مقدمة

تشير كلمة  “الرباط”  (تجمع على ربط ورباطات) إلى مكان للمواجهة العسكرية الدفاعية على الخصوص، ثم صار إسما لمكان يجتمع فيه حول ممارسات تتصل بالوعظ ورياضات التزهد. لذلك؛ فالرباطات تقع في أغلب الأحيان على حدود معينة يتجمع فيها المتطوعة للجهاد[1]. والموضع الذي انشأ فيه رباط شاكر يعرف اليوم ب “سيدي شيكر”، وموقعه على وادي تانسيفت نواحي مدينة آسفي، بين سيدي المختار جنوبا واليوسفية شمالا. وقرية شيكر حاليا توجد وسط قبائل عربية، التي خلفت منذ عدة قرون القبائل المصمودية الرجراجية (ركراكة) التي احتضنت رباط شاكر وأسسته[2]. ويبعد حاليا بحولي 85 كلم عن مدينة مراكش على طريق الصويرة. وهو أقدم رباط عرف بالمغرب، وقد ظل هذا الرباط مركزا للمجاهدين والجهاد وملتقى للعلم والعلماء المتصوفين إلى القرن السابع الهجري (القرن 13م) وما بعده. فقد كان من عادة عدد كثير من علماء المغرب وأوليائه وصلحائه أن يسافروا في كل رمضان غلى هذا الرباط من أجل ختم القرآن وإلقاء دروس الوعظ والإرشاد[3].

قصة تأسيس رباط شاكر بين الحقيقة والأسطورة

يورد المؤرخ أحمد التوفيق جملة من الآراء حول تأسيس الرباط[4]، نعرضها كالتالي:

  • تعود قصة تأسيس هذا الرباط إلى واقعة ورود كتاب من النبي (ص) إلى أهل المغرب فاجتمعوا عليه بموضع شاكر ببلاد رجراجة، وهو الموضع الذي اجتمعوا فيه في أواخر شهر رمضان على وادي تانسيفت، ولما قرأوه أراد كل واحد أن يحمله إلى بلده، وبسبب التنازع حول ذلك اتفقوا على أن يدفنوه بذلك الموضع، فصاروا يتجمعون في ذلك الموضع في ذلك الوقت في كل عام.
  • أما بعض تلك المصادر الأخرى فتروي أن واسمين الرجراجي شد الرحال إلى النبي (ص) وآمن به، وحمل من عنده الكتاب، وجمع عليه المصامدة بموضع وسط قبائل رجراج، في الموضع الحالي للرباط.
  • كما أوردت مصادر أخرى أن شاكر الذي ينسب إليه ذلك الموضع هو رجل من أصحاب عقبة، تركه هنالك ليعلم لهم دينهم، فكان يجمعهم في ذلك الموضع ليتعلموا منه، فلما توفي حول أهل العلم والدين والصلاح الاجتماع فيه عادة في الخير. وشاكر هذا هو ابن يعلى بن مصلين الرجراجي. وهو من الرجال الرجراجيين السبعة الذين صحبوا عقبة بن نافع، بل ويوصف بكونه من التابعين لأنه التقى بعدد من الصحابة الذي رافقوا عقبة في فتوحاته بشمال افريقيا[5]. بل هناك من يذهب أيضا إلى تصنيفهم ضمن الصحابة وليس التابعين فقط[6].
  • وقيل أيضا أن اجتماع ومرابطة ركراكة (أو رجراجة) بموضع شاكر لأنه ثغر من الثغور يقاتلون فيه “كفار بورغواطة”، لأنه يوجد في الحدود الشمالية لمجال رجراجة. وقد بناه يعلى بن مصلين الركراكي، الذي كان يقود الحروب ضد إمارة برغواطة بمنطقة تامسنا، وهو الذي بنى مسجد الرباط.

وفي الأخير خلص السيد أحمد التوفيق إلى أن تعظيم الموضع لأنه مدفن شخص في سياق معقول أقرب إلى التصديق من تعظيم الموضع بسبب دفن كتاب؛ خصوصا وأن قصة ركراكة (رجراجة) الواردين على الرسول (ص) قد لا تكون سوى مناسبة مبتكرة لتمييز ركراكة عن غيرهم من الأمازيغ والرفع من شأنهم، وقد تكون كذلك وضعية سابقة عن الإسلام أريد لها التكيف مع الظروف الجديدة، خصوصا أن كلمة ركراكة توحي بمعنى من معاني البركة والشرف. وقد يجمع بين عدة عوامل فتتكامل بينها؛ كأن يكون مدفن شاكر، ورباط للجهاد ضد برغواطة، وحتى كموقع للتعبد قبل الإسلام، وأيضا كموقع ممتاز للتبادل بين القبائل، أو في الطريق بين أغمات ومرساها أكوز، ثم بين مراكش وآسفي؛ فالتراكب والتعدد في الوظائف النفعية لا يستبعد التراكب والتعدد في الوظائف الرمزية[7].

مصير رباط  سيدي شاكر

وبعد مرحلة مزدهرة للرباط فقد تعرض للإهمال وكذلك مسجده، حتى عهد السلطان المولى محمد بن عبد الله العلوي، لما قفل من مدينة الصويرة،  فزار ركراكة فرأى الحالة الكارثية التي كان عليها الرباط فأمر بتجديده وإعادة بناء مسجده وكان ذلك سنة 1764م/ 1178ه[8]. كما أقيمت فيه إصلاحات اخرى فيما بعد على عهد السلطان مولاي يوسف. وفي سنة 2004 أمر الملك محمد السادس بإحياء الرباط من خلال إطلاق ملتقيات سيدي شيكر للتصوف، وفي سنة 2012 أطلقت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عملية ترميم شاملة للرباط ومسجده. وبفضل هذه الجهود فمازال الرباط قائما وسط قبيلة أحمر على الضفة اليمنى لوادي تانسيفت.

المراجع
[1] التوفيق أحمد، في تاريخ المغرب، ط1، 2019، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء، ص184.
[2] التوفيق أحمد، في تاريخ المغرب، مرجع سابق، ص184.
[3] أيت الحاج محند، معلمة المغرب، الجزء 13، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر ومطابع سلا، 2001، ص 4254.
[4] التوفيق أحمد، في تاريخ المغرب، مرجع سابق، ص183-189.
[5] الرجراجي محمد السعيدي، رباط شاكر (سيدي شيكر) والتيار الصوفي حتى القرن السادس الهجري، وليلي للطباعة والنشر، مراكش، 2010، ص 29.
[6] الرجراجي محمد السعيدي، رجراجة وتاريخ المغرب، منشورات جمعية البحث والتوثيق والنشر، مطبعة ربا نيت، الرباط، 2004، ص 8-14.
[7] التوفيق أحمد، في تاريخ المغرب، مرجع سابق، ص186.
[8] الرجراجي محمد السعيدي، رباط شاكر (سيدي شيكر) والتيار الصوفي حتى القرن السادس الهجري، مرجع سابق، ص 31.