المعنى اللغوي لكلمة “إكيليز”

إكيليز   Igiliz، (كيليز) كلمة أمازيغية غير معروفة المعنى لغويا. ويكتب على صيغ لغوية: إيكيليز، أو إكيليز ، أو إيكليز، وحتى إيجيلي، أو إيكيلي كما عند البيذق في أخبار المهدي عندما قال “…ومنها نحو إيكيلي متاع هرغة فنزل داره، وذلك في عام أربعة عشر وخمسمئة فبقي أياما يسيرة بداخل الغار”[1]. وأورده المختار السوسي بصيغة إيكلي في كتابه خلال جزولة[2]، وهو ما أوقعه في الخلط بين إيكلي وإكيليز  وهما مكانين مختلفين، وهما موجودان باسميهما في أرغن (هرغة) كما ذكر  علي صدقي أزايكو[3].

ورغم الغموض الذي يلف المعنى اللغوي لكلمة إكيليز فإن المادة المعجمية “كُلْز” تحتوي على معان تقترب كثيرا مما يمكن أن يكون هو المعنى الحقيقي ل كلمة إكيليز. ومن بين تلك المعاني: الشيء المتروك أو المنعزل، كما تدل على البقايا أو الزوائد، و أيضا على مخلفات أي شي نصف محروق. كما أن كلمة إكيليز (جمعها إكلزان) أو إكلكيز (جمعها إكلكيزن) تطلق على للدلالة على الحشرة السوداء المعروفة باسم “الجُعل”[4].

ويقع الموقع على جبل إكيليز المشرف على أسيف ن وارغن (وادي أرغن) على ارتفاع 1350متر، ويقع بتراب جماعة توكمرت القروية، بالقرب من دوار تيفيكيت. وينتمي الجبل إلى سلسلة جبال الأطلس الصغير بإقليم تارودانت، ويبعد عن مدينة تارودانت ب 60 كلم في اتجاه الشرق.

كما أن هناك أماكن ومواقع أخرى تحمل نفس الإسم في مناطق أخرى من المغرب، وخصوصا الجبل الواقع في منطقة بشمال غرب مدينة مراكش وسط سهل الحوز، هو المكان الذي كان المصدر الأساسي لأحجار البناء التي استعملت في بناء القصر  الأميري؛ قصر الحجر بمراكش، كما أعطي أسمه لأول حي عصري بمدينة مراكش (كيليز). وقد كان هذا الجبل أيضا مكان خلوة عدد من الأولياء أمثال محمد بن تميم الزناتي وأبي العباس السبتي…[5].

إكيليز: العاصمة الأولى (العابرة) للحركة الموحدية

لقد أكتسب موقع إكيليز شهرته التاريخية لارتباطه بزعيم الحركة الموحدية المهدي بن تومرت والدولة الموحدية باعتبارها أكبر وأقوى إمبراطورية في المغرب والغرب الإسلامي خلال الفترة الوسيطية. وفيه كان يختلي للتأمل والتعبد، قبل انتقاله إلى تينمل بوادي نفيس. وقد سمى البيذق (أبو بكر الصنهاجي) الموقع ب “إكيليز متاع هرغة”، وقد ذكره لما قال: “لما دخل (الإمام المهدي) الغار معتكفا فيه بإكيليز برباط هرغة”[6]. ويقع الموقع على جبل ب”أرغن” أو  هرغة سوس. وفي إكيليز تلقى المهدي ين تومرت البيعة الأولى من أتباعه، قبل أن يبايع بيعة كبرى لما انتقل واستقر بتينمل[7]، أي أن إكيليز كان العاصمة الأولى للحركة الموحدية قبل بناء تينمل. كما تذكر بعض المصادر  التاريخية أن إكيليز  ن وارغن هو مسقط رأس المهدي بن تومرت، ومنها انطلقت رحلته سنة 500ه/1106-1107م إلى المشرق قصد الدراسة والتي استغرقت عقدا ونصف، وذلك قبل أن يعود لنفس المنطقة سنة 515ه/1121-1122م، متخذا إكيليز مركزا للتربية على التعاليم  التي سطرها.

يشار أيضا إلى أن أرغن، أو هرغة في شكلها المعرب وكما توردها عدد من المصادر التاريخية، هو إسم لمجموعة بشرية، تقع مواطنها حاليا بمنطقة جنوب جماعة تافنكولت وشرق مدينة تارودانت، وقد نالت شهرة كبيرة في التاريخ لأن محمد بن تومرت (تسمى بالمهدي سنة 1120م/514ه)، مؤسس الدول الموحدية ( 1147م- 1269م) كان منهم، لأنهم كانوا أول من استجاب لدعوته وناصروه، ولما انتقل إلى تينمل في منطقة وادي نفيس، استقرت معه فيها مجموعة منهم، واحتفظت بنفس الإسم، وتعرف في المصادر التاريخية بأرغن (هرغة) نفيس، تمييزا لها عن هرغة سوس المذكورة. وبزوال الدولة الموحدية توارى إسم هرغة سوس بشكل كبير على مسرح الأحداث التاريخية[8].

خصائص ووظائف موقع إكيليز

حسب المصادر التاريخية، يوصف موقع إكيليز بأنه جبل ومكان وعر، مما يعطي للجبل مظهرا يبعث على الرهبة لأنه مكان وعر وتوجد به قلعة، أي أن الموقع كان محصنا طبيعيا، وقد تعرض مرتين، لهجمات كتائب عسكرية أرسلها الأمير المرابطي علي بن يوسف سنة 1122م ثم سنة 1123م[9]

وقد كان لموقع إكيليز وظائف عدة باعتباره مسقط رأس المهدي بن تومرت وموطن قبيلته هرغة، وباعتباره منطلقا للدعوة التومرتية. فقد كان الموقع مكان تحصن قبيلة هرغة، وموقع تحصن المهدي بن تومرت وشيعته. كما أصبح يتمتع بمكانة دينية كبيرة بعد تفشي الدعوة الموحدية، وتحوله إلى مقر للرابطة التي أسسها المهدي، ومقر الغار “المقدس” الذي كان يختلي فيه، وكذا المسجد الذي بناه. فضلا عن هذا فالموقع ارتبط بأداء طقوس التزهد منذ الفترة الموحدية الأولى قبل أن يتحول إلى قبلة للحج[10]. فالموقع، بالنظر إلى القدسية التي اكتسبها في أعين شيعة بن تومرت، شهد إعلان مهدوية محمد بن تومرت. لذلك فالتسمية الأصلية والرسمية للموقع في تلك الفترة هي: “إكيليز، رباط هرغة”[11].

إكيليز بعد الإنتقال إلى تينمل

لقد كان إذن للموقع أهمية قصوى في مسار الدعوة التومرتية والحركة الموحدية قبل أن الإنتقال إلى تينمل، إلا أنه ما لبث أن همش لصالح العاصمة الجديدة للدعوة الموحدية تينمل. وبعد وفاة  ابن تومرت اتخذ الموحدون الغار الذي كان يختلي فيه “الإمام المهدي” والمسجد المعظم الذي بدواره، مزارا تشد إليه رحال الخلفاء، خصوصا خلال فترتي خلافة عبد المومن بن علي وابنه أبو يعقوب يوسف[12]. ويبدو أن الموقع بقي حتى القرن 18م وهذا ما ذكره مؤلف “رحلة الوافد” عبد الله بن إبراهيم التسافتي[13].

إعادة إكتشاف وتوطين موقع إكيليز

وبعدما طواه النسيان عرف الموقع منذ عشرينيات القرن 20م محاولات من أجل توطينه. واعتمادا على تلك المحاولات تمكن الأستاذ عبد الله فلي (كلية الآداب بالجديدة) رفقة الأستاذ أحمد الطاهري (المعهد الوطني لعلوم اللآثار والتراث)  وجان بيير فان ستيفيل (جامعة السوربون بباريس)  من توطينه نهائيا بأسيف ن وارغن (وادي أرغن) سنة 2004 عبر تنظيم برنامج استكشاف أركيولوجي مغربي فرنسي: “جبل إيكيليز وبلاد أرغن”، اعتمادا على المصادر التاريخية والخرائطية، وعلى عناصر الطبونيميا المحلية، وكذا الثقافة الشفوية[14]. ومازالت تلك الأعمال الإستكشافية وكذا الترميمية متواصلة إلى حدود اليوم، بحيث تم الكشف عن مكونات الجزء الأكبر من الموقع والتي تعود إلى القرن 12م (الفترة الوسيطية). وتتمركز أساسا في قمة الجبل، وتتكون من القصبة المحمية بنظام دفاعي يشمل سورا مزدوجا والذي تخترقه ثلاثة أبواب، كما نجد المسجد الكبير أسفل القصبة، وأماكن للعبادة كالمغارات، إضافة  إلى المساكن[15].

المراجع
[1] البيذق (أبو بكر بن علي الصنهاجي)، أخبار المهدي بن تومرت وبداية دول الموحدين، تحقيق عبد الوهاب بن منصور، دار المنصور للطباعة والنشر، الرباط، 1971، ص 32-33.
[2] السوسي محمد المختار، خلال جزولة، ج 3، ص 163.
[3] أزايكو علي صدقي، نماذج من أسماء الأعلام الجغرافية والبشرية المغربية، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، سلسلة الدراسات وألأطروحات-رقم1-، الرباط، 2004، ص 26.
[4] أزايكو علي صدقي، نماذج من أسماء الأعلام الجغرافية والبشرية المغربية، مرجع سابق، ص 25.
[5] أزايكو علي صدقي، نماذج من أسماء الأعلام الجغرافية والبشرية المغربية، مرجع سابق، ص 26-27.
[6] البيذق (أبو بكر بن علي الصنهاجي)، أخبار المهدي بن تومرت وبداية دول الموحدين، مرجع سابق، ص 32.
[7] أزايكو علي صدقي، نماذج من أسماء الأعلام الجغرافية والبشرية المغربية، مرجع سابق، ص 26.
[8] أزايكو علي صدقي، نماذج من أسماء الأعلام الجغرافية والبشرية المغربية، مرجع سابق، ص 72-73.
[9] حفريات جديدة حول أصول الإمبراطوري الموحدية بالمغرب، فلي عبد الله- أحمد الطاهري - جان بيير فان ستيفيل، ضمن: مقاربات وتقاطعات المجال والتاريخ، ج1، تنسيق رشيد السلامي، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنساني مراكش، 2020، ص 235.
[10] عبد الله فلي وجان بيير فان ستيفيل، برنامج قرى وحصون سوس ومنطقة ايغرم (الأطلس الصغير الشرقي)، ضمن التراث الثقافي المادي بجهة سوس ماسة درعة، تنسيق محمد أيت حمزة والوافي النوحي، منشورات المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، ط2، 2020، ص 48.
[11] حفريات جديدة حول أصول الإمبراطوري الموحدية بالمغرب، فلي عبد الله- أحمد الطاهري - جان بيير فان ستيفيل، مرجع سابق، ص 237.
[12] عبد الله فلي وجان بيير فان ستيفيل، برنامج قرى وحصون سوس ومنطقة ايغرم (الأطلس الصغير الشرقي)، مرجع سابق، ص 48.
[13] أزايكو علي صدقي، نماذج من أسماء الأعلام الجغرافية والبشرية المغربية، مرجع سابق، ص 26.
[14] عبد الله فلي وجان بيير فان ستيفيل، برنامج قرى وحصون سوس ومنطقة ايغرم (الأطلس الصغير الشرقي)، مرجع سابق، ص 48-49.
[15] حفريات جديدة حول أصول الإمبراطوري الموحدية بالمغرب، فلي عبد الله- أحمد الطاهري - جان بيير فان ستيفيل، مرجع سابق، ص 243-249.