مقدمة

كانت أرض المغرب الأقصى بشمالها وجنوبها وصحرائها وأطْلسها منذ أحقابٍ متطاوَلةً مسرحاً لظهور شخصياتٍ فذّة، ورجال عُظماء، وبيئةً خِصبة أخْرَجت نباتاً نَفعَ بنبوغه وتميّزه، ولم يقتصر بروز أولئك الأفذاذ في واجهات الأبيض المتوسِّط أو حواضر الأطلنتي أو معاقِل الوسط كفاس ومراكش؛ بل ساهمت الأطراف أو المغرب العميق في بَثّ رجالٍ ونساءٍ كان لهم دور طلائعي أثَّر كثيراً في مُجرياتِ الأحداث التي صارَت تاريخاً داخل التاريخ الكبير للمغرب. ومِن زمرة النوابغ الذين سيملئون عَيْن البلاد وسَمعها، شَخصية شيخٍ مغمورٍ من أعماقِ درعة، جاء على قَدرٍ، لِـيُسهِم في ميلاد كِيانٍ سياسي جسَّد قمّة الدور الحضاري والريادي للدول الكبرى التي حَكمت المغرب (1510 – 1659).

يُرجع المؤرّخون والنّسابة أصْل السّعديين أو الزّيدانيين إلى الشُّرفاء الـحَسنيين _ من ذُرية الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم _ الذين وَفدوا إلى المغرب الأقصى من بَوابة تاكْمَدّارْتْ ناحية مدينة زاكورة الحالية، واستقروا هناك، إلى أنْ كان منهم الشيخ محمد بن محمد بن عبد الرحمن الذي سيَعتلي صهوة الشُّهرة لنَسَـبه الشريف ولعلمه الوفير ولرغبته الجامحة في حماية الثغور المغربية، وأساسا تلك التي احتلَّـتها القوات البرتغالية في بلاد سوس وحاحة وشياظمة.

الشريف الزيداني.. المنشأ والمسار

لقد “ظَهر في وادي درعة، وبالأخص في زاوية تاكْمَدّارت، شيخٌ له باعٌ طويل في العلم، وخبرة واسعة بشؤون الدين والدنيا، يُدعى محمد بن أحمد أو الشريف الـحَسَني، والذي يَزعُم أنه سليل النّبي محمد (..) في حِـين ذَهَب آخرون إلى أنه من أحفاد الشريف الذي اغتال بفاس آخِر ملوك بني مرين”[1]. لا تَذكر المصادر معطياتٍ وافية عن حياة هذا الرجل قبْل انطلاق دعوته، فكلّ ما نعلم عنه نشأتهُ وانصرامُ سنوات شبابه في منطقة درعة بتاكْمدّارت، التي زاول فيها مهمة مؤذّن في الزاوية العائلية المسمّاة بـ”زاوية الأشراف”، ومُعَلِّما للشباب والأطفال العلوم الشرعية والعربية. وحينَ عودته من الحج، اعتكف على تزكية نفسه، حتى عُرِف في أوساط القبائل والمشايخ بالصّلاح والخير والبركة.

“ويبدو أنَّ إقامته في الشّرق قد رَفعت من معنوياته وأمَدَّتْـه بأفكار جديدة ساعدته في الانخراط بقوة في النشاط الدِّيني-السياسي حال عودته إلى مسقط رأسه، حيث انطلق في حملة دعائية مكثّفة بين النخب والعامة على حد سواء، قام فيها بإعادة توظيف مفهوم النبوءات المتصلة بالمهدي [المنتظَر] المترسخة في جنوب المغرب، مُعطيا إياها مضمونا متفائلا”[2]، فكانت أفكاره ودعاواه موضِع قَبول وتَـفَهُّم صُلحاء وعامة المنطقة التي تَطَوَّعَت راضية لمساندة الشّريف السعدي، لأنّه _ وهو القاطن بالأطراف القصية للمغرب _ كان يَتناهى إليه ما آلَ إليه المغرب من تَهرُّؤ وضُعْفٍ وتسلُّطٍ خارِجي، ويُتابِع أوضاع منقطة سوس وشياظمة وحاحا بواسطة التجّار والفقهاء والطّلْبة الـمتعلِّمين في تلكم النواحي، فكانت له “أفكار سامية ومقاصِد خَفية” بتعبير مارمول كربخال، وتلاقت إرادته مع إرادات أشياخ الصوفية والصلحاء الذين كانوا عاجزين وحْدهم عن مواجهة التحدي الأيبيري والاقتتال الداخلي، فـ”صار شريفُ درعة يَنهجُ نهْجَ أسلافه الذين اكتَسبوا الشُّهرة والمجدَ وعَلا شأنهم بين الناس بما حَقَّقوه من مأثورات دينية، وبما ادَّعَوْهُ لأنفسهم من مجدٍ وشَرف، فكانت حروب البرتغال في المغرب، وعجْز الملوك فيه عن وضْع حَدٍّ لِـشَوْكَتِهم؛ مَدْعاةً ليقوم محمد بوضْع اللَّبِنات الأولى لإمبراطورية سيتمُّ إنجازها على يد أبناءه”[3].

مِن رحاب درعة إلى ساحة المعركة

تَولّى الشيخ محمد أمْر الشُّرفاء ومهمة الجهاد؛ ومُعظم الثُّغور المغربية واقعة تحت الاحتلال البرتغالي البغيض، من طنجة (1437) إلى آسفي (1508) والصويرة (1506) ومدينة غْصاصة (أبريل 1506) التي احتُلَّت جميعها سنتين فقط على قيام القائم بأمر الله بالدعوة السعدية (1510)، فيما كانت معاهَدة (سِينترا sintra) قد أَرْسَت بشكل نهائي المجالات الجغرافية الـمحتَلَّة من طرف الإسبان والأخرى المحتلَّة من طرف البرتغال. أما من النّاحية الدّاخلية؛ فقد كانت أوضاع البلد مَطلع القرن السادس عشر تعيش على إيقاع تعدُّد مراكز الاحتلال – صعوبة المواصلات – البعد عن مركز السلطة في فاس – تأثُّر الأوضاع الاقتصادية بالفتن والتّجزئة والاضطرابات – خمول النشاط الفلاحي والتجاري. ومن الناحية السياسية؛ ضُعف السّلطة الوطّاسية وعجْزُها عن صِيانة الأمن والدفاع عن البلاد – ظهور وحدات سياسية شِبه مُستقِلّة – شيوع البِدع والغش في المعاملات لا سيما في الأوساط القروية وفي البادية..، فَخاض الشيخُ الزيداني معاركَ ضارية ضدّ حلفاء النّصارى في الدّاخل، أيْ “الـمْـزْوَارِيِّـين” في منطقة درعة، إلى أنْ أخْضَعهم لنفوذه، وانتقل إلى تاغَزُوت وجَـمَعَ إليه قبائل الأمازيغ فــــ”بارَكوا مَسعاه وأجْمَعوا على بَيْعَتهِ لِـيَفْـتح أبصارهم على دينهم ولِـيَـحْمِيَ شؤونهم في دنياهم”[4]. ثم عادَ إلى تِـزْنِـيت واتّخَذَها عاصمة إقليمية وقاعدة عسكرية لحماية الإمارة الصاعدة، وبايعَهُ سكان تارودانت ونواحيها، وآسفي وأحوازها، وأعانوه على تأسيس جيش مِن الفرسان، وزوّدوه بالـمُؤَنِ والسلاح، بهدَفِ تحرير أهمّ ثَـغْـر بحري في سوس، مدينة أكادير. وفي غضون ثماني سنوات من تَوْلِيَتِهِ أمور الحركة السعدية (1510_1517) عَمِل على تكريس الشرعية الدينية والجهادية لحركة الأشراف، وتقديم القدوة في الدِّفاع عن حوزة الوطن.

إنَّ شَيخ الأشراف السَّعديين لن يتردّد في قَبول “دعوة مَن دعاه إلى الإمارة مِن رجال الصلاح وعامة الناس بالبلاد السوسية، وانتقل معهم إلى زاوية تِدْسِي قرب مدينة أولاد تايمة الحالية _ وهي غَير تِدسي الموطن الأصلي للأشراف السعديين بدرعة _ وبَايعه النّاس على جهاد النصارى. وبَعد أنْ استَتَبّ له الأمر؛ قام الأمير محمد إلى الجهاد في ثَغر سوس ومعه أهلُها”.[5]

رغم أنّ بدايةَ هذا الرجل لم تَكن تُنبْئ أنه “سيكون مؤسِّسَ مُلْكٍ عَريض. ورغم أنّ المعلومات حول هذه الشخصية الغامضة والطموحة” حسب تعبير الدكتور نبيل مُلين في كتابه “السلطان الشريف” إلا أنه سَيجد نفسه مرابطا، مجاهدا، ناشطا في الإصلاح الجزولي وقائدا للدّعوة السعدية الناشئة، وحاملا للقَب القائم بأمر الله _ وهو لقب “ذو نبرة مهدوية عالية”[6] في نظر المؤرّخ نبيل مُلين _ وما يَقتضيه من زعامةٍ للقبائل، سياسيا وعسكريا وروحيا.

نبوغه ونباهته وإسهامه في تأسيس الدولة السَّعدية

إنّ سيرة هذا الرجل الآتي من أطراف المغرب العميق، لَـــتُـفصِحُ عن نبوغ ونباهة وفطنة في التعاطي مع الأحداث وفي إدارتها وفي تحويل مَجرى التاريخ.

فمن نباهةِ الشيخ الزّيداني؛ إسباغه الشّرعية على مشروعه الديني والسّياسي باعتماد “منظومة مفاهيمية وعقائدية وقِيمية موجودة ومفهومة عند الخواص والعوام منذ عقود، أي التّصوف والشّريفية والمهدوية بَعد تَكييفها وتَـنميقها لتتلاءَم مع الظّروف المحلية”[7].

ومِن نبوغه العسكري؛ إحجامُه عن المغامرة بفتْح جَبهتين للمواجهة؛ ضدّ البرتغاليين وضد الوطاسيين، وتَدَرُّجُهُ في إحراز انتصاراته مُتَـتَبِّعا حَدسه وفطنته في قراءة المشهد السياسي والعسكري والاجتماعي بالبلاد، وتَلقِّي بيعة القبائل، وتنامي الأتباع، وكثْرة الموارد والمعدّات الحربية، وأرسى قاعدة عقائدية بجدوى ومصداقية كفاحه الجهادي ضد العدو.

ومِن فِطْـنته وذكائه؛ إيداعُه ولَدَيْهِ النَّجـيبين أحمد الأعرج ومحمد الشيخ بين يَدي أبرز علماء وصلحاء الطريقة الجزولية في الجنوب المغربي، وتتَبُّعه لنمط تعليمهما، وحرصه على إشراكهما منذ صغرهما في الشؤون العامة. وفي مرحلة تالية؛ وبالضبط سنة 1506 بَعث بهما إلى الحج ليتعرّفا على العالم الإسلامي وما يجري في المنطقة من أحداث سياسية واجتماعية.. وحين عودتهما، أرسلهما إلى فاس، للأخذ عن أكبر المراجع العلمية في البلاد، وللتعرف عن قُرب عن مصير أواخر عهد الوطاسيين، ولاكتساب الخبرات السّياسية في التواصل والتّعبئة لدعوة والدهما السيد محمد السّعدي.

إنّ الشيخ الداهية محمد بن عبد الرحمان الزّيداني وإنْ لم تُعَرف له أدوارٌ اجتماعية وعلمية أخرى؛ إلا أنَّ بَصْمَتَهُ الأكثر تأثيرا تجَلَّت في توطيده دعائم دولة ستتجاوز لأول مرة في تاريخ المغرب منطق العَصبية كأدلوجة في تحشيد النّاس وتأسيس الكيان السّياسي؛ إلى الشَرَفِـيـة والنّسب الشريف ونيل دعم الصلحاء وثقة الحركة الصوفية، وسيكون صانع أحداث جسام لها امتدادات في المسار العام للدولة السّعدية، ومِن أصلابه ستتعَزَّز الدولة السعدية بسلاطين أقوياء سيملئون سمع العالم وبصره لعقود طويلة، لعل أبْرَزهم؛ محمد الشيخ، وأحمد المنصور الذَّهبي وزَيْدان النّاصِر.

اتّخَذ الشريف السّعدي منطقة سوق الأحد على بُعد بضعة كيلومترات من حِصن الصّويرة مُستقَراً له لسنوات، وذلكَ بدعوةٍ وإلحاحٍ من شيوخ منطقة شياظمة، كما نَقَل الباحث عبد الكريم كرِيِّم عن المصادِر الأصلية لتاريخ المغرب[8]، رسالةً من الحاكم البرتغالي لمدينة آسفي بَعث بها إلى ملك البرتغال في لشبونة يُعْلِمه بـانتقالِ القائم بأمْر الله إلى شياظمة، واستقراره بـ “آفوغال”، وقد ظَلَّ الرجل مَحطّ تقدير الشيوخ ومَحبّة القبائل الشياظمية إلى أن وافَتْه المنية سنة 1517 فدُفِن فيها، جوارَ ضريح الولي المجاهد الراحل محمد بن سليمان الجزولي رحمه الله، وأعطت هاته الجنازة والمجاورة لضريح الإمام المجاهد شيخ الجزولية مزيداً من الشرعية والقوة للتحالف القائم الدائم بين التيار الجزولي والحركة السّعدية بالمغرب الأقصى.

وسيُحقِّق وَلداه الذكيّان القائدان ما كان يَصبو إليه والدهما، فأنزْلا بالسّلطة الوطاسية أقسى الهزائم في معركة وادي العْـبِـيد، وحازا ثقة القبائل، واقتسما نفوذاً ترابيا من تارودانت إلى تادلة ومن فاس إلى الشمال، وأخْرَجا الاحتلال البرتغالي من أكادير ومعظَم الثغور المغربية مدحوراً، مما أعطى لحركتهم الجهادية والسياسية سمعة مرموقةً في الداخل وهيبة في الخارج. وسيَنْقُلان لاحقا رُفات أبيهما الشيخ ابن عبد الرحمان والعلّامة ابن سليمان الجزولي إلى مراكش، تقديراً لدورهما الكبير، وتبرُّكًا ببركة ضريحهما.

المراجع
[1] كاربخال مارمول، إفريقيا، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنّشر، ترجمة محمد حجي، محمد زنيبر، محمد الأخضر، أحمد التوفيق، أحمد بنجلون، طبعة 1984، ص: 450
[2] طوريس دييغو دي: Histoire des chérifs et des royaumes de Maroc, T 3 p. 5
[3] كارلخال مارمول، مرجع سابق، ص 451.
[4] كاربخال مارمول، مرجع سابق، ص 543.
[5] جبرون امحمد،تاريخ المغرب الأقصى منذ الفتح الإسلامي إلى الاحتلال، منشورات منتدى العلاقات العربية الدولية، الطّبعة الأولى 2018، عدد الصفحات 600، نسخة ورقية، ص 402.
[6] ملين نبيل، السلطان الشّريف؛ الجذور الدينية والسياسية للدّولة المخزنية بالمغرب، جامعة محمد الخامس، منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي، ترجمة عبد الحق الزموري وعادل بن عبد الله، الطبعة الأولى 2013، نسخة إلكترونية. ص 26.
[7] ملين نبيل،مرجع سابق، ص: 23
[8] كريم عبد الكريم: "المصادر الأصلية لتاريخ المغرب، المجلّد الأول، ص 443.