المحتويات
توطئة
لا يمكن أن يذكر رواد الإصلاح الذين زينوا بجهودهم بلاد المغرب الأقصى إصلاحا وإرشادا وبناء لصروح الصمود والإباء والكلمة الحرة في القرن العشرين، دون أن تذكر الجهود النسائية في الإصلاح بل التغيير التي انخرطت فيها المرأة بامتياز، وكانت واسطة عقدها الأستاذة ندية عبد السلام ياسين.
لن أدعي أن هذه الورقات ستحيط إلماما بكل جهودها الإصلاحية، لكن حسبها أنها ستميط اللثام عن معالم شخصية فذة أرادت السياسة والظروف المحيطة أن تغمرها، أو أن تشكك في نياتها وتلمزها، وأبت أقلام من خبروها إلا أن يكتبوا عنها، وأصداء أعمالها وجهودها إلا أن تكون دليلا عليها.
وقد تنوعت مجالات جهودها الإصلاحية، ومن أبرزها:
الدعوة إلى الإسلام الحق وفتح باب الاجتهاد
من حق الله تعالى على عباده أن يقدموا صورة الإسلام الحق التي تسمو عن تلك النمطية التي يسوقها الإعلام المسعور بقصد أو بغير قصد. الإسلام من حيث هو رحمة للعالمين ونفحة علوية تضيء حياة الإنسان الغافل التائه، وتجمل الحياة وتجعلها أكثر إنسانية. فنجد الأستاذة ندية ياسين تدعو إلى إسلام الوسطية النابذ للعنف، النابع من القلب، الواضح في العقل، المتصالح مع البشرية جمعاء، المضمد لجراحاتها، الجامع للشعوب بألوانها وقومياتها وأجناسها تحت راية التوحيد، بعيدا عن الصورة التي يخيطها الصليبيون الجدد ويساعد على ترسيخها إسلام رسمي بعيد عن جوهر الدين، أو سلوكيات نشاز لإسلام البطون المتخمة، لتكسير أسوارٍ نفسية عالية تحول دون اطلاع من لا يعرفونه على جوهره: “أصبح الإسلام تارة يتقمص شخصية المجنون الذي يندفع لإحراق العالم انطلاقا من أطروحات “خضراء” غبر ناضجة البتة، وتارة يلبس زي دكتاتور يقود شعبه إلى الدمار، أو أنه ينعكس في نظرة أمير أبيض وأسود يزخر حريمه بشتى أصناف الجواري الملاح، أو يطلع علينا في صورة إمام ملتح متجهم نصف أمي يشهر سيفه في وجه المصلين. وبفضل إعلام مُفَبْرَك مكار، يصبح الإسلام في الغالب هو ذاك الإرهابي الشاب الذي يطبق تعاليم دينه بتفجير غضبه في وجه حداثة بعيدة المنال”[1]. هي دعوة إلى الإسلام الحقيقي الأصيل المنسلخ عن التقاليد الرجعية بنظرة تجديدية تتبنى روح الدين المعتدل بفهمه المنهاجي السليم، ويتلاءم مع العصر ومتطلباته، ويناقض الفهم التقزيمي الذي يجعل من شرع الله جزرا متناثرة لا وحدة متكاملة. لا يفهم جزء الإسلام إلا في ظل كله ووفقا لمقاصده العامة: “ونحن نعتبر أن جماعتنا تقوم فعلا بتجديد الدين. والدين، ما دمنا لسنا علمانيين ولا نؤمن بالعلمانية، هو كل واجهات الحياة منها السياسية والاقتصادية. علينا أن نبعثها روحا في مواطنينا وفي أعضاء الجماعة أولا، والأمة ثانيا حتى ينظروا إلى دينهم بعين حديثة، ويكيفوا هذا الدين مع معطيات العصر”[2]. ولما كان لا سبيل إلى التجديد إلا بآلية الاجتهاد، ولا سبيل إلى الاجتهاد بمعزل عن الفهم الرصين لكتاب الله تعالى ولميراث النبوة الشريف، نجد أن الأستاذة ندية ياسين، باعتبارها من خيرة من ترجم الفكر المنهاجي ودعا إليه وبسط فهمه، لا تفتأ تدعو إلى فتح باب الاجتهاد على مصراعيه حتى يكيّف الدين مع الحاضر ومقتضيات الحال ومتطلبات الواقع الذي يعج بالقضايا المتجددة التي تحتاج إلى إبراز رأي الشرع فيها. فكيف يعقل الوقوف الحرفي عند مدارس فقهية اجتهدت وفق متطلبات عصرها: “لا زلنا متعلقين بمدارس فقهية لا تحل مشاكل حديثة. فعلى المسلمين أن يعودوا إلى روح الاجتهاد، وأكثر من ذلك الاجتهاد لا يكفي أن يكون عملا على النصوص بل على عمل في الميدان”[3]. كما ينبغي أن يكون جماعيا لا تغيب فيه عين الحافظية: “مأساة المسلمين تكمن في غياب العلم النسائي في الاجتهاد، أو إن شئنا الدقة تغييب اجتهاد المرأة وإقصاؤه تحت أسباب واهية… باب الاجتهاد مفتوح في الإسلام، فنحن ليس لدينا نظام كنسي كما في المسيحية، لكن علينا أن نحدد قنوات لهذا الاجتهاد وأن نؤمن أن الاجتهاد يجب أن يكون جماعيا”[4]. وهي في ذلك تدعو إلى تجاوز التقليد والقراءات الفقهية المذهبية الضيقة. وجهت الأستاذة ندية ياسين، وهي تروم الفهم الصحيح لتعاليم الدين والتطبيق المناسب لها في واقع المكلفين، إلى نفض غبار الفهم الضيق أو التأويل الباطل أو تحريف أهل الغلو. واستحثت العلماء للقيام بهذه الوظيفة الجليلة ذودا عن الدين وأصوله ورسومه، نبهت للتدليس وسوء الفهم الذي يطال نصوصا بريئة مما يلحق بها من أفهام وتأويلات في مجالات شتى منها قضايا المرأة التي لطالما عانت الضيم والقهر باسم الدين والدين من كل ذلك بريء.
قضايا المرأة
تؤمِن الأستاذة ندية ياسين بمحورية الوجود النسائي في أي تغيير مرجو. إذ لا سبيل إلى تحقيق ذلك إلا بنفض عنها مخلفات العض والجبر التي حبستها لقرون في اللاشيئية واختزلت وظيفتها في المطبخ والفراش. وإن كان لابد لها من مهمة فمغازلة ذوي الجاه والسلطان وتزيين مجالسهم، وإن كان ولا بد من مشجب تعلق عليه مآسي الأمة وانتكاساتها ففتنة النساء، بفهم ضيق أو مكذوب للميراث النبوي الشريف أو إعمال مرفوض لبعض القواعد الفقهية التي لربما كانت مظروفة بزمانها ومكانها ولا يليق معالجة قضايا النساء على أساسها بعد أن ارتفع مسوغها الآن ومنها قاعدة سد الذرائع: “لا يمكن فصل واقعها عن واقع الأمة الإسلامية؛ فقد انحطت المرأة بانحطاط الأمة. وانحطت الأمة بتحول الحكم الإسلامي منذ عهد الأمويين من عدل وشورى إلى استبداد سياسي وظلم اجتماعي. فكانت أول نتيجة مباشرة إغلاق باب الاجتهاد، وحبس الفقه في أبواب ضيقة (درء الفتنة وسد الذريعة…). كان ذلك حفاظا على مقاصد الشريعة وعلى ما تبقى من عرى الإسلام بعد أن انتقضت أول عروة وهي الحكم. فكان أن مُنعت المرأة من معظم حقوقها”[5]. وأد أهل الجاهلية المرأة تحت الأرض كما وأدها المتزمتون بفقه “لا يجوز”، فجعلوها قعيدة بيتها، أمانة تحفظها الجدران حبيسة الجهل والتشدد بسبب عفة وقائية وفهم ضيق وغيرة مبتدعة. كما وأدها الاستعمار وأذنابه من دعاة الانحلال والتفسخ في بؤرة الجسد وتلبية نداءاته تحت مسمى التحرر. التجديد في قضية المرأة عودة إلى الدين وأصل التربية النبوية التي رفعت عن المرأة القيود وجعلتها عنصرا فاعلا في البناء والدعوة.
سخّرت ندية ياسين المفكرة والكاتبة والمناضلة المغربية، كل جهودها الفكرية والتنظيرية والعملية للدفاع عن قضايا النساء فكانت من مؤسسي العمل النسائي داخل جماعة العدل والإحسان، وأشرفت عليه بشقيه التربوي والتدافعي السياسي لسنوات، وبثته في أخواتها وزرعت فيهن بذرته وتشاطرت معهن همومه. كما حرصت على النظرة التجديدية في قضايا المرأة، تستحثها، تذكرها بوضعيتها في دين الإسلام وتدعوها لتشرئب بعنقها إلى نماذج الكمال من الصحابيات الجليلات وصالحات هذه الأمة اللواتي تربين في حجر النبوة المنيف وتفقهن في دينهن ووعين حقيقة المرور وغاية العبور، فكن أدوات بناء وسواعد إصلاح، حافظات للفطرة وفاعلات في مجتمعاتهن ومشاركات بقوة في شؤونها ومتهممات بقضايا الأمة المحورية والمصيرية وقائدات لحركة التغيير إلى جانب الرجل متزعمات لا تابعات. لن يصلح حال المرأة المسلمة اليوم إلا بما صلح به أولها، فلابد أن تنفض عنها غبار التقليد وتنخرط في مشروع التجديد الشامل بعد أن تتسلح بالعلم لتسهم في حركة الاجتهاد: “مشاركة المرأة الفعالة في المجتمع تكون بانخراطها في مشروع التجديد الكلي؛ تسعى لإحياء نموذج خير نساء طلعت عليهن الشمس. نساء كن في العهد النبوي والراشدي يقدن حركة التغيير إلى جانب الرجل متزعمات لا تابعات. فما على المؤمنة إلا أن تنفض عنها غبار التقليد، سواء كان تقليد الفقه المنحبس أو الفكر المغرّب. أولى خطوات التجديد: التسلح بالعلم؛ حتى تساهم في حركة الاجتهاد على هدى وبصيرة. لابد أن يكون للمرأة حضور في مختلف مجالات الحياة، وأولى هذه المجالات أسرتها؛ تعمل على تربية النشء الصالح، فذلك من صميم عملها الصالح، ولأن الأجيال الصالحة هي المؤهلة لحمل لواء التغيير والجهاد. ثم تساهم من موقعها في الحياة الاجتماعية عموما”[6]. لم تقف عند مستوى التنظير[7] والقول بل تحركت في الميدان فأنشأت إطارا جمعويا ما فتئ أن رفض ومنع. أرادت منه مركزا للإنصات وحقلا للتربية النسائية ورفع الأمية عنهن الأبجدية والمهنية والشرعية، يتعلمن منه ما يعلم من الدين بالضرورة، فاستعاضت عنه للتضييق المفروض والحصار المضروب بفضاء الجماعة من خلال القطاع النسائي، ولجنة الزائرات ومجالس أخوات الآخرة ومجالس الثلاثاء، والزيارات القطرية والإقليمية. تجوب البلاد من غير كلل ولا ملل أملا في تحقيق الطلبات الغالية، وتوحيد الفهم وتنضيجه بين الرجال والنساء خاصة بعد صدور كتاب تنوير المؤمنات[8]. لأن معالجة قضية المرأة تعد جزءا أساسيا من مطلب التغيير الشامل وتحتاج أن تنقل من نزاع حقوقي صرف بين الرجل والمرأة إلى هم المصير الأخروي للطرفين. كما تحرص على تربية النساء على التصالح مع ذاوتهن ونفض ميراث قرون العض والجبر، وتجاوز “لعنة الأنثى”، وتسعف نهمهن المعرفي وتلبي طلباتهن في التفقه وتربطهن بنماذج الكمال، وتوعيهن بأن قضية المرأة لا تحل إلا في إطار حل شامل يلامس كل المجالات ويربطها بالتردي العام لأحوال الأمة.
مجال تربية الفرد
تؤمن الأستاذة ندية ياسين بمحورية الفرد في التغيير المرغوب والإصلاح المطلوب، فرد يقتنع بالهدف ويسخر نفسه لخدمته بعد تربيته على معاني البذل والعطاء وتزكية النفس وتنقيتها من شوائب الرعونة والفردانية والاهتمام بخويصية الذات. تربية الفرد على الصدع بكلمة الحق وعدم الركون إلى الباطل: “إن التغيير الحقيقي يكمن في تغيير الإنسان، ما بالإنسان، ما في عقله وقلبه وما في تربيته من خلل. نحن تربينا عبر قرون، ربانا “المخزن” على أن نكون خائفين طائعين دائمي الاستسلام، ونحن نقول لا، الإسلام يقول على المرء أن يكون فعالا في التاريخ، أن يكون مشاركا لا أن يكون مجرورا دائما وعبدا”[9]. تلك التربية التي ينبغي أن تتحول من مجال ضيق فرضته الحسابات المخزنية الضيقة إلى مجال أكثر شساعة، حتى لا يبقى الإنسان مجرد رقم انتخابي أو بقرة حلوب تستنزفها جوقة الديمقراطية المزيفة. وهذا ما دأبت ندية ياسين على تربية المؤمنات عليه من خلال المهمات المعهودة إليها صحبة ثلة فاضلة من المسؤولات داخل جماعة العدل والإحسان. تحتضن وتزور وتربي على الرحمة والرفق والفكر الناقد، وتغرس الأذواق والأشواق وتبعث الأمل وتلقن الإيجابية وتحرر العقول. ولا غرو أنها ساهمت من خلال إطار الجماعة الذي تعمل فيه، والفكر المنهاجي الذي تحمله من تحقيق التوازن في المجال المغربي: “وحتى ونحن في إطار ضيق (لم نختره على أي حال وإنما فرض علينا) فإن المغرب استفاد من تلك المحاضن التي لولاها لرأيت العنف والغضب سائدين في وطننا الحبيب. الجماعة تقوم بخدمة عمومية لا يقوم بها أي إطار رسمي باحتضانها آلاف الشباب… على عكس التربية الوطنية التي تحتقر العقول وتعمل على التبليد الممنهج الذي لا يمكن إلا أن يجعل من شبابنا المتذمر زبونا من الطراز الممتاز للقراءات المتطرفة والميل إلى الانتقام والانفجار”[10].
قضايا الحكم والسياسة
لا يمكن الحديث عن ندية ياسين المناضلة والحقوقية والمفكرة التي نذرت حياتها للإصلاح دون إماطة اللثام عن مواقفها الواضحة في الحكم والسياسة والنظام القائم. تنطلق في بناء تصورها من صميم ما أثل له الدين ودعا إليه من اعتبار الشورى والاختيار الحر أساسان للحكم، فلا مبرر لحكم متوارث مفروض بقوة السلطان تصير به الرعية مسلوبة منهوبة مغلوبة. تؤمن أن من أفضل الجهاد توعية الأمة المسلوبة بأسباب هوانها، وترى أن أحب الأعمال تحرير رقاب غير واعية برقها “فحركتنا التي أثبتت في غير ما مرة شعبيتها ومصداقيتها وتشبتها بمبدإ اللاعنف الذي يشكل أحد مبادئها الأساسية، يتم نعتها دائما بالتشدد، لا لشيء إلا لأنها تعارض نظاما يؤمّن الراحة للجميع باستثناء رعاياه”.[11] “إن همنا هو رفع الظلم ليس فقط عن المغاربة، ولكن عن الإسلام الذي شوّه المسارُ السياسي للمسلمين عالميتَه. فتوظيف النصوص والاستيلاء على الحكم بالسيف حدا من إقناع الغير بعدل الإسلام، لقد غرقنا في تناقضاتنا الذاتية وأرسى الحكم المستبد قواعد اللعبة بتوظيف الرسالة لصالح الحكم والحكام في حين أن الحكم جعل لخدمة الرسالة. آن الأوان أن نوعي الأمة المنهكة المستنزفة بأسباب وهنها لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس. وإن كان بعض العلماء سكتوا للحفاظ على قوة أو “بيضة” الأمة آنذاك، فلم يعد هذا العذر قائما اليوم ما دامت الأمة في الحضيض”.[12]
تدعو إلى اعتبار محورية الإنسان وتخليق السياسة، فلا سياسة بدون قيم وبدون إعادة الاعتبار للإنسان، ذاك المخلوق المشرف المكلف الذي لا بد أن يصبح قيمة مركزية للوجود، لا مجرد آلة تخدم مصالح الأقلية. “وبدل الخضوع لما تمليه “الواقعية السياسية” يجب الالتزام بمبادئ السياسة الحقيقية الأصلية”.[13] تمج التوافق العالمي على مبادئ يسهل لمن يكثر الحديث عنها أن يخرقها، يتحدثون عن التعددية وحقوق الإنسان ودولة الحق والقانون لذر الرماد في عيون الشعوب التواقة للحرية، “ثلاثية يترنم بها الدكتاتوريون الأقزام المنضوون تحت لواء العولمة، ويعلقون تميمتها على أعناقهم المرهونة. هم يضعون ترسانتهم التعويذية المتمثلة في الأحزاب المعروضة على الواجهة المعَولمة وينظمون انتخابات نعرف نتائجها مسبقا ويفرجون عن بضعة سجناء سياسيين وعن نتف من الأسرار المنبعثة من حدائقهم السرية. لكنهم لا ينجحون في الواقع إلا في ذر الرماد في عيون من ينخدعون طوعا بهذه المسرحية”.[14]
يمرر حكام الجور اغتيالهم للشعوب المحقورة تحت مسميات شتى، ويركبون الديمقراطية التي أصبحت في هذا الزمن العالمي “محارة جوفاء ومعلما متموجا”، هي “كما يريدها ويقبلها مدبرو العولمة سلاح متطور لاغتيال الثقافات الأخرى دون أدنى شعور بالذنب، إذ باسمها يدعى “المجتمع الدولي” إلى الانسجام القسري، وتطالب الثقافات بالانصهار”.[15].
تعبر الأستاذة ندية ياسين عن مواقفها السياسية بكل وضوح، واستطاعت أن تدعو إلى ما أحجم غيرها عن المطالبة به أو تحديث نفسه به حتى. طالبت جهارا بتغيير نظام الحكم لأن الوراثة تنافي المبدأ الشرعي في التولي، وعبرت عن أن النظام الجمهوري الأقرب إلى الإسلام، ولا تزال متابعة بتهمة المس بالمقدسات. كما منعت من السفر عدة مرات ومن المشاركة في أشغال مؤتمر حول النسوانية الإسلامية باليونيسكو، وضيق عليها وعلى الدعوة التي تنتمي إليها. تعلق عن هذا الوضع قائلة: “لأننا ننتمي إلى عالم لا ينتمي الحوار إلى تقاليده السياسية. الكلمة الحرة لها وقع الزلزال في حضارة “أطع واصمت”، وهذه ردة سياسية بدأت مع الأمويين واستفحلت في الأمة، ومن واجبنا العمل على تجاوزها وإحياء مبدإ حرية التعبير الذي يجسده بامتياز موقف سيدنا علي رضي الله عنه حين حاور بكل تحضر أحد الخوارج الذي أعلن له في الملإ عدم اعترافه بخلافته. المحاكمة تندرج في سياق هذه الردة وهي تجلي آني لفلسفة قديمة لحكام الجبر، ثم إن حلّلناها على ضوء حاضر واقعنا المغربي فهي دليل على تذبذب في اتخاذ القرارات وعلى شيخوخة مستشرية في النظام، فما أصبح تصريحي قضية إلا بسبب قرار وخيار بليد للمخزن (السلطة)”.[16]
كما ترفض ندية ياسين ما يصطلح عليه بالسياسة السياسوية التي تجعل من المشاركين فيها مجرد بيادق على رقعة الشطرنج، تحركهم الجهة الحاكمة وفق رغباتها. وهي في ذلك تستمد من القراءة المنهاجية لتاريخ الحكم في الإسلام الذي انقلب بعد نبوة وخلافة راشدة إلى ملك عضوض يعض على الأمة بسلطان الأُغَيْلِمة والذي حول الحكم من شورى إلى وراثة، فجبري متسلط بقوة السيف والقهر، يلوح بشعارات الإسلام ولا يكاد يطبق منها إلا ما يتلاءم وأهواءه، انكسار تاريخي كان له أثر بالغ على مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، كما انحبس الفقه وسُدّ باب الاجتهاد. “نحن كأناس يقرؤون التاريخ بأعين جديدة، انتزعنا الحق في أن نقول بدون أن نخشى لومة لائم: إن الملك المتوارث ليس من شريعة الإسلام”[17].
تؤمن الأستاذة ياسين بضرورة انخراط مكونات المجتمع المدني وقواه الحية في عملية التغيير: “نحتاج إلى بعضنا البعض ونستطيع حل مشاكل بلدنا الصعبة فقط من خلال العمل الجماعي، ولن يتم ذلك إلاّ عبر قنوات ديموقراطية وانتخابات حرّة ونظام سياسي متعدّد الأَحزاب وفصل السلطات واستقلال سلطة القضاء. فمن حقّ سكان المغرب التمتّع بالديمقراطية. لكن في البداية يجب على كلّ القوى الاجتماعية أَنْ تعمل سوية، من أَجل تغيير الدستور”[18]. الذي تطرح بديلا له: “نحن نطرح البديل للدستور الحالي وهو الميثاق الإسلامي وعلى أساسه سيقوم المجتمع المدني الحقيقي بدلا من الوهمي الذي أنشأه النظام “.[19]
المجال الحقوقي
لا مجال للارتقاء والتصالح مع الشعوب إلا برفع ربقة الظلم عنها وتمكينها من حقوقها المتنوعة، الحق في العيش الكريم والحق في التعليم وفي العدالة الاجتماعية والحق في الحريات… والحق في التعبد ومعرفة الله تعالى: “هدفي الأساس تحطيم العوائق التي تقوم حاجزا بين الإنسان وبين حقه في معرفة سر وجوده، بمعرفة خالقه”.[20]
طروحاتها الفكرية وعمقها التنظيري لا يمنعانها من المنافحة الفعلية في ميادين التعبئة والنضال لتحقيق هذه المطالب، هي التي ديدنها المشاركة في الفعل المجتمعي والتهمم بأحوال الناس والدفاع عن حقوقهم المهدورة ومطالبهم المشروعة. فكان أن توبعت قضائيا عند مشاركة لها وباقي أفراد أسرتها في وقفة احتجاجية سلمية منددة بواقع حقوق الإنسان بالمغرب في العاشر من دجنبر 2000 وحكم عليها بأربعة أشهر موقوفة التنفيذ وغرامة مالية.
نعيش زمانا أصبح يباع فيه كل شيء حتى السياسة، وكل سياسة “لا تؤمّن استقرار الرأسمالية العالمية ملفوظة، ولذا ليس على الشعوب سوى الانحناء التام أمام الهيئات النقدية الدولية والالتزام الحرفي بسياسات التقويمات الهيكلية والاستراتيجيات الأخرى التي فاقتها همجية. والنتيجة المأساوية أن الغالبية الساحقة من أفراد الشعب محرومون من أبسط الحقوق الضرورية، وأولها الحق في تعليم حقيقي لا يمثله النظام التعليمي الحالي الذي أثبت فاعليته في تبليد العقول وتخدير الكفاءات. وهكذا تدوسنا طاحونة البؤس ويتفكك مجتمعنا الذي هدت أركانه الأنظمة السياسية المتعاقبة عليه والتي عملت على استعباد الشعوب واستغلالها وتسخيرها وخيانتها وفي نهاية المطاف بيعها لأعدائها”.[21]
توجه دعوة الانعتاق للإنسان باعتباره إنسانا بعيدا عن اعتبارات القومية والدين واللون، تدعوه للنهوض، للمطالبة، لرفض الاستعباد: “أيها المعذب من كل الأمم، تمرد! ذاتك تسلب منك، جرحك يغور وحقيقتك تتبرأ منك!”.[22] “فأنا لا أكتب فقط رغبة في المضي قدما على درب الاعتراض والاحتجاج، بل واجبي مثل كل مسلم ومسلمة أن أميط الحجب الثخينة التي تمنع الآخر من تلقي الرسالة القرآنية، رسالة الله عز وجل إلى الإنسان، كل إنسان… فأنا أؤكد أني أكتب حبا للإنسان، مُواطن الحداثة الذي يصده هذا الركام الهائل من التعميات عن إدراك مغزى وجوده والحصول على تذكرة تؤهله لولوج عالم الإنسان الحقيقي”.[23]
روح العزم هاته وعلو الهمة نجدهما حاضرين وبكل قوة في فعل الأستاذة ندية ياسين اليومي داخل الجماعة وخارجها، تشارك وتدعو للمشاركة والإسهام والفاعلية في اتخاذ القرارات.
مُساءلة الحداثة
لا لأن الأستاذة ترفض كل جديد، أو تتحامل على ما عند الآخر، “فالذين يعرفون الإسلام من قناة غير وسائل الإعلام الموجهة يعلمون جيدا أن العالمية لا يمكن أن تخيف أتباع رسالة تطمح إلى الكونية، ونقد الحداثة لا يعني رفض التحاور معها والامتناع عن المساهمة الفعالة فيها لأن الله عز وجل قدّر أن تكون الحداثة، ولذلك لابد أن يأخذ الإسلام هذا المعيار بعين الاعتبار. كما أن الغرب يحتاج هو أيضا لأن يتأمل ذاته في أعين الشعوب المستضعفة حتى يتمكن من تعديل مستقبله ليصبح إنسانا. فالحداثة واقع والإسلام أمل”.[24]
ترى ندية ياسين أن الحداثة مالت عن الوجهة الصحيحة لما استضعفت الشعوب، وعضت بنواجذ الاستحواذ على خيرات الأمم، وبلدت المشاعر وضللت الإعلام وقسمت العالم إلى شمال مستحوِذ وجنوب مستحوَذ عليه. ليس المطلوب محاربتها بل تطويعها وأسلمتها لعرض رسالة الإسلام ناصعة على الإنسان المضلَّل المعذب.
وتعتبر الأستاذة ياسين أن الحداثة بهذا تكون واقعا يفرض علينا مد جسور التقارب وأواصر ترابط تحترم خصوصيات الشعوب، واختلاف الهويات، وأمام العقبات التي تهدد وجود الحداثة وإنسان الحداثة، لو تم الإنصات لنداء الفطرة… لنداء الإسلام، لتخلقت، ولأشبعت ظمأها الروحي ولتمكنت من إيجاد حلول لما يتهدد إنسانيتها، لأن الإسلام يظل “ذلك الوفاق الاجتماعي الذي شهده التاريخ، والذي علينا أن نطلع عليه الإنسان بكل صدق. يظل الإسلام السبيل الذي يجب سلوكه للإفلات من الكارثة البيئية وإعادة ترتيب أولويات الإنسان”[25].
ولعل الإسلام المقصود ذاك الاستسلام للخالق الواحد الذي لا يرتبط بعرق أو لون، ذاك الدين الخالد الذي ربط الله تعالى به بين خبر الأرض والسماء، وأسعف البشرية التائهة بجوهر يتناقض مع الصورة التي يقدمها بعض المسلمين عن الإسلام، تلك النفحة العلوية التي غزت القلب قبل الأرض بمحبة وعدل وإخاء. لابد، ونحن نقدم هذه الصورة الحقيقية عن الإسلام، أن نزيل تلك الصورة النمطية المرتبطة بإسلام رسمي مبتذل أو إسلام سيء فهمه أو ارتبط ظلما ببطون متخمة مترهلة أو زوج فاسدة أخلاقه أساء العشرة وطلق بلا إعلام وترك وراءه امرأة مكسورة وشرذمة من الأطفال الضائعين. “إن السبيل الوحيد لتخليص الإسلام من الفظاعة التي ألصقها له ممثلوه الرسميون هو الرجوع إلى تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم المناقضة تماما لهذه الهمجية والدناءة”.[26]
وإذا كان الإنكار الغربي لمشاركة المسلمين في بناء التاريخ وتحقيق التطور العلومي والنقلة الحضارية ثابتا، فإن ذلك لا يعدو أن يكون ثقبا أسود في تاريخ البشرية ورغبة غربية في الاستحواذ الكلي على الحداثة واحتكار حق ولادتها.
بهذا العمق الفكري والدعوة الحانية والقوة في الحق صدحت في المحافل الدولية التي شاركت فيها، والموقع الإعلامي الرقمي الذي كانت تديره، والكتابات التي خطت يمينها.
تحرير وسائل الإعلام
ناقشت الأستاذة ندية ياسين حال الإعلام ودعت إلى تحرير تلك قوة كان بالإمكان، في نظرها، أن تتحول إلى وسيلة فعالة مترجمة لآمال الشعوب وأحلامهم، ومعبّرة عن آلامهم الغائرة في شتى المناحي والمستويات. لكنها بفعل العولمة الكاسحة تحولت إلى مخدر للشعوب خاصة شعوب الجنوب، مظاهر استلاب وتردي تظهر على ناشئتنا نتيجة الفعل التواصلي غير المتكافئ بين الشمال المستحوذ المالك لناصية الإعلام، والجنوب البائس المتبلد المستقبِل دون أن يلقَّح بمضادات حيوية من الأخلاق والكفاف والغنى البدني والفكري. فتخضع أمتنا وشبيبتنا الغُلْف من درع الصيانة، اليائسة من الحاضر، الخائفة على مستقبل غامضة ملامحه، المتلهفة على استقبال ما يُعَب في واقعنا وعقولنا من وافدات لا تخدم في نهاية المطاف سوى سادة العالم وأذنابهم المتحكمون في بلدان الجنوب فتكون النتيجة مأساوية بكل المقاييس: تبعية عمياء، استلاب ثقافي، فساد الأخلاق، وتمزق للنسيج المجتمعي والقضاء على “كل إرادة للمقاومة، وكل رغبة في الاختلاف، وكل استشراف جدي للمستقبل”.[27] “كيف السبيل إلى التطور وإلى المنافسة الاقتصادية ووسيلة الإعلام الوحيدة التي تتوفر عليها هذه البشرية المهمشة هي التلفزة الجماهيرية التي تهجم برامجها التافهة غالبا على المشاهدين، فتبلد أذهانهم وتمحو قيمهم وتخنق ثقافتهم وتمارس إبادة نفسانية حقيقية في بلدان الجنوب. ففي هذه المناطق المحرومة من كل سلاح فكري ضد الزحف المأساوي للغباوة بفعل الأمية الكاسحة، تتلوث العقول بشكل أخطر”.[28]
لابد من التحذير من العولمة التواصلية التي لا تدع خيارا للمنهزم سوى الخضوع، التي تتلاعب بالرأي العام وتزيف الحقائق وتهدئ الضمائر الثائرة وتشتت قيم الصحافة تحت منطق الكسب والتجارة وتفقد مواطن الحداثة الإحساس بالواقع. لابد من الانسلاخ من عقلية المواطن المستهلك إلى عقلية الناقد العالم بمستور التضليل الإعلامي الذي لا يسمح بنشر إلا بعد رقابة قانونية يضعها الكبار “ونظن أننا نرى وقائع، لكنه مجرد خطاب لا يمكن التحقق منه وصور مفبركة تتهاطل على رؤوسنا وبيوتنا، لأن الصورة هي السلاح الأقوى الذي تمتلكه الحداثة المتواصلة فهي تلتصق بالدماغ قبل الشبكية، وتستقر فيه قبل أن تنفتح أبواب الفهم”.[29]
ولوعيها الشديد بمحوريته وليؤدي دوره النبيل في بناء مجتمعات الأخوة الإنسانية، دعت إلى تخليقه وتحريره وهي ترى أنه سلاح الكبار في السطو والاستعباد. وهي تشهد عيانا كيف يمنع الإطار الذي تشتغل فيه من تبليغ دعوته عبر وسائل الإعلام، أو على الأقل عرضها على الشعب بوضوح وصدق وتمكينه من حق قبولها أو رفضها، وهي تشهد صبيةً المنع الذي طال كل منبر أنشأته الجماعة لا لشيء إلا لأنه يخالف منطق من يحكمون، وهي ترى كيف تزيف الحقائق وتنتزع حقوق الشعوب المستضعفة حول العالم وتعرض الصورة مبرأة من كل عيب، منافية للواقع متسترة عن حجم الجرائم المرتكبة.
الحوار بين الإسلام والغرب
ناقشت الأستاذة ندية ياسين الغرب بعين خبرت ثقافته، ونهلت من معينها، ووقفت عند دقائقها نتيجة لتكوينها الثقافي، فقد تغذت على تراث فرنسا رائدة الثقافة الغربية، وسبرت أغواره[30].
وعلى الرغم من الصدام الحضاري الذي يتزعمه الغرب ويشعل فتيله خوفا من ذاك البعبع القادم المتمثل في الإسلام، وتجاوزا لكل التنظيرات التي تصوره فزاعة العالم المتحضر، فإن تقريب وجهات النظر وحسن تدبير الاختلاف ونزول كل طرف من برجه العاجي ضرورة لتحقيق التعارف والتعايش والتقارب والسلام: “فبعيدا عن كل اختلاف في العقائد، وبعيدا عن كل سجال إيديولوجي فلا مناص لنا من الحوار. أما النظرة الشزراء من هذا الجانب وذاك من الحوض المتوسطي فلن يقودنا إلى شيء”.[31]
إصلاح العلاقة مع الغيب
تلك العلاقة التي تنكر لها الكثير من المعاصرين للأسف الشديد وإن حسبوا أحيانا على التيار الإسلامي. تلك العلاقة التي لا تنافي التحضر والعلم بل تفتل في معناه وتدعو إليه، علاقة تربط المؤمن بخبر السماء، بالحياة والموت، تعطي للحياة معنى وللوجود حقيقة ولا تمنع من المضي قدما في المزاحمة في ميادين الكسب والتعلم والتفوق في مجالات السياسة والاقتصاد ودمقرطة المجتمعات، تلك العلاقة التي لا تظهر عند المؤمن المتعبد بين أسوار المعابد بقدر ما يشع بها كذلك في الملإ والملتقيات دون أن يستشعر النقصان ولا الهوان، تصديق يحوّل “المنحرف إلى كائن كوني قادر على تسخير العوالم بشرط أن يكون عهده مع الله وثيقا”.[32] علاقة ترى أنها لم تمنع ربعي بن عامر رضي الله عنه من الصدح جهارا في حضرة رستم القائد الأعلى لجيوش كسرى: “الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضِيق الدنيا إلى سعَتَها، ومن جَوْر الأديان إلى عدل الإِسلام”. وتؤكد: “الإسلام هويتي حتى النخاع، وهذا معناه أنني لا أستحيي أبدا من الجانب الغيبي في ديني ولا أجد أي حرج تجاهه. الإسلام لا يمثل حضارة ولا ثقافة، ولكنه أولا وقبل كل شيء إيمان بالغيب. فإن كان العدل طرد من طرف حكامنا، فالغيب طرد بسبب نحلة الغالب المادي المستعمر. لقد أحيينا في إطار استعادة هذين البعدين سنة قص الرؤى التي أعارها علماء المسلمين اهتماما بالغا وأقاموا علوما مرتبطة بها. لقد أحيينا هذه السنة ولا نعطيها إلا الحجم الذي حدده المعلم الأول صلى الله عليه وسلم. نستبشر بها ولا نتعلق بها”.[33]
محورية الأسرة في التغيير
تعي الأستاذة ندية ياسين محورية الأسرة في البناء الاجتماعي والاستقرار الدعوي، وتدرك مدى البؤس الذي يمكن أن يطال الأسرة عند ارتجاج العلاقات داخلها وذبول وهج المودة والرحمة الذي جعله الله تعالى أساسا لها وتربتها الخصبة. ومن ثمة ترى أن المعالجة الفعلية للواقع الأسري ينبغي أن تمر، بعد التحلي بالقيم والنهل من المخزون الإنساني من الآداب في المعاملات، من مدخل إصلاح قوانين الأحوال الشخصية لرفع التحكم في رقاب النساء باسم الدين، ودفع التحكم الذكوري الذي يستبد باسم القوامة بعيدا عن إدراك المقصد الرباني: “نحن أول من طالب برفع القداسة عن المدونة لأننا نرى أن المدونات في جميع البلدان العربية والإسلامية ما هي إلا مرآة للأنظمة الحاكمة، فالنظام أوتوقراطي وديكتاتوري والأسرة الحاكمة تعاني نفس الأزمة حيث أن الحكم والتحكم والسلطة في يد الرجل داخل الأسرة الحاكمة نفسها، وكأن الأنظمة العربية أرادت أن تريح نفسها من 50 بالمائة من السكان الذين يحكمونهم وتمثلهم المرأة.”[34] وقد كانت عمليا من المعارضات للمدونة والمطالبات بتغييرها وتمكين المرأة من حقوقها التي ضمنها لها الإسلام وحرمها منها المتحكمون، كما كانت من الرافضات لما اصطلح عليه محليا بخطة إدماج المرأة في التنمية من منطلق الرفض للتبعية للآخر وإملاءاته في دول العالم الثالث: “إننا نؤمن بأن أي تغيير يجب أن يكون نابعا من ذواتنا. والخطة كما تعلمون هي ممولة من البنك الدولي. وإلى عهد قريب جاءنا البنك الدولي بسياسة التقويم الهيكلي التي تلغي مجانية التعليم والخدمات الصحية. فكيف يعقل أن يأتينا بخطة العمل الوطنية لإدماج المرأة في التنمية بمشروع لمحو الأمية وتعميم الصحة الإنجابية؟!… خطة إدماج المرأة… أقصت الشعب المغربي، مما يرفع عنها صفة الوطنية”.[35]
وعلى الرغم من الاستبشار الذي حصل في الوسط المغربي نتيجة تغيير مدونة الأحوال الشخصية بمدونة الأسرة، رأت أن “مشكلة المرأة المغربية ليست مشكلة مسميات، إنما هي مشكلة منظومة قانونية مستمدة من التراث الفقهي الذي لم ينصف المرأة، هذا من جهة، ومن جهة ثانية: إذا كانت مدونة الأسرة قد تضمنت نقاطا إيجابية كما يرى البعض. فنحن نرى الأمر من الأعالي؛ فحتى لو كانت هذه المنظومة ترعى مصلحة المرأة، ما هي الضمانات لتنزيل هذا القانون وتطبيقه في بيئة يسودها الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي والاقتصادي والفساد الإداري والأخلاقي، ومع وجود ذهنيات ونفسيات مترسبة في العقول راسخة في القلوب”[36].
الفن الرسالي الهادف
تؤمِن بالفن الرسالي الذي يخدم المعنى ويدعم القيم، ذاك الفن الذي ارتقى بالأذواق قبل أن يتدحرج من عليائه إلى قعر السفاهة والجمالية المشوهة التي تظهر ضياع الإنسان البعيد عن ربه، وليستجيب لمتطلبات السوق وتُلهّى به الشعوب عن قضاياها المصيرية: “ذاك هو الفن الحديث… تعبير عن معاناة ناتجة عن عالم غير ذي معنى، وأولئك هم الفنانون: مجرد مسلّين للجمهور لكنهم في أعماقهم مهرجون تعساء”[37].
الفن عند مواطن الحداثة مجرد مسكن للوعة الروح ولظمإ المعرفة الحقة والانقطاع عن النبع النوراني، فتهاوى عن الجمالية ليعانق الدمامة حسا ومعنى، وليمجد الجنس أو يدعو إلى الفجورـ، أو يترنم بالتعصب المذموم، أو يعبر عن مآسي عالم بلا معنى.
تؤمن بذلك الفن الذي لا يُتّخذ إلها من دون الله تعالى. وحسها الفني الرائق الذي جعلها تتذوق الكلمة المنتقاة والصوت الشجي والمسرح الهادف والشعر المعبر والرسم الذي يحلق بناظر رسوماتها في علياء الجمال والبهاء. كل ذلك لا يلغي روحانية عالية ولا يضيع الأوراد والأذكار.
ربت أخواتها في جماعة العدل والإحسان على هذه الأذواق العالية، كما زرعت فيهن البعد عن الأعرابية والخشونة سواء بسواء.
خلاصات
لقَد أثلَت الأستاذة ندية ياسين مشروعا فكريا إصلاحيا متنوع الروافد والمجالات، لبه وأس أمره التربية وتقويم العلاقة بالله تعالى، وجناحاه إقامة العدل والمساواة، وعموده إشراك المرأة التي لا يستقيم حال الأمة بتعطيل قدراتها والتمكين لها في المجالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية من منطلق الاستحقاق لا من منطلق “الكوطا” والتحديد المسبق، ورأس سنامه الدعوة إلى الله تعالى وبث جسور الحوار الجاد مع كل طاقات الأمة وفعاليات المجتمع بل وخلق الله جميعا، لإيجاد مواطن الاتفاق لتشييد صرح مجتمعات الإخاء والتشارك، ونبذ مجتمعات الكراهية والاستحواذ. تدعو إلى رحمة الإسلام الذي ما كان يوما تقوى عاجزة ولا همجية متعنتة، ولا إرثا خاصا بالمسلمين بل رحمة للبشرية جمعاء، كما تؤمن أن التغيير الحقيقي يكون بسواعد الرجال والنساء وكل مكونات المجتمع وطاقاته الحية.
كما تنبذ الاستبداد والاستعباد تدعو إلى استعادة الكرامة الآدمية التي سلبتها قرون العض والجبر، حتى يصير الإنسان المشرف المكلف أساس كل وجود. ولا مشكل لها مع حداثة تحتاج إلى أسلمة، تحتاج إلى تقديم الصورة الحقيقية للإسلام غير تلك التي يسوق لها الإعلام الأجير أو الموجه وفقا لأجندات أسياد العالم.
لا بد أن يتم الحوار بين الشمال والجنوب، ولابد من تدبير الاختلاف الداخلي ومع الآخر لأن “أبناء الغرب يمكن أن يسهموا في انبعاث الإنسان، وإتاحة الفرصة للإنسان بإعادة اكتشاف الفضيلة والولاية في عصر القسوة القلبية والجفاف الروحي”.[38] وذاك هدفها من تواصلها في المنتديات الدولية والمحلية لمد جسور التواصل والحوار مع مكونات المجتمع المدني والنسائيات، والفاعلين الجمعويين والفاعلات، والباحثين والباحثات، والأكادميين والأكاديميات، والمفكرين والمفكرات من مختلف المشارب. ومن المحطات على سبيل المثال تنظيمها ضمن مؤسسة القطاع النسائي اليوم الوطني للحوار.
لا محيد، في نظرها، عن ضروريات لتحقيق التغيير:
- التغيير السياسي لتجاوز الاستبداد.
- دمقرطة المجتمع وتحقيق العدل بين أفراده.
- الفاعلية في الفعل المجتمعي: لا للانتماء الشكلي والحضور الباهت.
- تحرير الإعلام من قوى الاستحواذ والاستعباد ليبلغ كلمته حرة.
- العناية بالتعليم لتتفتح العقول للفهم وتقوى السواعد على العمل لتحقيق قوة الأمة وعزتها.
- معالجة الشق الإيماني بالتربية على شعب الإيمان طلبا لمدارج القرب، وحتى لا تدور رحى الناس على فراغ روحي مقيت وفساد الهوى والخسران المبين، ومعالجة الشق السياسي بالتدافع المطلوب لإحقاق العدل وإقامة ميزان النصفة وإنقاذ الإنسان المعذب، ولبناء مجتمعات البر والأخوة الإنسانية الجامعة.
- فتح باب الاجتهاد الجماعي للتمكين لدين الله تعالى، ولتحرير الفقه من سجن قرون العض والجبر، وللتصدي لمشاكل العصر وتحديات عالم موار، ومكابدة واقع اشتدت انحرافاته، والبحث عن المسلك الإيماني في ظروف متغيرة ومع أجيال لها ما يميزها.
- تحرير المرأة من فقه التشدد وسفاهة التحرر المخزي المروج للرذيلة باسم الحرية، وتربيتها لتشرئب بعنقها إلى نماذج الكمال من النساء اللواتي لم تمنعهن فاعليتهن في مجالات الحياة من حفظ أبراجهن وتربية النشء ورعاية الفطرة بعين الحافظية.
إنها الأستاذة ندية ياسين، ذلك النموذج المتميز الذي جمع بين فصاحة القول وعزم العمل ولم تعيه الأسباب عن اقتحام كل العقبات لتبليغ دعوة الله تعالى برفق وتؤدة وقوة في الحق، ومخاطبة بنات جنسها ليعين دورهن في الوجود، ودعوة الإنسان، كل إنسان ليفتح قلبه لنداء الحق، ويديه لمعانقة المشترك، سيرا نحو تأسيس مجتمع الإخاء الإنساني والبر الشامل بالبشرية جمعاء.
المراجع
[1] ياسين ندية: "اركب معنا، دعوة إلى الإبحار"، تطوان، مطبعة الخليج العربي، الطبعة الأولى، 2005، ص: 178/179.[2] الوطن العربي، حوار مع ابنة الزعيم الإسلامي المغربي الشيخ ياسين، عدد 1270، الجمعة 6 يونيو 2001، السنة الخامسة والعشرون حاورها محمود صادق، ص14.
[3] الوطن العربي، حوار مع ابنة الزعيم الإسلامي المغربي الشيخ ياسين، مرجع سابق، ص: 14.
[4] حاورها، كايل ماكنيني، 10 أيلول/سبتمبر 2008، صدى تحاليل عن الشرق الأوسط، https://carnegieendowment.org/sada/.
[5] www.lahaonline.com/articles/view/1030.htm، الداعية المغربية "ندية ياسين" في حوار مع لها أون لاين، 7 جمادى الآخرة 1425 هـ| 25 يوليو 2004، حاورها د. سلام نحم الدين الشرابي.
[6] الداعية المغربية "ندية ياسين" في حوار مع لها أون لاين، مرجع سابق.
[7] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 327.
[8] كتاب في جزأين للأستاذ عبد السلام ياسين، طبعة عام 1993.
[9] ينظر: الوطن العربي، حوار مع ابنة الزعيم الإسلامي المغربي الشيخ ياسين، عدد 1270، الجمعة 6 يونيو 2001، السنة الخامسة والعشرون حاورها محمود صادق، ص: 15.
[10] عن الجزيرة، 13/12/2006، "النظام يئس من التفاوض مع العدل والإحسان"، حاورها، الحسن السرات، الرباط، www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2006/12/13.
[11] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 7.
[12] عن الجزيرة، 13/12/2006، "النظام يئس من التفاوض مع العدل والإحسان"، حاورها، الحسن السرات، الرباط، www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2006/12/13.
[13] "اركب معنا"، مرجع سابق، ص: 9.
[14] "اركب معنا"، مرجع سابق، ص: 108.
[15] "اركب معنا"، مرجع سابق، ص: 109.
[16] عن الجزيرة، 13/12/2006، "النظام يئس من التفاوض مع العدل والإحسان"، حاورها، الحسن السرات، الرباط، www.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2006/12/13.
[17] الوطن العربي، حوار مع ابنة الزعيم الإسلامي المغربي الشيخ ياسين، عدد 1270، الجمعة 6 يونيو 2001، السنة الخامسة والعشرون حاورها محمود صادق، ص14.
[18] أَجرت الحوار ألفرد هاكنسبرغر ترجمة رائد الباش حقوق الطبع قنطرة 2006، https://ar.qantara.de.
[19] حاورها، كايل ماكنيني، 10 أيلول/سبتمبر 2008، صدى تحاليل عن الشرق الأوسط، https://carnegieendowment.org/sada/.
[20] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 23.
[21] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 8.
[22] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 21.
[23] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 23.
[24] "اركب معنا.."، مرجع سابق ، ص: 156/157.
[25] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 164.
[26] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 177.
[27] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 146.
[28] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 146.
[29] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 155.
[30] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 19.
[31] "اركب معنا.."، مرجع سابق ، ص: 204.
[32] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 258.
[33] عن الجزيرة، 13/12/2006، "النظام يئس من التفاوض مع العدل والإحسان"، حاورها، الحسن السرات، الرباط، ww.aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2006/12/13.
[34] حاورها، كايل ماكنيني، 10 أيلول/سبتمبر 2008، صدى تحاليل عن الشرق الأوسط، https://carnegieendowment.org/sada/
[35] انظر: موقع أونلاين، 7 جمادى الآخرة 1425 هـ| 25 يوليوز 2004، "بيضة الإسلام اليوم تكسرت ومقاصد الشريعة أصبحت مطالب"،
حاورتها: سلام نجم الدين الشرابي، www.lahaonline.com/articles/view/1030.htm
[36] بيضة الإسلام اليوم تكسرت ومقاصد الشريعة أصبحت مطالب، مرجع سابق.
[37] "اركب معنا.."، مرجع سابق، ص: 48.
[38] "اركب معنا"، نفسه، ص: 422.