توطئة

إن الكاتب والمؤرخ محمد فتْحة شخصية أكاديمية وقامةٌ بحثية أَسْهَمَتْ فِي كِتَابَةِ تَارِيخِ المَغْرِبِ، وَأَغْنَتِ المَكْتَبَةَ الوَطَنِيَّةَ بِأَبْحَاثٍ ودراسات رَصِينَةٍ. تميّز مسارهُ العلمي بِغِنى الإنتاج وتنوع الاهتمامات، حيث اشتغلَ على قضايا المجتمع والفقه والعمران والـمُدُن، وساهم في قراءة التاريخ قراءة تحليلية عميقة. فهو نموذجٌ للباحث الذي جمَع بين التأصيل والتحقيق، والتأليف الفردي والعمل الجماعي، وبين التدريس الجامعي والإسهام في الندوات والمجلات المحكمة، في حضور حيويٍ متكرر يدل على انخراط دائمٍ في النقاش الأكاديمي وفي تطوير البحث التاريخي.

أمكنة ثابتة وأزمنة متحركة

عرف الأستاذ محمد فتحة تنقلات مَا بَيْنَ سلا والرباط وَبُورْضو (Bordeaux) والدار البيضاء وأبو ظبي وَتَافضنَة؛ كُلُّ مَكان أَضَافَ إِلَى مَسَارِهِ صَفْحَةً، وَإِلَى الذاكِرَة مَعْنًى.

رَأَى النُّورَ فِي مدينة سلا،حَاضِرَةِ العِلْمِ وَالصُّلَحَاءِ الَّتِي أَنْجَبَتْ عَبْرَ تَارِيخِهَا عَدَدًا مِنَ العُلَمَاءِ وَالمُفَكِّرِينَ (الناصري، الدكالي، ابن خضراء، محمد زنيبر، محمد حجي)، وَهُمْ مِنْ أَبْرَزِ المُؤَرِّخِين الَّذِينَ أَسْهَمُوا فِي خدمة تاريخ المغرب.

بِدَايَاتُ التَّكْوِينِ وَحُبُّ الاكْتِشَافِ

تَلَقَّى ذ. محمد فتحة تَكْوِينَهُ الأَوَّل بمَدَارِسِ باب فاس وباب سبتة بسلا، وكانت مَعَالِمُ مَدِينَتِه تسائلُهُ وَتَسْتَفِزُّ فِيه رُوحَ الاكْتِشَافِ، فبادَلها بأنْ اسْتَنْطَقَ الأسوار والأَبْوَاب وَالأَبْرَاجَ وَالسَّابَاطَاتِ والزوايا والقباب والنُّقُوشَ الخَطِّيَّةَ،باحِثًا عَنْ أسْرَارِهَا التَّارِيخِيَّةِ.

عَلَّمَهُ وَالِدُهُ رحمه الله، وَهُوَ مدرب فريق النجاح السلاوي، أن العَقْلَ السليم فِي الجِسْمِ السليم، فَكانَ يَعْبُرُ إِلَى الضِّفَّةِ اليُمنى لِأَبِي رَقْرَاقٍ دُونَ كَلَلٍ،ليُتَابِعَ دِرَاسَتَه بثانوية الحَسَنِ الثَّانِي. ثُمَّ التَحَق بِـشُعْبَةِ التَّارِيخِ وَالجُغْرَافِيَا بكُلِّيَّةِ الآدَابِ وَالعُلُومِ الإِنْسَانِيَّةِ بالرباط. واخْتَارَ طَرِيقَ البَحْثِ فِي التَّارِيخِ، واهْتَمَ مُبَكِّرًا بمسقط رأسه، حَيْثُ خَصَّص لسلا بحْثَ الإِجَازَةِ  تحت إِشْرَافِ الأُسْتَاذِ المَرْحُومِ محمد زنيبر.[1] وتفطن من البِدَايَةِ لأَهَمِّيَّةِ النُّصُوصِ وَعَرَفَ أَنَّ التَّنْقِيبَ فِي سطور القِرْطَاسِ يُتِيحُ بِنَاءَ معْرِفَةٍ رَاسِخَةٍ، وَأَنَّ كِتَابَةَ التَّارِيخِ تَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ وَوَلَعٍ وَرُوحِ تَحَدي  .

مِن الحُلْمِ الأَولِ إِلَى البَحْثِ الأَكَادِيمِي

شَكَّلَ شَغَف الأستاذُ محمد طَرِيقَهُ نَحْوَ أَحْلَامِه مُنْذُ الصِّغَرِ، وَكَانَ وَلَعُه بِالطَّائِرَاتِ دَلِيله إِلَى أَوَّلِى خُطُوَاتِه فِي هَذَا الطَّرِيقِ. ففِي يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، قَادَه ذَلِكَ الشَّغَفُ إِلَى مَطَارِ سلا العَسْكَرِيِّ، حَيْثُ قَصَدْه مشيا عَلَى الأَقْدَامِ، قَاطِعًا مَسَافَات طويلة دُونَ طَعَامٍ، فَاتجهَ إلى معرض الطائرات المنظم هناك لِيَصْعَدَ ويَكتشف مبهورا أَوَّلَ طَائِرَةٍ فِي حَيَاته. لَحْظَةٌ قَدْ تَبْدُو صَغِيرَةً فِي ظَاهِرِهَا، وَلَكِنَّهَا كَانَت فِي حَقِيقَتِهَا بِدَايَةَ حُلْمٍ كَبِيرٍ، وَبذرة قِصَّةِ شَغَفٍ لا يَخْبُو مَعَ الزَّمَنِ. ومنذ ذلك الحين، سيعرف ويركب طائراتٍ كثيرة، لا كيافع مبهور فحسب، بل كمستكشفٍ لعوالم جديدة، تفتح أمامه آفاقًا واسعة.

حَصَلَ الباحث محمد فتْحة عَلَى الدُّكْتُورَاه الأولى بجَامِعَةِ بورضو 3 (Université Bordeaux 3) بفرنسا مَوْضُوعها “مساهمة فِي تَارِيخِ المَدِينَةِ المَغْرِبِيَّةِ خِلَالَ العَهْدَيْنِ المَرِينِيِّ وَالوطاسي”، وهو ما يعكس اهْتِمَامَهُ بِتَارِيخِ المدن وَالعُمْرَانِ والتَّارِيخِ الحضري. لتنطَلق إثْرَها رحلةُ الكتابةِ عن مدينة سلا وعمارتها، والإسهامِ في الدليل السياحي للمدينة، والكتابةِ عن الرباط وهمس تاريخها، جامعًا بين الصرامة الأكاديمية وحب المكان وروحه.

فَتَح الدكتور محمد فتحة نافذةً على العلاقات المغربية البرتغالية من خلال ترجمته لكتاب “دولة بني وطاس 1420-1554”[2] لأوغست كور (Auguste Cour)، وأيضا بدراساته حول الحضور البرتغالي بالمغرب. هٰكَذَا صَارَ الْمَكَانُ فِي أَبْحَاثِهِ لَيْسَ جُغْرَافِيَا فَقَطْ، بَلْ ذَاكِرَةً نَابِضَةً بِالْحَيَاةِ بَيْنَ الْأُسْتَاذِ وَالْبَاحِثِ وَالْمُؤَطِّرِ. يُتقن الأستاذ فتحة لغة الضاد ولغة موليير (الفرنسية) على حد السواء وَيملك أدواتِ التحليل العلمي ومهارات الفكر النقدي. وبسبب تكوينهِ الدائم؛ اقتحمَ تخصصات دقيقة وامتلك مضامينَ نصوص ليست بالسهلة، كالنوازل على سبيل المثال. “لقد كرّس الأستاذ محمد فتحة مساره العلمي لخدمة تاريخ المغرب والغرب الإسلامي، باحثًا مدققًا في قضايا المجتمع والفقه والعمران والذاكرة الحضرية. فجاءت أعماله شاهدةً على اجتهاده العلمي وحرصه على إعادة قراءة التاريخ قراءةً تحليليةً تستنطق النصوص وتربطها بسياقاتها الاجتماعية والسياسية”.

ومِن خلال مؤلفه المرجعي «النوازل الفقهية والمجتمع؛ أبحاث في تاريخ الغرب الإسلامي»[3]، فتحَ آفاقًا جديدة لفهم العلاقة بين الفقه والواقع المجتمعي خلال القرون الوسطى، مؤكّدًا أن التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث، بل تحليلٌ لبُنى المجتمع وتحولاته.كما تفوق في تحقيق النصوص التاريخية، وأعادَ إحياء مصادر مهمة، مثل تحقيقه لكتاب «قضية المهاجرين المسلمين الملقبينَ اليوم بالبلديين»، وهكذا شاركَ في صون الذاكرة الوثائقية المغربية. ولم يقتصر عطاؤهُ على التأليف الفردي، بل شاركَ في أعمال جماعية مرجعية كبرى، من بينها: كتاب “المرجع في تاريخ الأمة العربية”، و”تاريخ المغرب؛ تحيين وتركيب”[4]، و”المغرب الوسيط؛ إمبراطورية بين إفريقيا وإسبانيا”، فضلا عن مساهماته القيمة في “معلمة المغرب”، حيث حررَ مواد علمية دقيقة أسهمت في بناء مرجع وطني موسوعي للباحثين، مغاربةً ومشارقةً.

الأستاذ الإنسان

جَاءَ عَلَى أَلْسِنَةِ طَلَبَته أَنَّه مؤرخ متمرس وَمُؤَطِّرٌ حَازِمٌ لَا يقبل الرداءة ولا يستسيغها، يَزْرَعُ الثِّقَةَ وَيُوقِظُ الطُّمُوحَ و”يعلمنا منهجية البحث، ودِقة التوثيق، وأخلاقيات المؤرخ”.

لم يبخل الأستاذ محمد فتحة يومًا بالنصيحة والتوجيه، والحرص على مواكبة طلبته وتَشجيعهم على الاعتناء بالتكوينات المفيدة، والمشاركة في اللقاءات العلمية، ومناقشة الأفكار وتبادل الرؤى، بل العناية بالأحوال الخاصة لطلَبته أحيانا، فلَنْ أَنْسَى وَقْفَةَ الْأُسْتَاذِ مَعَ طَلَبَتِهِ تَضَامُنًا وَمُسَانَدَةً لِمُسَاعَدَةِ أَحَدِ الطَّلَبَةِ عِنْدَمَا أُصِيبَ بِمَرَضٍ مُزْمِنٍ.

الإدارة بروح الحكمة والمسؤولية

عندما تولّى محمد فتحة رئاسة شعبة التاريخ بكلية الآداب بالرباط فيما بين سنتي 2014-2019، نسّقَ بحنكة عالية، ودَبّر الشؤون البيداغوجية والبحثية بصبر ومرونة، فكانت أبواب مكتبيْهِ بالكلية والملحقة، مفتوحةً باستمرار كأنها رسالة صامتة بأنه حاضرٌ دائمًا لكل من يحتاج إليه. وكانَ يَعمل على رصّ الصفوف وتخفيف التوترات، بما يخدم مصلحة الشعبة. حتى أصبحت الاجتماعات في الشعبة تمرّ بسلاسةٍ وسلام. وكان لقدرته على الإنصات، وحكمته في التعامل، وحرصه الدائم على جمْع الكلمة وتوحيد الجهود؛ أثرًا طيبًا وبصمةً واضحة في نفوس كل من عمل بجانبه. فكانَ دائمًا مثالًا للإنسان الذي يَـجمع ولا يُفرّق، ويُحسن تدبير اللّقاءات الموسومة بروح الإخاء والصداقة.

وفاء للأسرة وشعُورٌ أبوي متدفق

لقد ظل السيد محمد مُنْغَمِسًا فِي إِلْقَاءِ الْمُحاضَراتِ، وَالتَّنْقِيبِ فِي الْمَصادِرِ وَالنُّصوصِ الْوَسِيطَةِ خِلَالَ مُقامِه بِأَبوظَبِي، فِي دَوْلَةِ الْإِماراتِ الْعَرَبِيَّةِ الْمُتَّحِدَةِ؛ لَكِنَّ الْمَسافَةَ وَالِانْشِغالاتِ لَمْ تَمْنَعْه مِنْ إِغْداقِ الْحَنانِ وَالِاهْتِمامِ عَلَى أُسْرَتِه الصَّغِيرَةِ، ورعايةِ مَن وجَد فيها السَّنَدَ الْكَبِيرَ؛ رَفِيقَةِ دَرْبِه الرائعة حورية، أُم أمين وزكرياء.

مِن سواحل سلا إلى مرفإ تافضنة

لقد أَحَب ابْنُ الحاضرة الأطلسية البحرَ، واستَهوَتْهُ المراسي والمرافئ، إذ ظلَّ الحنين ينسج خيوط ارتباطه بالبحر وَكَان له معه حِوَارٌ صَامِت لَا يَنْتَهِي، يَجِدُ فِي زُرْقَةِ المُحِيطِ فَضَاءً لِلتَّأَمُّلِ وَمَلَاذًا لِاسْتِعَادَةِ الهُدُوءِ بَعْدَ صَخَبِ العَمَلِ، كَأَنَّ المَوْجَ يَغْسِلُ عَنِ الرُّوحِ تَعَبَ الأَيَّامِ.

وفي مرفإ تافضنة –جنوب الصويرة الذي جذبه منذ تسعينات القرن الماضي، تختلط في عيْنِ مؤرخِنا صَفْحَةُ البَحْرِ الزَّرْقَاءُ بِالأُفُقِ وتَتَلَاطَمُ صُوَرُ السُّفُنِ بتفاصيلها فِي مُخَيِّلَه (بُوكْرَاع، فْرِكَاطَة، جَالِيُوط، الطَرِيدَة، دَعُّومَة، بولاكر)، بحَّارَةٌ مَرُّوا مِنْ هُنَا… وَربان  قَادُوا السُّفُنَ (رياس، البَاشْ رْيَاس، اليكانجية، ادمانجية)، وفِي هُدُوءِ بَحْرِ تافْضنة تَتَشَكَّلُ أَعْمَقُ الْأَفْكَار لدى محمد فتْحةِ، كَأَنَّ الذَّاكِرَةَ بَحْرٌ آخَرُ تَتَلَاطَمُ فِيهِ المصطلحات والأَسْمَاءُ وَالصُّوَرُ، المكان حيثُ وفاؤه الدائم له، وانْشداده بلا كَلَل إليه.

المراجع
[1] انظر: مجموعة مؤلفين: "معلمة المغرب"، الجزء 14، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، مطابع سلا، 1989، ص: 4723، 4728.
[2] (كور) أغوست: "دولة بني وطاس"، ترجمة محمد فتحة، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، طبعة 2010.
[3] (فتحة) محمد: "النوازل الفقهية والمجتمع؛ أبحاث في تاريخ الغرب الإسلامي، من القرن السادس الهجري إلى القرن التاسع الهجري"، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، سلسلة الأطروحات والرسائل، طبعة 1999.
[4] انظر: "تاريخ المغرب تحيين وتركيب"، إشراف وتقديم محمد القبلي، منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب"، السحب الثاني، 2012.