توطئة

فَتَح عينيه في بلدته الصّغيرة تِغَنْمينْ بقبيلة بقِّـيوة المجاهِدة والمغرب ما يزال بعدُ مُستقلاً ذا سيادةٍ على تُرابه، وذلك سنة 1323هـ/1905م. وترعرع في بيتِ نَخوةٍ وشَرفٍ ودِين، على يدِ والدٍ رعاه فأدّبه، ولقَّنَه مبادئ المروءة والشجاعة، وهو الذي سيلتحق مكافِحاً ضمن حرب التحرير بقيادة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي.

بواكير التعليم والنضال

سنواتٍ بعدَ ذلك، وعلى مِنوال أبيه؛ سيشاركُ الشاب العربي بن علي العْمارْتي اللُّوهْ في الحركة الخطابية المجيدة. داعماً لها بالتّعبئة في صفوف القبائل، ووسيطاً نزيهاً بين قادة القبائل الجبلية مهمّتهُ ضَمُّهُم إلى حركة ابن عبد الكريم الوحدوية لتقوية الجبهة ضدّ الأعداء، ومُقاوِماً حاملاً للسلاح في مواجهات ميدانية ضدّ الإسبان في الرّيف.

حفظ القرآن بالكُتّاب وترقّى في مدارِج تلقِّي العلوم والمعارف الدينية. وسَعَى لتَوسيع مُدْركَاته ورصيده في الفقه والشَّريعة، فانتقَل إلى قُرى جبل الحبيب مِن تَوابِع طنجة الكبرى، ووادراس مِن توابع تطوان المحروسة، آخِذًا مِن أفواه عُلمائها وسَادتها. فَتَمَيَّز بحفْظ المتون وإتقان علوم اللّغة العربية وعلم الفرائض؛ مما حفّزَهُ لمواصلة الدِّراسَة بجامع القرويين العريق. غَيْرَ أنَّ ظُروف الثّـورة الـريفية المحاصَرة مِن طَرَف جيوش الاستعمارَيْن الفَرنسي والإسباني والتَّطويق الذي سادَ المنطَقة؛ حَرَمَ الطَّالبَ الـمُجِدّ مِن مُتَابَعة طَريقه صَوْب القَرويِّين لأخذ العلم على يد علمائها الأفذاذ.

الرحلة في طلب العلم

شَغَفُه بالعلم جَعَلَهُ يَـتَحَدَّى العَوائق الجغرافية وظُروف الحرب الريفية – الجبلية؛ فاتَّــخَذَ لنَفْسِه مَساراً جديداً، فيه مِن الشّجاعة وتَحَمُّل الضَّنَك وتَعب التّجول في الأقطار فِراراً مِن رَقابة شُرطة الاحتلال ما يُذكِّرنا بِكفاح أقطابِ العلم مِن سادتنا السَّلف في المغرب والمشرق.

وَلَّى العربي اللُّوه وَجْهَه شَطْرَ تونس العَاصمة، عابِراً عبْر الجزائر إلى جامع الزيتونة[1] العريق، حيث استقرَّ به المقام مِن 1923 إلى غاية 1929. حَصَّل فيها زاداً جليلاً مِن علوم الدِّين والأدب والعربية والتّاريخ والـمنطق والحساب. وحازَ شَرف الدِّراسة والإجازة على أيْدي فُضلاء الزّيْـتونة وعلمائها الـمبرَّزين أمثال فضيلة العلّامة الطّاهر بن عاشور[2] (تــ 1973)، والفقيه محمد الصّادق النّـيفر(تـــ1938)، والشيخ محمد الشّاذلي الجزيري رحمه الله. وفي عُلوم الحديث والرّواية؛ نَال الإجازة عن شَيخيه البشير النّيفر (تــ 1974) وبلحسن النّجار. وكان في مُقامه ذاك؛ عاكفاً على الاستزادة مِن العلوم، حاضِراً دروس الوعظ والإرشاد برحاب جامع الزيتونة الأفخم، مُزكّيا نفسه بالأوراد والأذكار.

هذا الرّصيد الكبير مِن العلم بَلَغَ به مَرَامَات عُليا فَورَ عَودته إلى الريف؛ حيث تَصدَّر للإفتاء، جَاعلا الشّريعة في خِدمة نَوازل عَصره وقضايا مجتمعه.

العربي اللوه.. المهمات والمسؤوليات

ما إنْ حلَّت سنوات 1931 – 1932 – 1935 حتى انتقلَ من مَجْدٍ إلى مجدٍ، يَعْلو به علمه وتَــزْكُو بِه مَكانته وتَسبقه سُمعته. فـَــــوُلِّيَ القضاء بِقبيلة بني يدر الجبلية، ومَهمّة نائب مدير الأحباس في النّاظور، ثم مُستشاراً شَرعيا بِنيابة الأمور الوطنية بمدينة تطوان، فـكاتِباً عامًا للصَّدر الأعظم الراحل محمد الـغنمية[3]، ورئيساً لمكتب المحكمة العُليا للعَدْلية الـمخزنية بعاصمة المنطقة الخليفية؛ تطوان.

كان القَدر سَخيا مع هذا الرجل العالِم العامِل الـمُجِد. فبَعد تلك التّجارب المهنية والعلمية الهامة في مسيرته؛ دَشَّن عهداً جديداً مِن المسؤوليات التي رَفعه إليها عِلمه وذكاؤه، ذلكَ أنَّه وُلِّيَ الكتابة العامة لحكومة المنطقة الخليفية. ثمّ وزيراً للأحباس بمنطقة شمال المغرب بدءً مِن 28 دجنبر 1952.

مِن مَنْصِبه هذا؛ سيَعمَل سَنةً بَعْد ذلك، أيْ في 1953، سَنة نَفي السُّلطان؛ على جمْعِ كلمة الـمَلَأ المخزني والسياسي في تطوان على دعم السّلطان المنفي ورَفض البـيعة لابن عَرَفة الـمُنَصَّب مِن قِبَل الإقامة العامة الفرنسية. وأَقْنَع وزراء حكومة خليفة[4] السلطان وكبار أعيان مدينة تطوان ونواحيها، وقُضاتها وفُقهاءها وكِبار تُجّارِها بفكرة توقيعِ ورَفْعِ عَريضةٍ إلى المندوب السّامي الإسباني غارسيا فالينيو للتّشنيع بِسُلُوك فرنسا وموقِفها العدائي ضدّ العرش العلوي، وذاك ما كان.

تَوَّجَ مَساره السّياسي غَداة استرجاع المغرب استِقلاله؛ بخوض تجربة الانتخابات التشريعية التي حازَ على إثْرِ نجاحه فيها عُضويةَ البرلمان المغربي سنة 1963.

هذه الانشغالات السياسية والمخزنية والعدْلية؛ لم تَـحُلْ دُونَ ممارسَتِـه لأعَزّ الوظائف وأحبّها إليه وإلى روح كل عالِمٍ؛ التّدريس والتّثقيف وتعليم الناس. فنراه مُدرِّساً بالمعهد الديني في تطوان انطلاقاً مِن سنة 1935، وعَشر سنواتٍ بَعد ذلك أستاذاً بالمعهد العالي الدّيني، ثم أستاذاً مُبَــرَّزاً بكلية أصول الدين[5] العريقة بمدينة تطوان.

الإنتاج العلمي

هذا المسار الذي تَقَاطع فيه العِلمي بالوظيفي بالسياسي؛ اسْتَكْمَل حَلقاته بشُروع الرّجل في الكتابة والتأليف في سِنٍّ متأخّرة، فَجاءَ بما لَم تَسْتَطِعْه الأوائل -بتعبير أبي العلاء الـمَعَرِّي-، مُـخَلِّفاً أربعةَ كُتبٍ صَدرت كلها في تطوان، في سنواتٍ متواليات بين 1970 و1982، تَوَزَّعت على ميادين علمية متنوعة، كالفقه والتّاريخ والمنطق والسيرة الذاتية، وهي: “الرّائد في علم العقائد”، و“أصول الفقه[6]، و“المنطق التّـجريبي”، و“المنهال في كفاح أبطال الشَّمال[7]، التي أعادَ فيها رَبْطَ حياته وهو على عتبات الشيخوخة بشبابه الـمُتَوقِّد وهو يُكافح مَعية مجموعةٍ مِن الفدائيين والمناضلين مطالِع القرن العشرين ضدّ أعتى الجيوش الغازية في شمال المملكة المغربية.

ونَظـرًا لما عُرِف عنه مِن عِلم وخُلق وسُمعةٍ؛ كانت تجمع الرجل صِلات وعلاقات مع الوطنيين والعلماء والدّعاة في تطوان وغيرها. كما جَمَعَتُه لقاءاتُ مَوَدَّةٍ ومَعرفة مَع بَعض الرواد مِن الحركة الوطنية وعلمائها[8]، منهم؛ الأستاذ محمد المختار السوسي وأخيه السيد الفقيه إبراهيم الإلغي -الذي كان متزوِّجاً بالأديبة آمنة اللوه ابنة أخ السيد العربي اللوه- والتهامي الوزّاني وسعيد أعراب ومحمد مزيان وغيرهم.

وفاته

وافتِ المنية عالِم المغرب وقاضي الشّمال وأبْرَز عناصر النخبة الوطنية والسياسية يوم 12 ذي القعدة سنة 1408هـ/1988م، بعدَ مسيرةٍ حافلة بالعطاء والتعَلق بالعلم، تحصيلاً وتوصيلاً. ووري الثرى بمقبرة سيدي المنظري بمدينة تطوان، وشيّعه جَـمٌّ من العلماء والقضاء والفقهاء وطلبة العلم.

المراجع
[1] انظر: وكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، تونس. https://www.patrimoinedetunisie.com.tn/ar

[2] انظر: (ابن عاشور) الطاهر:"أصول العلم الاجتماعي في الإسلام"، الشركة التونسية للتوزيع، تونس، الطبعة الثانية، 1985.

[3] (العبدلاوي) أحمد:"مؤسسة الخليفة السلطاني في شمال المغرب 1912-1956؛ الثابت والمتحوِّل"، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الطبعة الأولى 2020، ص: 76.

[4] "مؤسسة الخليفة السلطاني"، مرجع سابق.

[5] "كلية أصول الدين وحوار الحضارات"، جامعة عبد المالك السعدي، تطوان. https://www.fod.ac.ma/.

[6] (اللوه) العربي: "أصول الفقه"، منشورات ديسبريس، تطوان، طبعة بدون تاريخ، أنهاه صاحبه بتاريخ 1 يونيو 1970.

[7] (اللوه) العربي: "المِنهال في كفاح أبطال الشمال"، مطابع الشويخ، تطوان، طبعة 1982.

[8]/انظر: (السلمي) محمد بن الحاج الفاطمي: "إسعاف الإخوان الراغبين بتراجم ثلة من علماء المغرب المعاصرين"، الطبعة الأولى 1992، توجد نسخة منه بمكتبة جمعية تطاون أسمير بمدينة تطوان.