المحتويات
توطئة
إذا كان حَدَثُ نفْي السلطان محمد الخامس قد جَسّد البداية الفعلية للانتقال مِن المقاومةِ السياسيةِ والنضالِ بالقَلَم إلى العمل المسلحِ الـمنظّم؛ فإنّ ميلاد وانطلاق عمليات جيش التحرير في شمال المغرب أساساً؛ في الناظور، أكنول، تازة، تطوان، ثم لاحِقا في الجنوب يُعتَبَر لحظةً مفصلية في تطوّر الوعي النِّضالي للوطنيين المغاربة ولِباقي فصائل المقاومة المسلَّحة التي عمِلت في السِّر ضِمن نِطاق أنوية العمل الفدائي في الدار البيضاء –مراكش–طنجة وغيرها، وتعبيراً كذلك عن الوحدة المغاربية التي رَبَطت الأشِقّاء المغاربيين في مساعيهم للتّحرير.
جيش التحرير بالجنوب (8 أبريل 1956-1 أبريل 1960)
لم تكن عمليات جيش التحرير المغربي لتنطلِق في مواعيدها ولا لتُحقِّق أهدافَها لولاَ دِقّة التنسيق بين القيادة والقواعِد، وإجادَة التعاطي مع ظرفيات ومتغيِّرات الوضْع الدّاخلي والخارجي، وتحُوّل مفهوم القوة في العلاقة بالـمُستعْمِر. ومن ناحية أخرى، فإنّ تلك العمليات قد تَطلَّبت تحضيرات على مُستوى الموارد البشرية (تكوين الضّباط والطلبة المقاومين – جَمْع المقاومين اللاجئين في المنطقتين الخليفية والصحراوية – استدعاء الجنود العاملين في صفوف القوات الفرنسية والإسبانية)، وعلى مُستوى السّلاح والتّموين والدّعم الخارجي والعلاقة مع الأحزاب السِّياسية المغربية والسلطان، وعلى مُستوى تنظيم المراكز الرئيسية للثَّـورة.
لعلَّ ما ميّزَ جيش التحرير بجنوب المملكة عن نظيره بالشّمال؛ انطلاق عملياته بعد عودة السلطان محمد الخامس بأربعة أشهر تقريبا، وبعد تأسيس القوات المسلّحة الملكية وما خلّفه الحدث من خلافات في صفوف مقاومي جيش التحرير المغربي، ولا سيما بالساقية الحمراء ووادي نون مما أورَده الشّاهد على الوقائع هناك المقاوم المرحوم محمد بن سعيد آيت يدّر في مرجعه القيّم “صَفَحات من ملحمة جيش التّحرير بالجنوب المغربي“[1]، وأيضا بعد تأسيس الأمن الوطني، حيثُ انضم عدد كبير مِن المقاومين وأعضاء جيش التحرير إليها.
إنّ تأسيس وانطلاق جيش التحرير في المناطق الصّحراوية لم تعترضه صعوباتُ البدء التي عاناها نظيره في شمال المغرب. فالمناطق الصّحراوية كانت ما تزال واقعة تحت أَسْر الاحتلال الإسباني، وبالتالي كانت متأهِّبة للجهاد. وقبائلها متحفِّزة لوضْع شبّانها رهْن إشارة قادة جيش التحرير. والقيادة تأمل في تعاوُن وتسهيل مأموريتها مِن قِبَل السلطات الإسبانية في مواجهة الجيوش الفرنسية على غِرار الموقف الذي وقَفَته إسبانيا مع الحركة الوطنية وجيش التحرير بالشمال بعد نفي السلطان. فَتَمَّ التجنيد على أسَاس قَبَلي، وتَـمّ تدبير المؤَن والمال والمساعدات. وعَزّز الملك محمد الخامس جهود جيش الجنوب بمجموعة مِن الباشوات والقياد الذين عَيّنهم في مواقع السّلطة في المناطق المجاورة لعمليات جيش تحرير الجنوب، كي يُؤمِّنوا ظهْرَ الجيش وخطُوطَ مواصلاته ويَضْمَنوا شؤونه الإدارية.
تلا ذلك؛ اتّـخاذُ مَقَرٍّ دائم لجيش التحرير في كلميم[2]، وانتخاب القيادة العسكرية واللّجان، وتقسيم الصّحراء إلى إحْدى وعشرينَ مقاطعة عسكرية. ثم الشُّروع في تَنفيذ العمليات الحربية يوم 23 نوفمبر 1957، مسبوقةً بمعارك صغرى في سيدي إفني والسّاقية الحمراء ووادي الذّهب وتندوف.
وحسب شهادة العقيد عمر غاندي القيادي السابق في جيش تحرير الجنوب؛ فقد تم تحويل مقر قيادة جيش التّحرير المغربي بالجنوب مِن إقليم أَقّا إلى مدينة كلميم نظرا للموقع الاستراتيجي لمدينة كلميم الواقعة على الطريق الرابطة بين أكادير والصّحراء المغربية. ولِـمَا كان لأبناءِ المنطقةِ مِن رغبة كبيرة في الالتحاق بصفوف جيش التحرير.
لم تَكن منطقة واد نون[3] مِن المقاطعات الحاضرة اسمًا وتقسيمًا لَدى القيادة العليا لجيش تحرير الجنوب، فقد تم الاقتصار على ثلاث جبهات كبرى: الجبهة الشرقية، الجبهة الغربية، وجبهة آيت باعمران. وفي مرحلة تالية؛ قَسَّمَت قيادةُ جيش التّحرير المجال الترابي لكلميم – وادي نون إلى سَبْع مقاطعات. فَـخَاضَ بها جيش التّحرير ما يناهز ثلاثينَ معركة وخَـمْس عمليات؛ أَدَّت في مجموعها وبما حَقَّقَتْهُ مِن انتصاراتٍ إلى قيام تحالف إسباني فرنسي مشترك ضد جيش تحرير الجنوب فيما عُرِفَ بعملية “الـمِكْنَسَة” التي أبانت عن الوجه المكشوف لاستمرار تآمر الاستعمار[4] وكيده بنا حتى بعد أن وقّع المغرب بروتوكولَيْ إنهاء الحماية عن فرنسا يوم 02 مارس 1956، وعن إسبانيا يوم 07 أبريل 1956.
واجهات عمل جيش التحرير في واد نون
يُـحسَب لجيش التّحرير في الجنوب المغربي إسهامه الكبير في الضّغط على المستعمِر للتّعجيل بإنهاء حالة الاستعمار المباشر لأقاليمنا الصّحراوية، شرقا وغربا وجنوبا. وتُعَدّ عملياته البطولية هناك مفخرة لتراث النِّضال والتّحرير الوطني. إلا أنّ ثمةَ جوانب مشرِقة أخرى في مسيرة جيش التحرير بواد نون ونواحيها، سياسية وتنظيمية وثقافية واجتماعية.
لَعلّ ما كُتِب ورُوِي مِن ذاكرة ساكنة الأقاليم الصّحراوية عن دَور عائلة ماء العينين، ولا سيما المقاوِم العبادلة بن الشيخ الأغضف[5] وأخوه لاراباس ماء العينين، عَمّا بَدَلاه مِن جهودٍ في كلميم والسمارة، وكلاهما -آنذاك- عضو مناضل ذو مكانة في جيش تحرير الجنوب المغربي.
فمِن واجهات العمل النّوعية التي باشرها الرجلان، ومِن خلْفِها مناضلو جيش التّحرير الصحراويين؛ مُساهَمتهما المباشِرة في تدبير وإنجاح المؤتمر الهام الذي تَرَأَّسَهُ وليّ العهد آنذاك الحسن الثاني، والمعروف بمؤتمر “بوخشـيبة” سنة 1958، والدَّور البارز للشيخ العبادلة في رأب الصّدع وتقريب وجهات النّظر بين قادة جيش تحرير الجنوب وأعضائه غَداة الإعلان عن حَلّ جيش التحرير وإلحاق أعضائِه بالقوات المسلّحة الـملكية.
ذَكَر المقاوم الراحل محمد بن سعيد آيت يدّر في كتابه السالف الذّكر أنَّ الـمؤتَمر الذي انعقد في الرباط يوم فاتح مارس 1959 لِتَدَارُسِ الوضع في الصّحراء وتَطَوُّر السياسة التحريرية في المغرب العربي؛ تحت الرئاسة الفعلية للأمير الحسن الثاني وقتئذٍ؛ قد اختار الـمؤتمِرون الأستاذ العبادلة بن الأغضف[6] نائباً لرئيس المؤتَمر، لمكانته وسابِقته النِّضالية وحنكته السياسية ونَزعته الـوحدوية.
من جِهَتها قامَت قيادة جيش التحرير بالجنوب فيما بين فبراير ودجنبر 1958 بجمْع التبرعات لمساعدة النّازحين صوبَ وادي درعة إثْر عملية “إيكوفيون”. وإمداد المقاومين الجرحى بالإسْعافات، وإعادة لَـمّ وترتيب البيت الدّاخلي للقيادة العليا. ومناقشة الأخطاء التي أَدَّت إلى تَـكـــبُّد جيش التحرير خسائر فادحة، والسّعْي لصيانة “وحدتهم وتعزيز تماسكهم، وتفويت الفرصة على أعداء وحدتهم الترابية”[7].
خاتمة
لقد شَكَّل جهاد جيش تحرير الجنوب تاريخا عسكريا فذّا في مسار تاريخ المغرب الراهن، وكان وما يزال بُؤرةً لقضايا ومواضيع وإشكالات تاريخية عديدة، ومَصْدَرًا ثَـرّاً للكتابة التاريخية وللمؤرِّخين ولذاكرة الكفاح والتحرير الوطني على وجْهٍ أعَمّ.
المراجع
[1] انظر: (آيت يدر) محمد بنسعيد: "صَفحات من ملحمة جيش التحرير بجنوب المغرب"، منشورات المواطَنة، الطبعة الأولى، 2001.[2] مجلة "الذاكرة الوطنية"، ملف خاص عن مرور 50 سنة على انطلاق عمليات جيش التحرير بالجنوب المغربي، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، ص: 152، سنة 2006.
[3] عن منطقة واد نون؛ انظر: (بوفراح) عمر و(أعدي) علي: "البحث التاريخي حول واد نون؛ الحصيلة والآفاق"، مجلة ليكسوس، العدد 38، طبعة أبريل 2021.
[4] (الفاسي) علال: "دفاعا عن وحدة البلاد"، مراجعة المختار باقة، منشورات مؤسسة علال الفاسي، الرباط، الطبعة 2، ماي 2009، ص:
[5] (بن صالح) عدنان: "النبوغ المغربي؛ استِكشافا واستِئنافا"، منشورات شركة جسور للخدمات الإعلامية والتوزيع، الرباط، الطبعة 1، 2024، ص: 286.
[6] انظر: "وقائع الحفل التكريمي للمجاهد المرحوم الشيخ العبادلة بن الشيخ محمد الأغضف بن الشيخ ماء العينين"، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الطبعة الأولى 2004.
[7] (آيت شعيب) عبد الله: "المغرب في مواجَهة مشاريع التجزئة ونزعات الانفصال"، طوب بريس، الرباط، طبعة فبراير 2012، ص: 08.