مولده ومساره العلمي[1]

ولد الفقيه الجليل سيدي البشير بن عبد الرحمان بن حيدة بمدشر أولاد عيسى بقبيلة المنابهة الواقعة شمال شرق مدينة تارودانت حوالي 1343ه/1924م (تاريح ميلاده الرسمي هو 1924م). ولا نعرف تفاصيل نشأته الأولى، لكننا لا نشك في أن والده الفلاح الحازم أراده للعلم، فأرسله إلى مسجد المدشر ليبدأ الرحلة الدراسية تحت نظر إمام المسجد السيد محمد الأبراييمي. وعندما اضطر والده إلى مغادرة المدشر مع أفراد عائلته بسبب ظروف المجاعة، أشار عليه إمام المسجد بأن يترك عنده ابنه البشير لما لاحظ فيه من إقبال على الدراسة بجد، و لما توسم فيه من ذكاء و نبوغ فتركه عنده حتى سمحت الظروف للعائلة بالعودة إلى المدشر.

مر في دراسته بمرحلتين اثنتين، شأنه في ذلك شأن كل أمثاله من المتعلمين:

  • مرحلة حفظ القرآن الكريم

تعلم القراءة و الكتابة و حفظ القٍرآن الكريم في مسجد مسقط رأسه” أولاد عيسى” تحت نظر أستاذه سيدي محمد الابراييمي، الذي قضى حياته عزبا يعلم القٍرآن الكريم برواية ورش و قالون وابن كثير (المكي) و مات و دفن بأولاد عيسى بعد أن فقد بصره في آخر حياته. وقد أخذ عنه سيدي البشير القرآن الكريم و أتقن حفظه بالروايات الثلاث المذكورة و ليس له في القرآن شيخ آخر غيره.

  • مرحلة الدراسة العلمية

بعد أن حفظ القرآن الكريم تاقت نفسه إلى تحصيل العلوم الشرعية واللغوية فالتحق بالأستاذ الفاضل، النحوي الماهر العلامة سيدي أحمد توفيق الوفقاوي، في مسجد ” آيت معلا ” قرب تافنكولت (شمال شرق مدينة تارودانت)، وافتتح عنده الدراسة العلمية، وبقي هناك نحو سنة واحدة، لم تستغرق فيها دراسته فيها إلا نحو أربعة أشهر، فقد التحق شيخه الوفقاوي بالعلامة سيدي محمد المختار السوسي في مراكش و تركه في مسجد “آيت معلا” يصلي بالناس و يعلم الصبيان بقية العام. ومع قصر هذه المدة، فقد اكتشف شيخه ذكاءه و نبوغه و بهره تحصيله و سرعة فهمه و حفظه. والتحق بعد ذلك بالفقيه الفرضي العلامة سيدي عبد الله بن مبارك المعروف ب: “كيغرمان” (هو ودريمي إرزاني الولادة و النشأة توفي بأولاد تايمة (هوارة) سنة 2003م) في مدرسة التمليين، ثم في الجامع الكبير بإرزان شرق تارودانت وذلك سنة 1367 هـ /1947م، وأخذ عنه جل المتون العلمية الرائجة في ظرف ثلاث سنوات.

والتحق بعد ذلك – بتوجيه من العلامة سيدي محمد المختار السوسي– بالفقيه الفاضل المرحوم سيدي محمد بن أحمد العتيق الإلغي في مدرسة سيدي محمد الشيشاوي بقبيلة آيت باكو الهشتوكة وبقي عنده مدة سنة واحدة. والتحق في آخر المطاف بشيخه الأول العلامة الوفقاوي في مدرسة “التمنار” الحاحية التي بقي فيها إلى أن تخرج و ختم رحلاته الدراسية. ومن فرط إعجابه بشيخه الوفقاوي وتأثره به أخذ منه “توفيق” فأطلقه على نفسه وعرف به أكثر مما عرف شيخه.

مشارطته

بعد أن ختم مرحلة الطلب اتجه إلى مرحلة العطاء، وشارط  لهذه الغاية في الأماكن التالية:

  • مسجد مدشر “الرزاكَنة” بقبيلة المنابهة، شارط فيه إثر تخرجه لمدة سبعة أشهر.
  • مدرسة قبيلة “تيمزكاديوين” بقبيلة أركانة، وهذه المدرسة بناها، بتوجيه من العلامة سيدي محمد المختار السوسي، شيخ تيمزكاديوين الشيخ علا عبد الله، واستقدم إليه سيدي البشير، فكان أول من شارط بها، وكان يدرس بها نحو عشرين طالبا، وينظم معهم نزهة سنوية يجوبون فيها مداشر القبيلة ويستقبلون بحفاوة بالغة، بعناية خاصة.
  • مدرسة ” التمنار” بحاحة، انتقل إليها بأمر من شيخه الوفقاوي عندما عين ـ الوفقاوي ـ قائدا بالتمنار في بداية الاستقلال. وبقي بها إلى أن التحق بالمعهد الإسلامي بتارودانت عام 1958م.

الالتحاق بالمعهد الإسلامي بتارودانت

التحق بالمعهد الإسلامي في أكتوبر 1958 بدعوة من جمعية علماء سوس، وأسند إليه الإشراف على فرع المعهد بتالوين إلى أن توقف هذا الفرع عن العمل سنة 1964م، فانتقل إلى المعهد بمدينة تارودانت وزاول به تدريس المواد الشرعية من توحيد وفقه وتفسير وحديث وغيرها، إلى أن أحيل على التقاعد سنة 1986 م.

تدريسه

درَّس سيدي البشير في مؤسسات التعليم العتيق، ودرس في مؤسسات التعليم الأصيل ووفق في ذلك أيما توفيق، ونجح في ذلك نجاح منقطع النظير.

وقد خلقه الله للتعليم وهيأه لأداء هذه الرسالة على الوجه الأكمل، وزوده بمقومات المعلم الناجح، فأعطاه الكفاءة العلمية والكفاءة الخلقية والكفاءة التربوية.

أما الكفاءة العلمية فتتجلى في غزارة علمه، وسعة مداركه، وكل من أسعفه الحظ بالأخذ عنه، يدرك ذلك ويقر به. وأما الكفاءة الخلقية، فقد تحدتنا عن بعض ملامحها ووجوهها المشرقة. وأما الكفاءة التربوية فتتجلى فيما حباه الله من موهبة يستطيع بها أن ينقل علمه إلى التلاميذ بسهولة و يسر، دون إرهاق ودون إحراج، وتلاميذه الكثيرون ينبهرون أمام قدراته الخارقة على التبليغ ويشهدون له في ذلك بإحراز السبق.

ويكفي أن نعلم أن التلاميذ الذين يكون من نصيبهم عندما تسند المواد الدراسية إلى الأساتذة في بداية الموسم الدراسي يشعرون بسعادة غامرة، ويتبادلون التهاني فيما بينهم، ويرتاحون ارتياحا خاصا إلى الدراسة و يطمئنون على فهمهم ونجاحهم. بينما الذين لا يكون من نصيبهم يشعرون بالأسى والحسرة ويندبون حظهم العاثر.

ذلك أن التلاميذ يفهمون دروسه بسهولة كيفما كان موضوعها ولا يعانون معها أي مشكل، وفي أحيان كثيرة لا يحتاجون إلى مراجعة ما درسهم لأنه يوضحه توضيحا كافيا، فيستوعبون قضاياه ويحيطون بدقائقه وتفاصيله.

وهو آية في توضيح الغامض، وتقريب البعيد و تشخيص المجرد يساعده على ذلك هدوءه النفسي، وحبه لتلاميذه وحرصه على إفادتهم ونفعهم، و قدرته على التبسيط من جهة والتشويق من جهة ثانية. ودروسه و فوائده تبقى راسخة في الدهن مدة طويلة.

وعظه وإرشاده

مارس سيدي البشير ـ رحمه الله- الوعظ و الإرشاد في مدينة تارودانت مدة طويلة، خاصة في مسجد الخرازة الذي كان يلقي فيه دروس الوعظ سنوات عدة، ومسجد سيدي وسيدي الذي كان يلقي فيه خطب الجمعة مدة مديدة.

و توفيقه في الوعظ والإرشاد كتوفيقه في التدريس سواء بسواء، ولذلك كثر المستفيدون من وعظه وإرشاده كما كثر المستفيدون من تدريسه، ومازال سكان تارودانت الذين يتحلقون حوله في مسجد الخرازة يتحدثون عن دروسه الوعظية الشيقة بكثير من الإعجاب والإطراء.

ولوعظه وإرشاده حقا نكهة خاصة، تجعل المستمع إليه يستمتع بما يسمع ويتمنى أن يسترسل في وعظه بدون انقطاع، لأنه رحمه الله يخلل الوعظ بما يدفع الملل عن النفوس من نكت ذكية، وملح وطرائف رائقة، تزيد المستمع إقبالا على ما يسمع و اقتناعا به و تجاوبا معه.

ولحسن الحظ، سجل بعض رواد مجالسه الوعظية تلك الدروس الشيقة النافعة في الأشرطة السمعية/كاسيط، فأصبحت متداولة بين الناس يستنسخونها و يستمعون إليها و يستمر – بذلك – الانتفاع بها ما شاء الله تعالى.

أخلاقه

تحلى سيدي البشير رحمه الله بأخلاق عالية جعلته محبوبا عند الخاصة والعامة وعلى رأس هذه الأخلاق.

  • التواضع الجم: فهو رحمه الله – رغم سعة أفقه المعرفي- لا يتظاهر بالعلم، ولا يدعي التفوق على الأقران ولا يصدر عنه أي شيء يدل على حب الظهور وحب الأضواء، بل يتواضع للعلماء و يخفض جناحه للمؤمنين، و قد رفعه الله بسبب هذا التواضع فكانت له في قلوب عارفيه مكانة خاصة ومحبة مكينة، وكانت الألسنة في تارودانت خاصة، وفي سوس عامة تلهج بذكره والثناء عليه.
  • حب الناس وإرادة الخير لهم: لقد كان رحمه الله سليم الطوية نقي السريرة لا يضمر الحقد ولا الحسد ولا العداوة لأحد، فنتج عن ذلك أن أحب الناس و أحبوه، وسلموا جميعا من لسانه و يده.
  • الجود و الكرم: لقد كان الجود والكرم من صفاته المتأصلة فيه، وكانت داره في تالوين وفي تارودانت وفي أولاد عيسى مفتوحة للغادين والرائحين من الضيوف، وكان يبالغ في إكرام من قصده، ويعامله معاملة من يتق بالله ولا يخشى الفقر.
  • الوسطية والاعتدال: بالرغم من أنه يحب السنة ويدافع عنها ولا تأخذه في ذلك لومة لائم، فإنه يلتزم في أموره كلها منهج الوسطية والاعتدال، فلا تجده مندفعا في سلوكه ولا مفرطا أو مفرطا في تصرفاته، ولا متنطعا في إرشاده وتوجيهه، ولا متجاوزا الحد في مناظراته ومناقشاته، بل يلتزم في كل ذلك الاعتدال ويتحلى بمبدأ “لا إفراط ولا تفريط”.
  • اللطف واللين: لقد جبل رحمه الله على اللطف واللين فكان رفيقا بنفسه وبعائلته وبالناس أجمعين، متحاشيا أساليب العنف و الجفاء، مستلهما هذا الموقف من الآية الكريمة: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)- سورة آل عمران الآية 159 -. ومن الحديث الشريف: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه” – أخرجه مسلم في كتاب البر من صحيحه-. وهذا الخلق النبيل جعل معاشرته ومجالسته شيقة ومذاكرته مفيدة ونصيحته مقبولة وصداقته محبوبة.
  • النظافة الأناقة: لقد أُشرب رحمه الله في قلبه حب النظافة والأناقة، فكان يعتني بجسمه ولباسه وكان منظره النظيف الأنيق يذكر الناس بعلماء السلف الذين تعلوهم الهيبة والوقار ويحيط بهم الجمال والجلال.

وقد أعطاه الله بسطة في الجسم كما أعطاه بسطة في العلم، فكان منظره إذا لبس الجلباب المغربي الأصيل و العمامة البيضاء، من أجمل المناظر وأكثرها دلالة وإيحاء.

وقد تأثر الأطفال الصغار – كما تأثر الكبار – بمنظره النظيف الأنيق فكانوا يتسابقون إليه إذا مر في أزقة مدينة تارودانت لتقبيل يده، واغتنام دعوته المباركة “ربحكم الله “.

وفاته

لبى نداء ربه وانتقل إلى عفوه وكرمه بمدينة الدار البيضاء بعد مرض لازمه عدة سنوات يوم الأربعاء 18 رمضان المعظم 1427 هـ الموافق لحادي عشر أكتوبر سنة 2006 عن سن يناهز الرابعة والثمانين ودفن بمقبرة الشهداء، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته و جمعه مع المنعم عليهم من النبيئين و الصديقين و الشهداء و الصالحين آمين و الحمد لله رب العالمين.

المراجع
[1] أنظر: الإدريسي، مولاي أحمد صبير. (2020). مدارج الثناء بتراجم علماء الدار البيضاء. دار الرشاد الحديثة. الدارالبيضاء. ص 52-58.