الأسير مويت”.

وجاء في مؤلف “دوفونطان مكصانج” بعنوان “إسماعيل الأكبر”، أن المولى اسماعيل كان: “أسمر اللون ذو لحية مفترقة في الذقن نحيل الجسم معتدل القامة نشيط له خفة عند ركوب الخيل لا تدرك، مقدام شجاع لا يلحق له شأو في ذلك”.[10]

كما وُصف أيضا بأنه كان: “متقد الفكر مستحضر الجواب موجزه يدرك ما يروج في ضمير مخاطبه قبل أن ينطق بمراده، صريح القول حاد الذهن صاحب حيل يعرف الأساليب التي توصله لغايته بصبر بعواقب الأمور (…) كما أنه كان مقتصدا في أكله وكان كثيرا ما يقتصر على الأرز مع الحمام أو الدجاج وكانت الأواني التي يتناول فيها الطعام من عود أو نحاس أصفر.. وكان نساؤه لا يتناولن الطعام معه”.[11]

فهنا نرى أن أغلب الأوصاف تتفق على إبراز ملامح القوة والصرامة في هيئته. إلى جانب صفات النشاط والحدة الذهنية والمهارة في الفروسية، وهو ما يوحي بشخصية تجمع بين الحضور الجسدي والقدرة العملية، والتي ستظهر آثارها لاحقا في مساره السياسي.

أما عن صفاته الخُلقية، فقد نقلت المصادر التاريخية وشهادات بعض الأوربيين المعاصرين له صورا متعددة عن طباعه وسلوكه. فتنوعت أوصافهم بين إبراز جانب الحزم والصرامة، وبين التأكيد على التدين والدهاء السياسي وحسن التدبير. وهذه الشهادات تؤكد لنا أن المولى إسماعيل قد كان شخصية قوية الطباع، تركت أثرا واضحا في محيطها.

وقد أورد عبد الرحمان بن زيدان بأنه كان: “متجلد في الحوادث لا تزعزعه العواصف ولا يفت في عضده طروق الملمات حتى إنه كان إذا أخبر بكيد عدو لا يتغير وجهه ويجيب بأنه إذا أراد الله بقاء ملكه فلا سبيل لأحد عليه، بهذا وصفه عدوه أسيره مويت الفرنسي في قصة أسره”.[12]

أما الضعيف الرباطي فقال أنه كان: “جميل اللقاء عفو، رؤوف، بسط، مقدس للعلماء مقر بالهم، سخي عليهم من بيت المال، فصيح المنطق، حافظ للتواريخ الناس وأيامهم، منفذ لوعوده، يتميز بالسياسة والشجاعة والحزم”.[13]

وفي رسالة أوردها عبد الرحمان بن زيدان، نقلا عن سفير الملك الفرنسي لويس الرابع عشر إلى ملكه، جاء فيها: “أما أخص أوصافه فهو الاعتقاد الراسخ في الدين، لا تأخذه في الدين لومة لائم، مستحضر لآي القرآن في كثير من أحواله ومضحيا بنفسه في سبيل نشر الدين، وعلو كلمته، وبالجملة فإنه لم يظهر ملك ذو قوة وثبات على وصول الدين مثل مولاي إسماعيل منذ قرون، مطلع على العلوم الدينية متفقه مستحضر لمسائلها الأصلية يتم ذهب بمذهب مالك، يصوم زيادة عن رمضان شهرين في العام، وما شرب قط مسكرا في عمره، ويعتمد على الله في سائر أحواله وإذا دخل في الصلاة توجه بكليته إلى ربه، ويتجرد من نخوة الملك وحلته ويطلب من الصلحاء والحجاج والعلماء الإكثار من الدعاء له بظهر الغيب”.[14]

وقد كان “يلقب نفسه حبيب الله ويصرح بأنه إنما هو منفذ لأوامر الله في كل ما يصدر منه.. وكان شديد التمسك بأمر دينة قائما بواجباته من صيام وصلاة ونحو ذلك بتمام الضبط ويحتفل بالأعياد، وكان دائما يجعل المصحف الكريم أمامه وهو طريقه ومقتداه، لا يفر لسانه عن ذكر الله وذكر نبيه حتى في أوقات غضبه”.[15]

ومن خلال هذه الشهادات تتشكل صورة المولى إسماعيل كشخصية فريد ومميزة. إذ تلتقي-رغم اختلاف أصحابها وخلفياتهم-، عند إبراز ثلاث سمات أساسية: القوة والحزم، والحضور الذهني والدهاء، والارتباط العميق بالدين، بالإضافة إلى الانضباط الشخصي.

نشأته وبدايات ظهوره السياسي

لقد سلطت مجموعة من المصادر التاريخية الضوء على بدايات المولى إسماعيل، وأبرزت ملامح شخصيته في مرحلة الشباب قبل توليه الحكم. مما يساعد على فهم السياق الذي تبلور فيه حضوره داخل محيطه الأسري والعسكري، حيث ارتبطت صفاته الشخصية والعلمية والبدنية ببدايات ظهوره التدريجي في المجال السياسي إلى جانب أخيه المولى الرشيد.

نشأ–المولى اسماعيل- في حجر والده عظيم الجاه أورع أهل زمانه وأتقاهم وأنقاهم وأزكاهم وأذكاهم وأفخرهم المجمع على فضله ودينه وصلاحه وإقباله على مولاه في سره ونجواه في صون وعفاف ونزاهة ولما بلغ الثالثة عشر من عمره لبى والده داعي مولاه فتولى كفالته صنوّه الموفق الرشيد أبو الفتح والإقبال مولانا الرشيد وإذ كان أحب بني أبيه إليه لما خصه الله به من الحياء والحنان والعلم والحلم والنباهة والنجابة وتوقد الذهن والنزاهة والسياسة والكياسة والصفح والإغضاء ولين العريكة والثبات والنجدة والشجاعة والأمانة وكامل المروءة ومتين الديانة والحزم والعزم والتحلي بأخلاق أبيه المصطفية والتخلي عن كل وصمة تشين وطهارة الذيل ونقاء السريرة والإقبال على كل صالح يقربه إلى الله زلفى.[16]

كما عرف عنه في شبابه المبكر أنه كان يحب الفروسية.[17] حاذق، سياسي، يستعمل الحيل عند الضرورة، (…) وكان لا يفرق بين مصلحة البلاد ومبين مصالحه الشخصية لا يتصور أن يضحي بالأولي في سبيل الثانية”.[18]

وعن جانبه العلمي والثقافي، يشير عبد الرحمن بن زيدان إلى أنه كان: “آية إعجاز في معرفة علوم الحديث والأدب والتاريخ والأنساب والسير وأيام الناس، أقر له بذلك علماء وقته (…) وكثير ما تدور بمجلسه غرر المسائل فإذا تكلم فيها أبهت الحاضرين وأذهل المتكلمين وأما مسائل التاريخ ومعرفة الأنساب فهو ابن بجدتها والعارف برسائلها يعرف القبائل العربية والشعوب البربرية ويميز كل واحد بقعده ولم يكن في وقته أعرف منه بالأنساب كأنها جمعت إليه فهو نظير إليها. وأما علم السير ففي يده كيمياؤه”.[19]

كما عرف عنه أنه يحب العلم ويقدر العلماء، وفي مقدمتهم وزيره اليحمدي، والذي يظهر أنه لم يدرس دراسة علمية بالمعنى المفهوم، وإنما كان على جانب كبير من الثقافة السياسية والاجتماعية كما يظهر من خلال إملاءاته في مراسلاته الخاصة لأولاده ثم لبعض الملوك.[20]

وهكذا نرى أن هذا الرصيد من الخبرة المبكرة والثقة المحيطة به قد أسهم في تهيئة شروط ظهوره التدريجي إلى جانب أخيه المولى الرشيد، مما يؤكد أن بداياته كانت مرتبطة بسياق اجتماعي وسياسي، يمثل امتدادا لتكوين متدرج ممهد لمرحلة الحكم.

خاتمة

لقد كانت مرحلة النشأة والتكوين في حياة المولى إسماعيل الأساس الذي تشكلت فيه ملامح شخصية ستترك أثرا واضحا في تاريخ الدولة العلوية. فقد تداخل فيها البعد الأسري والتربوي مع المعطى السياسي المبكر، لتنتج شخصية فريدة جمعت بين الحزم والذكاء والصرامة، وبين التكوين العلمي والالتزام الديني والحنكة السياسية.

المراجع
[1] عبد الرحمن بن زيدان، المنزع اللطيف في مفاخر المولى إسماعيل بن الشريف، تقديم وتحقيق عبد الهادي التازي، ط1، مطبعة إديال، الدار البيضاء، المغرب، 1993م، ص:43. (بتصرف).
[2] محمد الضعيف الرباطي، تاريخ الضعيف (تاريخ الدولة السعيدة)، تحقيق وتعليق أحمد العماري، ط1، دار المأثورات الرباط، 1986م، ص:9.
[3] عبد الرحمن بن زيدان، المنزع اللطيف، ص:43.
[4] عبد الكريم الفلالي، التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير, ط1، ناس للطباعة، 2006، القاهرة، 4/123-124. (بتصرف).
[5] محمد الصغير اليفراني، نزهة الحادي باخبار ملوك القرن الحادي، صحح عباراته هوداس، طبع في انجي سنة 1888م، ص:288.
[6] أبوالقاسم الزياني، البستان الظريف في دولة أولاد مولاي الشريف، دراسة وتحقيق رشيد الزاوية، ط1، الشركة المغربية للطباعة والنشر، الرباط، 1992م، ص: 63.
[7] عبد الرحمن بن زيدان، المنزع اللطيف، ص: 47.
[8] محمد الضعيف الرباطي،تاريخ الضعيف، ص: 99.
[9] جرمان مويت، رحلة الأسير مويت، ترجمة: محمد حجي ومحمد الأخضر، وزارة الثقافة، دار المناهل للطباعة والنشر، 1990م، ص:74.
[10] عبد الرحمن بن زيدان، المنزع اللطيف، ص: 49. (بتصرف).
[11] عبد الرحمن بن زيدان، المنزع اللطيف، ص: 49-50. (بتصرف).
[12] عبد الرحمن بن زيدان، المنزع اللطيف، ص: 47.
[13] محمد الضعيف الرباطي، تاريخ الضعيف، ص:99.
[14] عبد الرحمان بن زيدان، إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس، تحقيق علي عمر،مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة، ط1، 2/65-66.
[15] عبد الرحمن بن زيدان، المنزع اللطيف، ص: 50.
[16] عبد الرحمن بن زيدان، المنزع اللطيف، ص: 45.
[17] عبد الكريم الفلالي، التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير، 4/124.
[18] عبد الرحمن بن زيدان، المنزع اللطيف، ص: 49. (بتصرف).
[19] عبد الرحمن بن زيدان، المنزع اللطيف، ص: 51. (بتصرف).
[20] عبد الكريم الفلالي، التاريخ السياسي للمغرب العربي الكبير،4/123-124.