توطئة

يَـرتَفعُ السيد علي بن راشد بأصْلِه إلى الأدارسة، ويرجِع بِنَسَبه إلى الأسرة العَلَمية الشفشاونية، فهو أحَد أحفاد القائم على السكينة الروحية للبلاد المغربية؛ الشيخ عبد السلام بن مشيش العلمي[1]، من فخدة بني راشد التي استقرّت في شفشاون منذ اختطَّها المجاهِد الفقيه أبو محمد الحسن بن الجمعة، وكان منها العلماء والمجاهدون والقضاة والأمراء والوزراء الذين بَصمُوا تاريخ المغرب، وأثَّروا في مجريات الأحداث في شمال البلاد أساساً.

من حصن شفشاون إلى ثغور الأندلس

في قرية غاروزيم -وقِيلَ غاروزين- جنوب شفشاون سنة 1440 ميلادية، وفي مَراتعها كانت انطلاقته، طفلا، فيافعاً، وفي كتاتيب مدشر الخْزَانَة تلقّى تعليمه الأوّلي. وإنْ كنا نجهل تفاصيلَ مسار شبابه، إلا أنَّ مَراجعَ ومَصادِرَ أَرَّخَت للرجلِ زوّدتنا بمعطياتٍ عن مراحِل هامة من حياته، إلى أن استَوى أميراً مِن أشْهَر أمراء شرفاء بني راشد.

السيد علي بن موسى بن راشد الـعَلَمي الـحَسني، أحد النبّلاء الشُّبّان حسب تعبير الكاتب الإسباني مارمول كربخال[2] ابنُ بيئةٍ وسياقات عصيبة مرّ بها المغرب الأقصى وشطره الشمالي الغربي. وعاصَر مرحلة ظاهرة الكيانات السياسية الإقليمية التي تَوزّعت ربوعَ المغرب مُعوِّضةً ضُعف السلطة المركزية في فاس.

قضى الشريف علي بن راشد مدّةً من الزمن في قبيلة بني حسّان وبين ساكنيها الذين وصَفهم مارمول كاربخال بـأنهم “أكبَرُ المحارِبين في كلّ هته الجبال” و”رجالُ حربٍ أشدّاء”. إلا أنه ذاق ذَرْعا بسلوكهم التّحقيري للشرفاء، فانتقل إلى الأندلس، ونَزل في غرناطة مدةً ناهزت الخمس سنوات، وفيها تزوّج بالآنسة كاترينا فيرنانديز التي أسْلَمت وتَسَمَّت بــ”زهرة”[3] وأنجَب منها ابنته النّجيبة المجاهِدة السيدة الحرة[4]. و”بَعْد أنْ أدَّى خدماتٍ جُلّى لملك غرناطة ضدّ الـمسيحيين؛ عاد إلى بلاد البربر وقد أصبَح محارِبا محنَّكًا، فأقام بجبل شفشاون، حيث التَجأ إلى بعض أصحابه، وكَوّن هناك سِربا من الفُرسان قاوَم به البُرتغاليين على الحدود بشجاعةٍ كبيرة..”. وأعطت سلسلة الانتصارات على العدوّ، والسيرة الحسنة في تدبير المدينة، وشَرَفِية النَّسَب؛ دُفعة معنوية قوية للجندي المجاهِد، الذي سيُبايَع أميراً على شفشاون، وقائداً لإمارة بني راشد.

من تَشييدِ العُمران إلى بناءِ الإنسان

هنا ستظَهر أمارات القائد الـمُجِدّ المستوعِب لما عليه من مسؤوليات جسيمة وأمانة الدفاع عن حوزة البلاد، وسيندرِج في ذاكرة المنطقة والقبائل باعتباره الباني الثاني لحاضرة شفشاون حوالي سنة 1471م. وهي السَّنَة التي استولى فيها البرتغاليون على أصيلة وطنجة “وزَحَفوا إليها من سبتة في أُلوفٍ من العساكِر واستَولَوْا عليها، وبَقِـيَت في أيديهم أكثر من مائتين وخمس سنين” على ما ذَكَر المؤرخ أحمد الناصري في “الإستقصا”[5]. واتَّجهت أطماعهم الاستعمارية إلى قِـدِّيسة الجبل، شفشاون، فقام آل راشدٍ مَعية أميرهم المجاهد علي في التصدَّي للتحرشات العسكرية، حتى إنّ مَلِك فاس -أيْ السّلطان الوطّاسي- “عَزَّزَه ببعض الجنود من الفُرسان والـمُشاة، فحارب بهم القوم الذين استَعْبَدوا النبلاء -[أيْ الشرفاء]-، وبعد أنْ خَضَّدَ شَوْكَتهم؛ بُـــويِعَ أميراً لشفشاون، ثم استولى على جميع موارِد مَلِك فاس وثار عليه”[6].

لقد عاصَر الأمير عَلِيّ مرحلة خطيرة وعسيرة من حياة المسلمين والمغاربة في الغرب الإسلامي، وأحداثاً جِساماً أخَلَّت بالتوازن الجيوإستراتيجي الذي كان قائماً في المتوسِّط منذ قرون. وعلى رأس تلك الأحداث؛ سقوط الأندلس وآخِر معاقِلها غرناطةَ سنة 1492م، وتَمَدُّد القوى الإيبيرية في البحر الأبيض المتوسط، ونفوذ العثمانيين في الحوض الغربي للمتوسّط. وداخليا؛ احتلال مدينة سبتة في 21 غشت 1415م بقيادة ملك البرتغال جان الأول، والاستيلاء على أصيلة وطنجة، وانهيار الحكم المريني ومَقْتَل آخِر خلفائهم عبد الحق سنة 1465. فَقيام بني وطّاس وحروبهم الداخلية بين بني عمومتهم إلى غاية استقرار الأمر لهم سنة 1472. وغيرها من الأحداث التي أثَّرت عميقاً في نفسية الأمير، وعَزّزت لديه القابلية للتصدّي والدفاع عن الحاضرة الشفشاونية. ومَدِّ يَــدِ الـتّـعاون إلى القوى المناضِلة الـمجاهِدة، كآل المنظري في تطوان[7] وأتباع الأمير في أصيلة والنّواحي. وكان له دورٌ هامٌّ في تحفيزِ الإمارات المستقِلّة حتّى تَـبَارَت في جهاد العدوّ “وقِتاله، وأعمَلوا الخَيل والرِّجالَ في مُقارَعته ونزاله”[8] بتعبير الناصري.

وزادت هَـيْـبَة عَلِي بن راشِد بِفَضْل هجماته البارعة على سبتة وطنجة وأصيلا. تلك الهجمات التي كان يُقاتِل فيها جنبا إلى جنب مع الأمير المجاهِد المنظري، ويُساعده على تثبيت أقدامه في تطوان، ومعه لاجئي عرب الأندلس. وترقَّت تلك العلاقات النضالية لاحقا إلى علاقة مُصاهَرة متينة.

إنّ ” الأمير الجليل الفاضل الأصيل” -على حدّ وصْفِ الإمام محمد العربي بن يوسف الفهري في رائعته “مِرآةُ الـمَحاسِن”[9] – المدافع عن الحدود الشمالية لدار الإسلام وطَّدَ دعائم إمارة محفوظة الجوانب من غارات العدو، محفوفة النواحي بالحامية من جنود المجاهِدين، مرهوبة في النّطاق الممتد إلى طنجة وأحوازها. وأعطى للإمارة الراشدية نفوذاً قوياً بالمنطقة الشمالية الغربية للمغرب الأقصى، فــ”الغنائم كانت تَدخل شفشاون على يدِ وُلَاتِهَـا الأشراف من بني راشد، وكان لهم اعتناء بذلك كبير، ويُدخلونها في أُبَّهة عظيمة وزِيٍّ عظيـمٍ..”. و”استمر علي بن راشد أميرا على شفشاون وإقليمها مدة طويلة تُقَدَّر بنحو أربعين سنـة، إلا أنه بالرغم من طول هـذه المدة، فإنّ المصادر لا تحدِّثنا عنه إلا باختصار كبير”.[10]

ولعلَّ ترجماتٍ لنصوص إسبانية وبرتغالية وبَحْث في أرشيفات المغرب والدولتين اللتين سَعيتا لاحتلال ثغورنا المغربية، وتنقيبٍ في دَفين تراثنا الـمكتوب بمنطقة جْبالة وشفشاون من قِبل باحثين مُجيدين مُجتهدين؛ تَنْقُل إلينا معلوماتٍ أوفى وقصص أغْنَى عن سيرة هذا العَلَم الـمقاوِم الـهُمام.

قائد حائز للمشروعية الشعبية

هذه السّنوات الطِّوال مِن الحكم الممزوج بالكفاح والروح الوطنية والغيرة الإسلامية على الأرض والعِرض؛ مَردُّها إلى ثِقة الشَّـعب في قيادته، وإلى تميُّز ونبوغ هته النوعية من رجالات المغرب العِظام. فالشهادات الفردية والإنجازات الميدانية والمراسلات الرسمية والمصادر التاريخية؛ تَقودُنا لاستخلاص جملةٍ من القيم والمميِّزات وعناصر النّبوغ في شخصية الأمير ابن راشد الشفشاوني.

فالرجل كان موسوماً بالبسالة والشّجاعة والإقدام، وإن لم يَكُن رَجُل تَحبير وأقلام. عَرَف كيف يَستثمِر في الطاقات المتنوعة والمتطوِّعة من أبناء الجبال في الشمال و”أهل شفشاون رجال حَرب، سواء منهم الرّاجلون أو الفرسان، يَـتَبَاهَوْنَ بالشّجاعة”، بشهادة المؤرخ الجاسوس مارمول كربخال. وكان ذكياً في التّعامُل مع السياقات العامة والظّرفيات المحلية التي حَكمت المغرب في القرن الخامس عشر وبداية القرن السّادس عشر. كما عمِل على إشراك المكوِّن الأندلسي الذي وفَد على المدينة مُهجَّراً؛ في الحملات الجهادية وفي العناية بالمدينة وفي أعمال البناء والتَّرميم والزراعة، وألْهَبَ حماسَهم لاستعادة مجدِهِم وأندلسهم المفقودة، وأشركم في الاضطلاع بكافة المسؤوليات.

من ذكائه؛ اختطاطُه للمدينة في موقع دفاعي مُشْرِفٍ على منطقة ممتدّة مَدّ البصر، وإعطاؤه الأوامر ببناء أسوارها التاريخية وأبراجها وقصْبتها، وتنشيط مساجِدها لأداء مهام التأطير الديني والتحفيز على الجهاد.

ومن نبوغه ونَباهته؛ استمالَتُهُ الفقهاء وإعادة الاعتبار للشّرفاء العَلَمِيّين في الأوساط القروية والحضرية، وسياسته الحكيمة في تدبير علاقات الإمارة الراشدية مع الحكم الوطّاسي بفاس ومع آل المنظري بتطوان.

كان الأمير رجلا ذا قيمة كبيرة في المشهد السياسي والعسكري لمغرب القرن السادس عشر، وَطّد الصِّلات مع الجالية الغرناطية التي استقرّت بتطوان بعد النزوح من آخِر القلاع الأندلسية المجيدة. “وأحْرَزَ عِدّة انتصارات، سواء في البحر أو في البَر، بِرُفقة المنظري أمير تطوان وغيره من القُوّاد الأبطال”[11]، وأحصى له المؤرِّخون أزيدَ من 20 معركة ضدّ القوات الإيبيرية الغازية.

وساهمَت جُهوده في استمرارِ نفوذ الإمارة الراشديـة في المنطقة حوالي قرنٍ من الزمان من بعدِ وفاته سنة 1512م. إلى أنْ أنْهى وُجُودَها السّلطان عبد الله الغالب السّعدي، وأدْرَج شفشاون وباديتها تحت نفوذِ الدولة السعدية ابتداءً من سنة 1561 ميلادية.

إلى دار البقاء

توفيَ الأمير علي إلى رحمة الله الوَلِي، فأكْرَمه مُحبّوه ورعية إمارته ببناءِ ضريحٍ ما يزالُ إلى يومنا هذا مقصدا للزوار، وتُحْيى في رحابه ليالي المولد النبوي الشريف. وأكْرَمَته شفشاون جيلاً تلو جيل، بِـتخليد اسمه عناوينَ لأزقّتها وشوارعها ومدارِسِ أبناءها، وإنْ كان الرجل أكبَر وأعظَم من مُجرَّدِ شارِعٍ في مدينة مُجاهِدة.

المراجع
[1] انظر: (التليدي) عبد الله: "المُطرب بمشاهير أولياء المغرب"، منشورات دار الأمان، الرباط، الطبعة الرابعة، 2003.
[2] (كاربخال) مرمول: "إفريقيا"، الجزء 2، ترجمة محمد حجي، أحمد التوفيق، أحمد بن جلون، محمد زنيبر، محمد الأخضر، الجمعة المغربية للتأليف والترجمة والنشر، دار نشر المعرفة، الطبعة الثانية 1989، ص: 227
[3] Ricard, Robert. Etudes sur l’histoire portugais au Maroc, Coimbra 1955, P : 300
[4] انظر: (حكيم)، محمد بن عزوز: "الستّ الحرة بنت الأمير مولاي علي بن راشد حاكمة تطوان"، منشورات خزانة عبد الخالق الطريس، تطوان، مطبعة الساحل، رقم 2، زنقة إسطنبول، حي المحيط، شارع عبد الكريم الخطابي، الرباط، الطبعة الأولى 1983.
[5] (الناصري) أبو العباس أحمد بن خالد: "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى"، القسم الثاني، الجزء الرابع (الدولة المرينية)، تحقيق وتقديم جعفر الناصري ومحمد الناصري، دار الكتاب، الدار البيضاء، طبعة 1955، ص: 98
[6] "كربَخال.."، مرجع سابق، ص: 227.
[7] "الست الحرة.."، مرجع سابق، ص: 17.
[8] "الاستقصا.."، مرجع سابق، ص: 111.
[9] انظر: (الفاسي) محمد العربي: "مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن"، منشورات رابطة أبي المحاسن بن الجد، تحقيق ودراسة الدكتور محمد حمزة الكتاني، الطبعة الأولى 2002.
[10]انظر: عبد القادر العافية: "الحياة السياسية والاجتماعية والفكرية بشفشاون وأحوازها خلال القرن السادس عشر الميلادي"، منشورات وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، مطبعة فْضالة – المحمدية، الطبعة الأولى 1982.
[11] "إفريقيا"، مرجع سابق، ص:248.