طفولة الشيخ مصطفى البحياوي

رأى الشيخ العلامة، مصطفى بن أحمد بن عبد الرحمن البحياوي (نسبة إلى أبي يحيى البصير دفين الحدرة بمنطقة دكالة المغربية) الإدريسي الحسني، النور بمدينة مراكش في مطلع الخمسينات (1950) حيث تلقى تعليمه. وقد لعب الوسط العائلي الذي ولد فيه دورا بارزا في تكوين شخصيته العلمية والفكرية، فوالده كان إماما وخطيبا وصاحب مقرأة قرآنية بمسجد أبي عمرو القسطلي بمراكش. وقد كان بيت والد الشيخ مصطفى البحياوي، بمثابة ملتقى يتردد عليه نخبة من العلماء والقراء وطلبة العلم، فتهيأ للشيخ بفضل ذلك مجالسة كبار علماء مراكش والأخذ عنهم ومناقشتهم والاستفادة من مناظراتهم العلمية والأدبية وحضور دروسهم الخاصة والعامة[1].

يروي الأستاذ المقرئ الإدريسي أبو زيد حول طفولة مصطفى البحياوي قائلا: “منذ فتحت عيني، وهو بعد طفل، كان يلعب ككل الأطفال وكان شديد المزاح على عادة المراكشيين، كان طفلا عاديا مقبلا على اللعب على المرح مقبلا على الأكل والتنزه في البادية إذا التقينا في البادية أو في مدينة مراكش في حدائق المنارة، ولكن ما عدا هذا فهو منذ طفولته المبكرة لا يلبس إلا اللباس التقليدي الجلباب ولوازمه ويصلي في المسجد الصلوات الخمس، ويؤم الناس إذا غاب والده وهو طفل صغير، وعندما توفي والده كلف بالإمامة والخطابة من بعده. وكان منذ طفولته المبكرة يقرأ القرآن بالقراءات، ويهمش اللوح في الأسفل بالنصاص؛ أي بمجموعة من المتون التي كان يحفظها في اللغة والفقه والعقيدة. أما العلماء الذين درس على أيديهم فهم من أصدقاء والده العالم”[2]. فقد حفظ إذن القرآن الكريم في سن مبكرة على يد والده بروايتي قالون وورش وأخذ عنه مبادئ العلوم من عربية وفقه، وتفسير وأداء، وقد كانت له ذاكرة قوية في الحفظ والاستيعاب مما جعل بعض أقرانه يطلقون عليه لقب “الناسخ” لأنه إذا نظر في الصفحة طبعت في دماغه[3].

بعد وفاة والده، وهو في الباكالوريا، تولى الشيخ مصطفى البحياوي، الإمامة والخطابة من بعده وجلس مجلسه للإقراء بمراكش. ولما اجتاز الباكلوريا التحق بمدرسة المعلمين وتخرج الأول على دفعته. ثم توجه للتدريس بجبال الأطلس مدة ثلاث سنوات، بعد ذلك التحق بالمركز الجهوي للدراسات اللغوية والأدبية بمراكش بعد أن نجح في مباراة الولوج، فكان ذلك سببا في عودته مرة أخرى إلى مدينة مراكش. وبالتوازي مع ذلك، التحق الشيخ بالكلية لدراسة الفلسفة في الرباط ليتابع دراسته الجامعية عن بعد، فكان يجمع بين التدريس في دار القرآن والإقراء في مقرأة والده والوظيفة والدراسة في المركز التربوي الجهوي للدراسات اللغوية ويحضر المحاضرات في الكلية[4].

المسار الأكاديمي والعلمي

بعد التخرج من المركز التربوي الجهوي بعد سنتين، عين أستاذا للغة العربية في مؤسستي ابن عبدون وعمر بن الخطاب في مدينتي واد زم وخريبكة. ولما حصل على الإجازة في الفلسفة في موضوع: “العلة في القياس الفقهي والحد الأوسط الأرسطي”، عين أستاذاً للفكر الإسلامي والتربية الإسلامية في ثانوية يوسف بن تاشفين والتي درس فيها حوالي سبع سنوات، وقد كان خلالها يحاضر بجامعة القاضي عياض –مراكش– في العقيدة وحوار الأديان.

وبعد سنوات – وخلال بداية الثمانينات- تقدم الشيخ البحياوي لاجتياز المباراة الوطنية للتفتيش بالرباط ، فتم قبوله واحداً من بين عشرة من كل المغرب للالتحاق بمركز تكوين مفتشي التعليم بالرباط لمدة سنتين فانتقل بموجب ذلك إلى الرباط، حيث ساهم في فتح مدرسة قرآنية تخرج منها العديد من طلاب العلم، كما كان له مجلسان للتدريس في منطقة باب الحد (وسط مدينة العاصمة الرباط) كان يرتادهما العديد من طلاب العلم. وخلال سنتي التكوين في سلك المفتشين، حصل الشيخ في ذات الوقت على شهادة “دبلوم الدراسات العليا” (الماستر)، في الدراسات القرآنية من دار الحديث الحسنية ببحثين: الأول حول “مناهج دراسة النص القرآني”، والثاني حول “المسك الأذفر فيما خالف فيه نافع أبا جعفر”. وتم تعيينه فور تخرجه من المركز مفتشا عاما على جهة الشمال ومشرفا على التعليم الأصيل واللغة العربية بكل من أقاليم طنجة وشفشاون وتطوان لمدة ثلاث سنوات، إلى أن استقر به الأمر في مدينة طنجة لمدة 22 سنة، حيث مازل مستقرا إلى حدود اليوم. وأسس خلال هذه الفترة بطنجة معهد الإمام الشاطبي للقرآن الكريم وعلومه الذي يديره إلى الآن، والذي خرج وما زال يخرِج الأفواج من الحفظة والأئمة وطلاب العلم. وكانت مجالس علم مفتوحة في مساجد طنجة، في الموطأ والسيرة والصحيح.

يعد الشيخ المصطفى البحياوي، عالم قراءات متقن، متمكن من فنون عديدة، وقد شهد بفضله وعلمه الكثير من أهل العلم وتخرج على يديه ثلة من القراء والمشايخ والدعاة وطلبة العلم والفضلاء في مراكش وطنجة وغيرهما من داخل المغرب وخارجه[5].

ومنذ سنوات يتصدر الشيخ المصطفى البحياوي كرسي الإمام ابن عطية في التفسير، وهو الكرسي الذي استحدث من طرف وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية  في إطار “الكراسي العلمية” في نسختها الثالثة. وهو أيضا أستاذ ب”معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية” يدرس فيها الدرة والشاطبية.

وقبل سنوات، كان الشيخ يتردّد على إمارة الشارقة في دولة الإمارات العربية المتحدة بدعوة من منتداها الإسلامي وبضيافة من أمير الشارقة للمشاركة في الدورات العلمية التي ينظمها المنتدى مرتين في كل عام ألقى خلالها الشيخ دروسا عدة في التفسير وصحيح البخاري وعلوم القرآن والسيرة النبوية والشمائل والعقيدة والتاريخ، والسلوك،والأصول، والمقاصد[6].

علاقة العلامة البحياوي بوالديه

وحول طبيعة تلك العلاقة، يقول المقرئ الإدريسي أبو زيد:”كان شخصا لم أرَ مثله في معاملة والديه، لا أعلم شخصا خدم والديه ولم يرفع رأسه فيهما أبدا وصبر على شدتهما كما رأيت في ذلك الرجل، ولذا أنا أرى أن ما أدركه من قبول ومن نعمة ومن تكريم ومن محبة ومن فهم وحفظ سببه الرئيس رضا والديه. وقد عاشت معه والدته – وهي من أصول جزائرية- حوالي نصف قرن بل إنه أخَّر زواجه لأجل أن يجد المرأة التي تقبل حدة طباع والدته؛ وهي بوشيخية جزائرية وإنما جاء بهم إلى المغرب اضطرارهم بعد أن استسلم الأمير عبد القادر الجزائري، فسكن: قسم  بمدينة فاس وهم بوشيخيو فاس، وقسم آخر سكن بمراكش وهم بوشيخيو مراكش، وأقطعهم المغاربة أراضي خصبة سواء في نواحي مراكش أو في نواحي فاس”[7].

علاقة العلامة البحياوي بتخصص الفلسفة

يقول المقرئ الإدريسي أبو زيد حول قصة العلامة البحياوي مع الفلسفة: “ومن باب التحدي ذهب يدرس الفلسفة في السبعينيات وهو غير متفرغ. وله مع الجابري ومع أومليل ومع غيره  قصص ونوادر، فعندما دخل عليهم ذات مرة بجلبابين وبرنس وطاقية كبيرة في حر الصيف ولحية طويلة وشعر طويل، وكان امتحان الشفوي آنذاك عند أساتذة الفلسفة من اليسار، فرصة لإعمال المصفاة الأيديولوجية، فكان يأخذ نقطا عالية في الكتابي، فيبقى الأستاذ دائما متشوف أن يعرف من هذا الطالب الذي استطاع أن يحصل على تلك النقط، فإذا جاء إليه للشفوي ورأى تلك الصورة حاول أن يعسر عليه.

حتى أنه حكى لي أن الطلبة كانوا يتشاءمون من دخوله إلى الإمتحان الشفوي، لأنهم يتجمعون بالعشرات أو المئات ينتظرون لأيام أمام الباب حتى يأتي الدور، ويعلمون أنه إذا دخل سيتأخر لساعات، لأن الجابري وغيره كان يأخذ في الحوار معه والجدال حتى يرتفع الصوت مدة طويلة، ومع ذلك لا يستطيعون في الأخير إلا أن يمنحوه أعلى نقطة ولهذا لم يسبق أر رسب لا سنة واحدة ولا دورة واحدة -رغم كون نسبة الرسوب في شعبة الفلسفة مرتفعة- ورغم أنه كان يأتي خمسة عشر يوما فقط قبل الإمتحان، ويأخذ المقررات من بعض أصدقاءه في شعبة الفلسفة، وينسخها ويراجعها، ويأخذ له غرفة مع أصدقائه في الحي الجامعي يختلي فيها أسبوعا أو أسبوعين، وكانت شعبة الفلسفة معقدة والمادة غزيرة والدروس كثيرة.

وأذكر ذات يوم وجدته يقرأ في كتاب: “مدخل إلى فلسفة العلوم العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي”، وحاول أن يدخل معي في نقاش فلم أستوعب ما يقول آنذاك وأنا حاصل لتوي على البكالوريا، لأنه كان بالنسبة لي ذلك الكتاب لغز من الألغاز وكان إذا وضعه وقام إلى بعض أشغاله، قمت إليه فقرأت فيه فلم أفلح في أن أفهم ما يقصد محمد عابد الجابري في كتابه، الذي يعتبر من أعقد كتبه كما سماه هو في مقدمة الكتاب، لأنه كتاب في الابستومولوجيا العلمية”[8].

أساتذته ومشايخه

ومن بين المشايخ والأساتذة الذين أخذ عنهم الشيخ وتأثر بهم في مرحلة الطلب الأول على سبيل الذكر لا الحصر:

فضيلة الشيخ الفقيه السباعي الكنتاوي قرأ عليه الفقه المالكي، وفضيلة الشيخ المقرئ محمد بن إسماعيل قرأ عليه مبادئ علم التجويد ودرس عليه الجزرية ونظم ابن بري في مقرأ الإمام نافع، وفضيلة الشيخ اسميج الضرير قرأ عليه المنطق والعقيدة، وفضيلة العلامة اللغوي الفاروقي الرحالي حضر له مجالس الجامع الصحيح إلى كتاب المغازي، وقد ارتبط الشيخ به وتأثر كثيراً بأسلوبه ومنهجه. كما درس على الشيخ عبد السلام المسفيوي السيرة، وعلى الشيخ أحمد أملاح النحو والعربية وأبوابا من حاشية الشيخ خليل في الفقه المالكي في زاوية ابي العباس السبتي بمراكش[9].

ودرس التفسير على العلامة المفسر الحاج الهاشمي المراكشي السرغيني والذي تأثر الشيخ به كثيرا وكان يذكر من مناقبه أنه كان قواما لليل مواظبا على إمامة التراويح على كبره رحمه الله. كما درس  العاصمية في الفقه المالكي على الفقيه وقاضي القضاة في الجنوب الشيخ عبد العزيز الزمراني، ودرس أيضا السيرة النبوية على الشيخ الكنسوسي، وحضر أبوابا من كتاب إحياء علوم الدين لحجة الإسلام ابي حامد الغزالي على الشيخ بن حليمة  المراكشي الذي كان يحفظ الإحياء وكان ينعته الشيخ حينما يذكره في مجالسه بعاشق الإحياء. ودرس  على الشيخ بلخير الفقيه عالم التفسير ومناهج المفسرين ومما يذكر الشيخ من مناقبه أنه كان لا ينقطع عن ذكر الله عز وجل. ودرس على الشيخ اللغوي أحمد الشرقاوي اللغة والأدب وبعض المعاجم اللغوية. وحضر مجالس سرد البخاري للفقيه الورزازي وغيرهم من العلماء الأفاضل الذين تأثر بهم الشيخ في شبابه وبداية الطلب في مراكش وأسهموا في إبراز نبوغه وتفوقه على أقرانه[10].

ومن شيوخ العلامة البحياوي في القراءات الشيخ عبد الفتاح القاضي والشيخ عبد الفتاح بن السيد المرصفي والشيخ عبد الحكيم عبد اللطيف شيخ عموم المقارئ المصرية في وقته، والشيخ الضرير سعيد العبد الله الحموي. وطلب علم الحديث على الشيخ المحدث سيدي عبد العزيز بن الصديق الغماري والشيخ المحدث سيدي عبد الله بن الصديق الغماري…

مؤلفات العلامة المصطفى البحياوي

  • روض الإلهيات من خلال مقاطع الجلالة في الآي البينات.
  • مدارج الوصل بنبي العدل والفضل.
  • وجهة القاصد لاستشراف أفق المقاصد.
  • الدليل الأوفق إلى رواية ورش عن نافع من طريق الأزرق
  • تقريب مورد الظمآن في فن ضبط القرآن.
  • نظم النفخ العنfري في نظم حكم السكندري.
  • أنظام في تراجم البخاري: كتاب التوحيد والإيمان.
  • نظم في مغازي الرسول صلى الله عليه وسلم.
  • نظم للعقيدة الطحاوية: منحة المهدي في نظم عقيدة الأزدي.
  • تكميل نظم العلامة ناصر الدين أبي العباس أحمد بن محمد المالكي الإسكندراني المعروف بابن المنير المسمى “التيسير العجيب في تفسير الغريب”.
  • نظم بطائق التعريف بسور المصحف الشريف.
  • مسالك الاهتداء في تفسير قصار المفصل.

الجوائز والتكريمات

  • جائزة المجلس العلمي الأعلى الوطنية للخطبة المنبرية لعام 1438ه/ 2016م كأحسن خطيب على المستوى الوطني.
  • جائزة محمد السادس للفكر والدراسات الإسلامية التنويهية والتكريمية مناصفة مع الأستاذ حميد بلحاج السلمي للعام 1441ه/ 2019م.

المراجع
[1] شخصيات دينية مغربية…المصطفى البحياوي عالم قراءات وشيخ كبار العلماء، موقع الدار:https://aldar.ma/265494.html.
[2] شهادة الأستاذ الإدريسي المقرئ أبو زيد– وهو ابن شقيقة العلامة وجار طفولته- ل" معلمة".
[3] شهادة ابن شقيقته الأستاذ الإدريسي المقرئ أبو زيد ل" معلمة"، مرجع سابق.
[4] شخصيات دينية مغربية…المصطفى البحياوي عالم قراءات وشيخ كبار العلماء، مرجع سابق.
[5] شخصيات دينية مغربية…المصطفى البحياوي عالم قراءات وشيخ كبار العلماء، موقع الدار، مرجع سابق.
[6] ترجمة العالم والداعية المغربي الشيخ المصطفى البحياوي، موقع أئمة المغرب: https://www.aimamaroc.com/2015/04/blog-post_0.html.
[7] شهادة المقرئ الإدريسي أبو زيد لمنصة معلمة، مرجع سابق.
[8]- شهادة المقرئ الإدريسي أبو زيد لمنصة "معلمة"، مرجع سابق.
[9] السيرة الذاتية للشيخ المصطفى البحياوي، موقع الكراسي العلمية: https://alkarassi.jilal.net/mustapha-al-behyawi.
[10] السيرة الذاتية للشيخ مصطفى البحياوي، موقع الكراسي العلمية، مرجع سابق.