مقدمة

تعتبر قبائل زناتة (إزاناتن أو إزاناسن) إحدى المجموعات القبلية الأمازيغية الثلاثة الكبرى التي دأب المؤلفون العرب (المؤرخون والجغرافيون والنسابون) على تقسيم القبائل الأمازيغية؛ سكان المنطقة الممتدة من واحة سيوا جنوبي مصر إلى سواحل المحيط الأطلسي بالمغرب مرورا ببرقة (ليبيا) والمغربين الأدنى (تونس) والأوسط (الجزائر)، يضاف إلى ذلك مجموع بلاد التوارك في الصحراء الكبرى. والتسمية الأمازيغية الأصلية لهذه المجموعة هي “إزاناتن” أو “إجاناتن” أو “إزاناسن”، لأن المؤرخين والجغرافيين والنسابين العرب، على عادتهم مع كثير الأسماء الأمازيغية (أسماء الأشخاص والأماكن)، يوردونها محرفة أو بصيغ تعريبية، وهذا ما يلاحظ أيضا مع باقي المجموعات القبلية. ويعتقد المؤرخ أحمد التوفيق أن “إزاناتن” (زناتة) هم التجار في غالبيتهم، وهو من فعل جذعه في الأمازيغية “زن”، فباع= ازن[1].

وهذه المجموعات الكبرى هي: قبائل مصمودة (أصادن أو إمصمودن) التي يغلب عليها الإستقرار خصوصا في جبال الأطلس والسهول المجاورة للمحيط قبل دخول عرب بني هلال وبني سليم للمغرب الأقصى (المغرب)، وقبيلة صنهاجة (إزناكن)، وقبيلة زناتة (إزاناتن أو إجاناتن أو إزاناسن) التي يغلب عليها الترحال ويستوطنون مناطق متفرقة على طول وعرض خريطة بلاد الأمازيغ[2]. فهم أهم قبائل البدو وأكثرها نقلة وترحالا، وتمتاز أيضا بالروح الحربية العالية والتفوق في القتال، وفرسانها من أجشع فرسان الأمازيغ قاطبة[3].

أصول إزاناسن (زناتة)

ورغم شهرة هذا التقسيم الثلاثي وانتشاره بشكل واسع بين أولائك المؤلفين فإن الباحث لا يعثر على أسس قوية ومتماسكة بشكل متين، التي بني عليها هذا التقسيم، سواء تعلق الأمر بمناطق الانتشار أو نمط العيش، الصفات البدنية، أو الفوارق الشخصية، أو حتى الرؤية الجنيالوجية. وحول هذه الرؤية يقول مولاي التقي العلوي في كتابة “أصول المغاربة” في تعليقه على نظرية تقسيم الأمازيغ مثلا إلى برانس وبتر: “والواقع الذي يسلمه المنطق السليم ويرتضيه العقل الصحيح ويسير مع البحث العلمي جنبا لجنب هو أن الشعب البربري كغيره من شعوب الأرض قاطبة بدون استثناء لا يمكن ولن يمكن بحال من الأحوال إرجاعه إلى شخص واحد أو شخصين، وإنما عبارة عن سلالات كثيرة وعروق وأمشاج متعددة انحدرت إلى هاته الأرض من الشمال والجنوب والشرق، وتبلورت بفعل الزمان وتطور الأحداث حتى اتخذت شكلها النهائي إن كان لها شكل نهائي”[4].

وعموما، فإن الرؤية الجنيالوجية التي تبناها كثير من الجغرافيين والمؤرخين والنسابين العرب والأندلسيين، ثم اتبعهم عليها المغاربة بما فيهم الأمازيغ أنفسهم، فهي تقترح فهما يقوم على أساس النسب إلى جد أعلى (كما في تصور العرب)، وهنا في حالة الأمازيغ، هو “بر”، وهذا الجد تنسل منه برنوس أبو البرانس، ومدغيس (مادغيس) الأبتر أبو البتر. ويذكر هؤلاء أن معظم قبائل البرانس وهي مصمودة وصنهاجة وكتامة وأوربة وازداجة وعجيسة وأوريغة الذين منهم هوارة. أما قبائل البتر فمنها زناتة. فقبيلة زناتة وفق هذا الفهم الجنيالوجي تنسب إلى الجد مدغيس الأبتر، وأخذت اسمها من “زانا أو شانا أو جانا”، الذي ينحدر وفق هذه الرؤية من مادغيس الأبتر عبر داري بن زحيك[5]، أي أن الجد الأعلى لزناتة هو جانا أو زانا أو شانا. وتطرح هذه الرؤية في النظر إلى قبيلة زناتة سلسلة لا منتهية من الأسئلة، خاصة ما تعلق منها بتلك الأصول التي تنحدر منها، وعلى وجه التحديد حول من هو مادغيس الأبتر هذا؟، ومتى عاش؟ وفي أي مكان؟ وهل هو أمازيغي أبا عن جد أم عربي النسب كما تذهب عدد من الكتابات؟، وغيرها من الأسئلة المشروعة[6].

وإذا كانت زناتة عريقة في أصولها الأمازيغية فإن الزناتيون أنفسهم وعدد من نسابيهم يرجعون أصول القبيلة إلى النسب العربي لأنهم من البتر الذين ينسبون إلى مادغيس والذي بدوره يرجع إلى النسب العربي، فهو – حسب هذه الرواية- مادغيس الأبتر بن بر بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان[7]. ويرجع بعض الباحثين إصرار الزناتيين على الترفع عن النسب الأمازيغي وربط نسبهم بالأصول العربية، إلى السبب النفسي الذي جعلهم يستنكفون عن الأصول التي تربطهم بباقي المجموعات الأمازيغية بسبب ما أصاب بعض فروعهم من الذل والإنحطاط وانحلال الروابط، فظنت زناتة أن سبب ذلك راجع إلى الدماء التي تجري في العروق وأعجبوا بنسب العروبة وزينه لهم نسابتهم ومفكروهم[8].

وخلاصة القول، وبالنظر إلى ما أوردته العديد من كتابات الجغرافيين (كالبكري مثلا)، فإن زناتة لم ينحصروا في منطقة معينة واحدة، بل ارتبط استقرارهم بالجبال والسهول والواحات والمدن وبمهن الرعي والفلاحة والتجارة. وهذا يعني أن النظر إليهم كمجموعة واحدة يجب أن يكون على أساس هوية للتميز أو الدفاع عن النفس أو للهجوم والإكتساح، وهوية مبنية على مجرد الانتماء بقطع النظر عن شيء آخر[9]. فالأمر لا يعدو أن يكون إلا رمزا لتحالف قديم بين مجموعات لا يجمع بينها بالضرورة نسب واحد ولا جد واحد أعلى، بل هي أحلاف ولفوف قبلية لا أكثر ولا أقل.

نمط عيش إزاناسن (زناتة)

وتعتبر زناتة من القبائل التي تفككت على نطاق واسع في المجال بشكل مبكر، وهذا ما جعلهم يلعبون دورا في مقاومة الفتح الإسلامي في البداية ثم في تعزيزه عبر مولاة الحكم الأموي، كما أسسوا التجارب الأولى للإمارات الإسلامية المحلية كإمارة مغراوة وبني يفرن. وقد تكون التجارة السبب في حركة زناتة وتشتتها على نطاقات واسعة من بلاد شمال افريقيا، حيث نجدهم في سجلماسة (منطقة تافيلالت)  وأغمات (قرب مراكش) وأوداغشت (جنوب موريتانيا). ورغم الضعف الذي أصاب عصبيتهم بفعل هذه الحركية فإن فرعا منهم وهم بني واسين قد تمكنت من تأسيس دولة بني مرين في القرن السابع الهجري (13م)[10].

وعموما، فأغلب الكتابات تميل إلى اعتبار زناتة رحل متنقلون عكس المصامدة مثلا، فهم رعاة إبل وشاء ينتشرون في جميع الإتجاهات، ويتسربون إلى الأراضي الضعيفة المقاومة، ويتراجعون بسرعة أو يرحلون كلية عند انهزامهم أو تحت صدمة الإنكسار، فهم خفيفوا الحركة[11]. وقد جعلتهم تلك الحركة الدائمة والخفيفة ينتشرون على نطاقات واسعة في شمال إفريقيا؛ من غرب النيل إلى المحيط الأطلسي، حيث لا تكاد نقطة من نقطه لا تعرف استقرار فرع من فروعهم أو بطن من بطونهم وخاصة في المغرب الأوسط (الجزائر)، كما أن بعضها أيضا انتشر على طول حواشي الصحراء الكبرى في خط يمتد من غدامس (بليبيا) إلى واحة تافيلالت (بالمغرب).

اللسان (اللغة) الزناتي

أما على المستوى اللساني، فالزناتيون لهم لهجة أمازيغية خاصة بهم، وتنتشر أساسا في مناطق بليبيا الحالية وتونس والجزائر، خاصة في منطقة مزاب وواركلا الجزائريتين. أما في المغرب فاللهجة الزناتية ما تزال تنتشر في خط يمتد من غرب صنهاجة السرائر والشمال الشرقي للأطلس المتوسط والجزء الشرقي للأطلس الكبير، ومن البحر الأبيض المتوسط شمالا إلى تخوم الصحراء جنوبا. ويتنظم في ذلك قبائل بني يزناسن وكبدانة وبني بويحي وبطالسة وقبائل الريف وبني بوزكو والزكارة وحوض ملوية وفكيك وتولال والساورة وتدات وكورارة وتيدكت وعين صالح[12].

الحكم والرياسة في العصبية الزناتية

ورغم التفكك والتشتت الذي ميز قبائل زناتة سواء في المجال أو في الزمان، فإن هذه المجموعة البشرية ميزت مراحل تاريخية من تاريخ منطقة شمال إفريقيا وأنجبت بعض الشخصيات التي طبعت مسار الأحداث. ونذكر هنا من الشخصيات المعروفة الملكة الأمازيغية ديهيا (الكاهنة كما سمتها الكتابات العربية) التي قادت قبيلتها كراوة الزناتية وغيرها في مقاومة جيوش الفتح الإسلامي[13]. وفي المغرب عرفت إمارتين إسلاميتين هما: إمارة بنو يفرن ومغراوة، اللتين تراوحت أحولهما السياسية بين الإستقلال أو الولاء للأمويين في الأندلس. وقد ارتبط ظهور إمارة بنو يفرن بتفشي المذهب الخارجي بين القبائل الإمازيغية، فاعتنقته هذه المجموعة وحملت لواء الدفاع عنه، قبل التخلي عنه واعتناق المذهب السني. وقد وضع المرابطون حدا لإمارتهم.

أما مغراوة (تعريب للكلمة الأمازيغية: إمغارن جمع أمغار وهو الشيخ أوالزعيم) أبناء عمومة بنو يفرن، فقد نزحوا من المغرب الأوسط واستقروا بداية في شرق المغرب قبل ان يستولوا على مناطق عدة من المغرب الشرقي ويؤسسوا الإمارة المغرواية في فاس، واستمرت إمارتهم إلى قضت عليها جيوش المرابطين. كما أسس مغراويون آخرون إمارات أخرى في كل من سجلماسة وأغمات. هذا دون أن ننسى أن فرعا من فروع زناتة، وهم بنو واسين أسسوا في فاس الدولة المرينية، وبعدهم جاءت أسرة بني وطاس لترث الحكم وتؤسس لحكم أسرة الدولة الوطاسية.

المراجع
[1] التوفيق أحمد، في تاريخ المغرب، ط1، 2019، مطبعة النجاح الجديدة، ص 338.
[2] التوفيق أحمد، في تاريخ المغرب، مرجع سابق، ص 353.
[3] بن منصور عبد الوهاب، قبائل المغرب، الجزء1، المطبعة الملكية، الرباط، 1968، ص 299.
[4] العلوي مولاي التقي، أصول المغاربة، إعداد وإخراج علال ركوك وحفيظة الهاني، منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي، مطبعة المعارف الجديدة، الرباط، 2016، ص 41.
[5] التوفيق أحمد، في تاريخ المغرب، مرجع سابق، ص 335-336.
[6] العلوي مولاي التقي، أصول المغاربة، مرجع سابق، ص 243-244.
[7] بن منصور عبد الوهاب، قبائل المغرب، مرجع سابق، ص 297.
[8] العلوي مولاي التقي، أصول المغاربة، مرجع سابق، ص 244-245.
[9] التوفيق أحمد، في تاريخ المغرب، مرجع سابق، ص 337.
[10] التوفيق أحمد، في تاريخ المغرب، مرجع سابق، ص 338.
[11] العلوي مولاي التقي، أصول المغاربة، مرجع سابق، ص 246.
[12] العلوي مولاي التقي، أصول المغاربة، مرجع سابق، ص 245
[13] العلوي مولاي التقي، أصول المغاربة، مرجع سابق، ص 249.