توطئة

لا يمكن أن يذكر رواد الإصلاح الذين زينوا بجهودهم بلاد المغرب الأقصى إصلاحا وإرشادا وبناء لصروح الصمود والإباء والكلمة الحرة في القرن العشرين، دون أن تذكر الجهود النسائية في الإصلاح بل التغيير التي انخرطت فيها المرأة بامتياز، وكانت واسطة عقدها الأستاذة ندية عبد السلام ياسين.

لن أدعي أن هذه الورقات ستحيط إلماما بكل جهودها الإصلاحية، لكن حسبها أنها ستميط اللثام عن معالم شخصية فذة أرادت السياسة والظروف المحيطة أن تغمرها، أو أن تشكك في نياتها وتلمزها، وأبت أقلام من خبروها إلا أن يكتبوا عنها، وأصداء أعمالها وجهودها إلا أن تكون دليلا عليها. ولعل القدر يسمح في القابل من الأيام أن تتبع بمجهود أكثر عمقا واتساعا لا يذر جانبا من جوانب حياتها ولا مجالا من مجالات إصلاحها إلا كال منه بأوفى مكيال.

ندية عبد السلام ياسين.. نشأتها ومسارها

هي من فرائد زمانها، وشامة من شامات بنات جنسها، الأريبة اللبيبة ندية عبد السلام ياسين، صوت من أصوات الحرية والعدالة والإصلاح التي صدحت في بلاد المغرب الأقصى في أواخر القرن العشرين. ولدت في دجنبر 1958 بالبيضاء، وتربت في بيت علم وحوار، متلقية تعليما فرنكفونيا في مدارس البعثة الفرنسية لم يلغ واجب الوالدين في التربية والتكوين والتوجيه والتسديد، مما أثر إيجابا في تكوين شخصية متكاملة مستجمعة لنواصي لغات وعلوم وفهوم، ومما أهلها للتواصل والتحاضر باللغة العربية والفرنسية.

انصب تكوينها الأكاديمي على علوم السياسة في رحاب كلية الحقوق بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس. فتخرجت سنة 1980 لتمارس التدريس أربع سنوات قبل أن تتفرغ للعمل الدعوي في جماعة العدل والإحسان، خاصة بعد أن سجن والدها للمرة الثانية من 1983 إلى 1985 بسبب انتقاده للملك الحسن الثاني رحمه الله في مقاله: “رسالة القرن الملكية في ميزان الإسلام”[1]. لعبت أدوار الأبوة والأمومة مع بناتها الأربع لما طال الاعتقال زوجها الأستاذ عبد الله الشيباني بمعية أعضاء مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان من 1990 إلى 1992.

توجهها السياسي ومواقفها المبكرة كانا مانعين دون انخراطها في استكمال سلكي الماستر والدكتوراه، لكنهما لم يمنعا استمرارها في البحث والتنقيب والطلب والتواصلين الداخلي والخارجي حتى سطع نجمها وتميزت بمواقفها، ونالت شهادة دكتوراه فخرية من جامعة تنريف  (Tenerrife).

أما علاقتها بأبيها مؤسس ومرشد جماعة العدل والإحسان الشيخ عبد السلام ياسين فليسَت لعلاقة الوالدية القائمة فحسب، أو لكونها البنت البكر، بل لتميزها وظهور نبوغها وصلابة عودها وهي بعد لم تشب عن الطوق. عاينت مع أبيها الإمام رحمه الله علاقة الشد والتوتر مع النظام وسنوات السجن والإيداع في مستشفى المجانين[2] والحصار الذي عانت هي الأخرى؛ إذ منعت لردح من الزمن من رؤية أبيها ومجالسته. كما شهدت المداهمات البوليسية لبيت الأسرة مذ كانت صبية وكانت تقف كالطود الشامخ منافحة مدافعة.

هي من خير من وعى مشروعه التجديدي وتشرب مواقفه وبلغها دون وجل أو خجل بالصيغة النسائية، بعين الحافظية، ومن خير من تتلمذ على يديه وصحبه صحبة مباشرة.

حضورها الفكري وكتاباتها

شاركت الأستاذة ندية ياسين المحاضرة والكاتبة في لقاءات فكرية ومؤتمرات وندوات دولية بالعديد من الدول؛ إسبانيا وهولندا ولبنان والولايات المتحدة الأمريكية وهنغاريا على سبيل المثال لا الحصر. وجابت داخليا الكثير من مدن المغرب مواسية موجهة ومحاضرة ومتواصلة مع من يحملن هم الدفاع عن حقوق الإنسان وإنقاذ المرأة الإنسان وإعادة الاعتبار لمكانتها الاجتماعية الفاعلة داخل الوطن والأمة باعتبار قضية المرأة لا تنفك عن قضية الرجل، وكلاهما مورس عليه الظلم التاريخي ضمن مسوغات ومسميات متعددة، كما لا يمكن لقضيتها أن تحل إلا في إطار حل شامل.

صدر لها في سنة 2003 كتابها الأول بالفرنسية تحت عنوان: “Toutes voiles dehors” “فلتُشرع الأشرعة” في طبعتين، وصدر مترجما إلى العربية في سنة 2005 تحت عنوان “اركب معنا.. دعوة للإبحار”. كما ترجم إلى الإنجليزية في سنة 2006 تحت عنوان “Full Sails Ahead”. ثم أصدرت رواية فلسفية بالفرنسية تحت عنوان “Le silence de Shahrazade” “صمت شهرزاد”، ولها إنتاجات لم تطبع بعد.

أخذت على عاتقها مسؤولية ترجمة ميراث أبيها الزاخر المؤسس لنظرية المنهاج النبوي. فصدر لها لحد الساعة كتاب “Mon testament” سنة 2014، وهو ترجمة لوصية الأستاذ عبد السلام ياسين من العربية، وكتاب “Histoire et Droit musulmans: Ruptures passées et à venir” سنة 2015 وهو ترجمة لكتاب “نظرات في الفقه والتاريخ” للأستاذ عبد السلام ياسين رحمه الله. وهي بصدد ترجمة مؤلفات أخرى.

لندية ياسين، السياسية والحقوقية، عدة مقالات واستجوابات مبثوثة في صحف ومواقع إلكترونية مختلفة: لوموند وإلبايس ودير شبيغل وتايمز ولوجورنال وإسلام أون لاين على سبيل المثال لا الحصر. عبرت فيها عن أفكارها الإصلاحية التجديدية في مواضيع الحكم والسياسة وحقوق الإنسان وقضايا المرأة بين الفقه المنحبس من جهة وبين التغريب والإباحية من جهة أخرى.

مؤثرات في شخصيتها

  • الأب المجدد: الذي لم يعش لنفسه بل حمل مشروع أمة حان زمان انعتاقها، شديد الارتباط بالشريعة رغم التربية الطرقية صحبة الشيخ العباس رحمه الله تعالى حتى كان يدعى بين القوم بـ”عبد السلام الشريعة”. كثير الرفق، حاني الجانب، عميق الفكرة، قوي الجناب ولا يخشى في الله لومة لائم. صحبته وعاشت معه أطوار دعوته وسلوكه من الزاوية إلى تكوين لحمة جماعة العدل والإحسان. وتشبعت بالمواقف تشبعها بالمعاني، وحلقت عاليا في طريق المعرفة بالله تعالى ذكرا وصوما وقربا والقدم صامدة في دنيا الأنام، تسدد وتقارب وتدعو وتصلح وتربي ما اختلف ليل ونهار.
  • البيئة المحيطة والأسرة والعلاقة المبنية على الحوار والرضى لا التشدد والفرض. مما يربي الأولاد على الرقي السلوكي وتوازن الشخصية وعدم القبول بالظلم، وعلى تقدير الآباء والأمهات والإخوة والأخوات والزوج والبنات وكل مكونات الأسرة الصغيرة والكبيرة.
  • الزاوية وآثار التربية الروحية، وجماعة العدل والإحسان والتحول من مجرد التهمم بالسلوك الفردي إلى الانعتاق الجماعي.
  • التكوين الأكاديمي الذي فتح لها نافذة مهمة على الثقافة الغربية والعلوم الإنسانية والمطالبات الحقوقية.

ابتلاءات في مسيرتها

ما كان لمن يحمل مشروعا تجديديا إلا أن يتعرض لابتلاءات جمة ومحن شتى من جملتها اعتقالها في اليوم العالمي لحقوق الإنسان، 10 ديسمبر 2000، إثر الوقفة السلمية التي نظمتها جماعة العدل والإحسان للتنديد بوضع حقوق الإنسان بالمغرب، رفقة جميع أعضاء أسرتها. وحكم عليها بأربعة أشهر سجنا موقوفة التنفيذ، ومنعها من زيارة أبيها المحاصر في بيته عندما فرض المخزن عليه الإقامة الجبرية، ومتابعتها لحد الآن بتهمة المس بــ” المؤسسات المقدسة للدولة”، بعد نشر استجواب خصت به جريدة “الأسبوعية الجديدة”[3]، عبرت فيه عن موقفها من الملكية ونظام الحكم في المغرب، واعتبرت النظام الجمهوري الأقرب للشريعة الإسلامية.

ملامح من رؤيتها الإصلاحية

تؤمن الأستاذة ندية ياسين بضرورة التغيير الذي في نظرها أول أسسه بعد وعي الهدف وإعداد العدة وحسن التوكل على الله تعالى، وجود الشخصية الاقتحامية الفاعلة التي لا تجد السلبية ولا الانبطاح إليها سبيلا. فـ”القدرة على التوغل قدما في غياهب الحياة من أجل تغييرها يتطلب شخصية مقتحمة لا تنحني أمام عواصف الزمن”[4]. والصبر على طول الطريق بتبصر وتؤدة ودون استعجال لتجنب الوقوع في مطب الارتجالية والعنف. ذلك أن ما أفسدته القرون، لا يمكن أن يعالج بضربة لازب: “كنت سأقول عندنا هدف في المستقبل المنظور، إن كنا نؤمن بالعنف، وإننا نخطط لعشر سنوات، وإننا خلال هذه المدة سنقوم بانقلاب وسنقتل أشخاصا نرى أنهم رمز للفساد، ولكن نحن لا نؤمن بهذا التغيير أبدا، عليك أن ترى ما يقع في أفغانستان وفي الجزائر، هذا ليس حلا، الحل الحقيقي هو أن يكون كل مواطن وكل عضو في الأمة مشاركا ويريد وينتظر ومقتنعا”[5]. تؤمن بالتربية وتمج الإكراه الذي لا يأتي بخير. لأن “سياسة المنع لا تؤدي إلى نتيجة. فحظر الكحول عمل غير معقول. لقد رأينا ذلك في الولايات المتحدة الأَمريكية، حيث لم يؤد منع الكحول إلاّ إلى المزيد من المشاكل. كذلك لا يمكن تحقيق شيء من خلال التعسّف والإكراه. وفي المقابل يمكن تحقيق الكثير من النتائج الطيّبة من خلال الديمقراطية والتربية. من الأَفضل أَنْ نُقنع الناس بأَنّه من الأَفضل لهم الإقلاع عن شرب الكحول وارتياد النوادي الليلية”[6].

خاتمة

كانت الأستاذة ندية ياسين من خير من عبر عن مشروع أبيها ومن خير من ترجم له عمليا على أرض الواقع خاصة في شقه النسائي. تؤمن بضرورة إقامة العدل لأنه مطية الإحسان، وألا ترقي يرجى في مدارج المعرفة بالله تعالى عند من لا يسلك في أذنه إلا النداء الذي يبشر بالخبز، وألا سبيل لتحقيق التغيير وإصلاح حال الأمة وجهود نسائها معطلة، وفاعليتهن موقوفة التنفيذ في الفعل المجتمعي نتيجة لموروث قرون العض والجبر.

المراجع
[1]  عبد السلام ياسين، رمضان 1402، منشورات العدد 10، مجلة "الجماعة".
[2]  انظر: العلمي عبد الكريم والركراكي منير، حوار شامل، ص: 14-15.
[3]  الصادرة في 2 من يونيو 2005.
[4]  ياسين ندية: "اركب معنا، دعوة إلى الإبحار"، تطوان، مطبعة الخليج العربي، الطبعة الأولى، 2005، ص: 22.
[5]  الوطن العربي، حوار مع ابنة الزعيم الإسلامي المغربي الشيخ ياسين، عدد 1270، الجمعة 6 يونيو 2001، السنة الخامسة والعشرون حاورها محمود صادق، ص: 15.
[6]  أَجرى الحوار ألفرد هاكنسبرغر، ترجمة رائد الباش، حقوق الطبع، قنطرة 2006، https://ar.qantara.de.