تقديم

الكتاب المثير للجدل في حضرة إمارة المؤمنين، نشر قبل خمسين سنة، ومنع من الدخول إلى المغرب، إلى حدود سنة 2014م، وخلف ضجة واسعة، كان عبارة عن أطروحة دكتوراه، صدرت أولى نسخه باللغة العربية سنة 1982 في العاصمة اللبنانية بيروت، ترجمه عبد الغني أبو العزم، عبد الأحد السبتي، عبد اللطيف الفلق، وتبقى الطبعة الثالثة الصادرة سنة 2013، هي آخر طبعة صدرت للكتاب. وعده العديد من السياسيين والباحثين حلقة في فهم نظام المخزن وعلاقته بالنخبة، واعتبره آخرون من “كلاسيكيات علم السياسة في المغرب”. في حين ذهب آخرون إلى أنه مفتاح لفهم طبيعة حكم المخزن بالمغرب ودور النخبة. حمل الكتاب عنوان “أمير المؤمنين.. الملكية والنخبة السياسية المغربية” للأكاديمي الأميركي، “جون واتربوري.”، وهو من أوائل الأبحاث التي تُفكك الطبيعة المتشعبة للنظام السياسي المغربي، وكيف حافظت الملكية على وجودها وقوتها في النسق السياسي، بالإضافة إلى رصده لعلاقات النسب التي تربط بين مختلف الفاعلين الرئيسيين بالمملكة، بالإضافة إلى الوسائل التي تستخدمها الملكية للحفاظ على دورها كـ”قطب رحى” في الحقل السياسي، وسلوك النخبة المغربية للحفاظ على امتيازاتها.

محتويات الكتاب

البنيات التقليدية للمجتمع:

رصد واتربوري في الفصل الأول البنيات التقليدية للمجتمع المغربي في فترة الستينيات وتأثيرها في طبيعة السلوك السياسي للنخبة يومها من حيث عدم القدرة على حسم التحالفات مع جهة واحدة واستمرار عقلية القبيلة لدى كثير من الفئات.

وسجل أن المغرب عرف بين سنة 1912، وهو تاريخ فرض نظام الحماية، وسنة 1955 قبيل الاستقلال بسنة تغيرا كبيرا في الإطار السياسي، حيث تقوت وتوسعت بنيته الإدارية العصرية على حساب الزوايا والقبائل، وكذا في طبيعة اقتصاده بنشوء طبقة عاملة وتراجع الطبقة التجارية بمفهومها التقليدي، وخلص واتربوري إلى أن تلك التغييرات تشكل أبرز آثار ما سماه الإرث الفرنسي.

وأقر في الفصل الثاني أن المغرب لم يعرف قبل سنة 1912 تغييرا يذكر على مستوى التنظيم السياسي والاجتماعي بخلاف بعض أقطار شمالي إفريقيا التي شهدت بعض عناصر التحديث على يد الإدارة العثمانية أو على يد الاحتلال الفرنسي والتغلل الاقتصادي الأوروبي فيها.

وتطرق خلال ذلك للحركة الوطنية وأصولها باعتبارها قوة جديدة أتعبت سلطات الحماية بانخراطها في النضال السياسي المنظم ابتداء من سنة 1945، واصفا إياها بكونها قيادة برجوازية متنورة ومثقفة بأرضية سلفية دينية. غير أن الحركة التي صعب على الاستعمار الفرنسي احتواؤها، فشلت في تكوين نخبة سياسية متماسكة قادرة على ممارسة السلطة والمساهمة فيها بعد الاستقلال بحيث تميزت نقاشاتها حسب واتربوري بالبيزنطية، ليجد المغرب نفسه بين إرثين: إرث العادات والتقاليد في علاقتها بالسلطة وطرق تدبيرها، وإرث الاستعمار في شكل بنيات تحتية وآليات معقدة غير ملائمة في الغالب لواقع البلاد وحاجياتها.

وضعية ربطت الحياة السياسية المغربية وتاريخها بعد الاستقلال بمدى القدرة على التوفيق بين الإرثين؛ أي بمدى القدرة على التزام الشخصية المغربية بمقاييس وقواعد المؤسسات العصرية والسوق الاقتصادية والآليات الجديدة في التنظيم من قبيل الأحزاب السياسية والنقابات وغيرها، دون المس بخصوصيات ما سماه واتربوري الشخصية المغربية.

نماذج النخبة عند جون واتربوري:

استحضر جون واتربوري نموذج النخبة البورجوازية الحضرية والارستقراطية الفلاحية واعتبر أن النخبة الفاسية تعتبر نخبة النخبة، وهي مهد النخبة البورجوازية بالمغرب، ورغم انتقالها إلى الدار البيضاء لاشتغال بالتجارة فان الأسرة هي المهد الرئيسي لتشكل النخبة … ولما انضمت البورجوازية إلى الحركة الوطنية سنة 1944 توسعتا باللجوء إلى الزواج السياسي وحاولت العائلات المنتمية إلى المقاومة أن تشد إليها العائلات البورجوازية القروية.

و بعد سنة 1956 تضاعفت مشاركة الدولة في المشاريع الاقتصادية وأصبحت تشرف على عدة مشاريع مثل مصاريف و مؤسسات و قروض و مراقبتها، و بدأت تقوم  بتصدير بعض المنتجات كالحوامض ومنتجات الصناعية التقليدية وعلى العموم لا يمكن ضمان نجاح أي مشروع دون مساعدة النظام أو موافقته و لا بد من حياد الإدارة أو مساعدتها لضمان نجاح الأعمال، لذلك قامت النخبة البورجوازية بوضع أفرادها على رأس جميع المصالح الإدارية الحيوية كبنك المغرب والبنك المغربي للتجارة الخارجية وبنك القرض الشعبي، ومكتب الدراسات و المساهمات الصناعية وصندوق الإيداع والتدبير وصندوق القروض العقارية المغربية واللجنة الوطنية للحسابات، ومصلحة الجمارك ووزارة التنمية ووزارة المالية ومكتب الصرف. فكان رخاء الطبقة البورجوازية مرتبطا بمواقفها داخل الإدارة و نشاطها الاقتصادي.

النظرية الإنقسامية:

تبنى جون واتربوري في تحليله للنخبة والحياة السياسية المغربية وفي رصد سيرورتها “النظرية الانقسامية” التي تستعمل أساسا في الحقل الأنثروبولوجي، وذلك للوصول إلى نتائج مسبقة اعترى الكثير منها الخطأ وعدم الحياد.

فقد انطلق في الفصل الثالث من كون التوتر الدائم في مستويات مختلفة يعد من خصائص المجتمع المغربي منذ قرون بحيث يبدو وكأنه موشك على الانفجار لكن طبيعته الأساسية هي الجمود.

ولكي تسعفه النظرية المذكورة اعتبر أن المغرب ومجتمعه في العموم منحدر من القبيلة وأن قيم وأنماط السلوك السياسي السائدة فيه ذات طابع قبلي شبيه بدول الشرق الأوسط، وهي المنطقة التي وظف فيها الباحثون الغربيون الذين استند إليهم واتربوري لدراسة وإعمال النظرية الانقسامية التي وضع دوركهايم أسسها في شكلها العام في كتابه “تقسيم العمل الاجتماعي”.

وقد ذكر الفئات الأساسية المشكلة للمجتمع المغربي يومئذ والتي تكمن في مشاعر الانتماء للدين والزوايا والقبيلة والأسرة والحي من قبيل عائلتي الفاسي والوزاني ببنية مدينية واحدة، والانقسام تبعا لأهداف مادية عقلانية بين تجار سوس وتجار فاس كنموذج، والانقسام تبعا للبنيات التنظيمية الحديثة من قبيل الأحزاب والنقابات والجماعات الاقتصادية وغيرها.

واسترسل واتربوري في رصد الرهانات المزدوجة المتمثلة في هيمنة الحكم واحتواء النخبة السياسية، وهيمنة هذه النخبة على المجتمع. وتطرق للسياقات السياسية للحياة الحزبية المغربية في العقد الأول من الاستقلال، حيث تابع ما سماه “دينامية السيرورة الانقسامية للنخبة” من خلال تفسير الانشقاقات الحزبية الي شهدتها الفترة التي شملها كتابه انطلاقا من انشقاق حزب الاستقلال وميلاد اليسار، وانشقاق حزب الحركة الشعبية، وجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، متتبعا تفاصيلها بشكل دقيق جعل من الكتاب مرجعا مهما في فهم تاريخ الأحزاب السياسية المغربية.

وخصص المؤلف الفصول الأربعة الأخيرة من كتابه لأدوات احتواء الملكية للنخبة السياسية والتأثير عليها في أفق خدمة إستراتيجيتها وعدها في ست أدوات منها ما سماه بالبيروقراطية حيث إن للملك صلاحية توزيع المنافع السياسية والمادية للسلطة مما يسمح له بمراقبة فعلية للإدارة، وتسريع دوران التعيينات والتغييرات في المناصب، مع استقطاب الطاقات والكفاءات من داخل الأحزاب السياسية.

خاتمة

من أهم الخلاصات التي وردت في كتاب “أمير المؤمنين” أن الاستعمار الفرنسي الذي دخل إلى المغرب سنة 1912، أحدث عددا من التغييرات على النظام السياسي، الذي كان يقوم على السلطة المركزية، وقلص من دور الزوايا الدينية. كما رصد في شق آخر “أدوات السلطة للهيمنة على النسق السياسي المغربي، والتي تعد وزارة الداخلية والجيش أبرز أذرعها”، حسب المؤلف.

ولئن كان جون واتربوري سقط في كثير من الأحيان في التعميم، وتبنى آراء مغرقة في الذاتية، فإنه تمكن من تسليط الضوء على النخبة الحاكمة في المغرب ومكوناتها، وانتقادها، متتبعا أدق التفاصيل والأحداث، ومن ثم صياغة أهم عمل أكاديمي تركيبي حول الواقع السياسي المغربي في عهد الحماية وما بعد الاستقلال، يصعب الاستغناء عنه بالنسبة للباحثين والمشتغلين بحقل علم السياسة

وبقدر ما قام بعملية كشف كاملة لأجهزة النظام، والدور الرئيس الذي يقوم به أمير المؤمنين، كان دقيقاً وصارماً في انتقاداته للنخبة، متتبعاً أدق التفاصيل، لفضح دورها الانتهازي. بل يمكن القول إن انتقاداته كانت في جوهرها عملية تقويض لهذه النخبة التي أصبح النظام يتحكم فيها، ويستعملها، ويخضعها لتكتيكاته، وتنبطح أمامه عند أول إغراء وتلويح بانفتاح سياسي ولو كان مموها… وهذا ما يجعله يلويها كما يريد، وحسب رغباته… إلا أنه ينبغي أن نوضح هنا أننا لا نتفق مع المؤلف حول أحكامه التعميمية فيما يخص النخبة التي وصفها بالانتهازية والتملق والانبطاح، وعدم إيمانها بأي اقتناع إيديولوجي، وعلى أنها تضع مصالحها الذاتية فوق كل اعتبار، لأن هناك عناصر قيادي وقاعدية من النخبة لم تتأثر مواقفها بكل مناورات الحكم، وبقيت صامدة تواجه بنضالها العنيف كل ضغوطات السلطة، ومازالت مواقفها ثابتة (الكتاب ص 37).