مقدمة

تقع مدينة الداخلة بأقصى الجنوب الغربي للأقاليم الصحراوية المغربية، وتبعد عن مدينة العيون بحوالي 600 كلم. وتتميز بموضعها عند نهاية شبه الجزيرة التي تحمل نفس الإسم، وكانت تدعى سابقا “كَارة لمنيعة”، والتي تمتد على شكل رأس صخري داخل المحيط الأطلسي على طول 37 كلم وبين 2 إلى 5 كلم عرضا، مشكلة عند التقائها بالمحيط الأطلسي ما يسمى بخليج وادي الذهب. وتعتبر المدينة عاصمة جهة الداخلة وادي الذهب حسب التقطيع الجهوي الحالي في المغرب، والذي يعود لسنة 2015..

وتعتبر مدينة الداخلة من الناحية السكانية مدينة متوسطة، رغم  أنها في طريق الإرتقاء إلى مدينة كبيرة بفعل الحركية الإقتصادية والإجتماعية والتزايد السكاني الذي تشهده في السنوات الأخيرة بفعل الجاذبية الإقتصادية التي أصبحت المدينة تتمتع بها في السنوات القليلة الماضية. وتفيد المعطيات الإحصائية أن عدد ساكنة مدينة الداخلة تبلغ حسب آخر إحصاء عام للساكنة والسكنى في المغرب (2014) تبلغ 106277 نسمة[1].

قصة تأسيس المدينة

يرتبط تأسيس مدينة الداخلة المغربية، بالصراع والأطماع الإستعمارية بين العديد من الدول الأوربية وخصوصا بين فرنسا وإسبانيا، وخاصة في فترة النصف الثاني من القرن 19م، حيث سعت كل دولة من أجل التغلغل في منطقة الصحراء عبر بعث تجار ورحالة ومستكشفين وعسكريين ومثقفين، كان هدفهم الدخول في علاقات مباشرة مع قبائل الصحراء والتمهيد للإحتلال العسكري[2]. ومن هذا المنظور جاء تأسيس مدينة الداخلة، والتي يعود تأسيسها إلى السلطات الإستعمارية الإسبانية، وذلك سنة 1885م/1303ه، وأطلقوا عليها إسم بيَا (فيلا) ثيسْنيروس (Villa Cisneros) نسبة إلى الأسقف الإسباني فرانسيسكو فيرنلديث دي ثيسنيروس (Francisco fernandez de Cisneros)  الذي اختارته الملكة الإسبانية إيزابيل الكاثوليكية (Isabel la Catolica). ففي 16 شتنبر 1877م ترأس ملك إسبانيا ألفونصو الثاني عشر (Alfonso 12)  بمدريد الجلسة التأسيسية للجمعية الإسبانية لاكتشاف الصحراء (Asociacion Espanola para la Exploraction del Sahara)، وبناء على مقرراتها بعثت شركة الصيد الكنارية الإفريقية (Sociedad de Pesod Canario-africanas)  وكيلين عنها إلى شبه جريرة الداخلة وقاما بالإتصال مع بعض المغاربة الصحراويين هناك وعادا إلى جزر الخالدات مدعيان أنهما اشتريا منهم شبه الجزيرة المذكورة، وكان ذلك أواخر سنة 1881م/1299ه[3]. كما شيدت الشركة بناية في خليج واد الذهب[4].

وفي 5 نونبر 1301ه/1883م انعقد بمدريد المؤتمر الإسباني للجغرافيا الإستعمارية والتجارية وكان من بين مقرراته العمل على إنشاء مركز أو مركزين إسبانيين بالشاطئ الصحراوي المقابل لجزر الخالدات (كناريا)، وتأسيس “شركة إسبانية للمستعمرين الإفرقيين”. وقد تأسست بالفعل هذه الشركة في دجنبر من نفس السنة. وفي يوم 9 نونبر 1883 قامت شركة الصيد الكنارية الإفريقية بتفويت حقها (كما تزعم) في شبه جزيرة الداخلة إلى “الشركة التجارية الإسبانية الإفريقية” (تأسست في 9 نونبر 1883)، وقامت هذه الأخيرة بإرسال سفينتين تجاريتين بالقرب إلى الساحل القريب من شاطئ الداخلة في شهر فبراير 1884[5].

وردا على هذه “الصفقة” بين “شركة الصيد الكنارية الإفريقية” و”الشركة التجارية الإسبانية الإفريقية” وما رافق ذلك من تحركات ميدانية، قامت “شركة المستعمرين الإفرقيين” بتكليف الملازم الإحتياطي والمستعرب “إميليو بونيلي” (Emilio Bonelli)  بالقيام بعملية استطلاعية للشاطئ الصحراوي المقابل لكناريا، فقام بجولة بحرية وبرية من رأس بوجدور (خط عرض 27 درجة) إلى الرأس الأبيض (خط عرض 20 درجة)، فاختار على إثر ذلك يوم 3 نونبر 1884 ثلاثة مواضع أقام فوق كل واحدة منها كوخا من خشب ورفع عليها العلم الإسباني، أولها فوق شبه جزيرة الداخلة وأطلق عليه إسم بيَا ثيسْنيروس[6].

وعلى إثر ذلك أصدرت الحكومة الإسبانية يوم 26 دجنبر 1884 بلاغا بمثابة قرار أخبرت فيه الدول الأوربية بأنها قررت بسط حمايتها على الشاطئ الصحراوي الممتد من رأس بوجدور إلى الرأس الأبيض (الكَويرة). وفي يناير 1885 شرع بونيلي في بناء مركز الداخلة بالحجارة، وفي 9 مارس هاجمه الصحراويون المغاربة (قبيلة أولاد دليم) ودمروه، وقتلوا بعضا ممن فيه من الإسبان وأسروا البعض الآخر. وكرد فعل من قبل الحكومة الإسبانية، التي طالبتها شركة المستعمرين الإفرقيين بحماية “مصالحهم” في الداخلة، أذنت مرة أخرى لبونيلي في العودة إلى الداخلة مرة ثانية معززا بكتيبة عسكرية مكونة من 20 جنديا يرأسهم القبطان خوسي شاكون (José Chacon) وذلك في مايو 1885، حيث شيدوا ثكنة دائمة بالداخلة. وفي يوليوز 1885 عين بونيلي مندوبا ملكيا بالشاطئ الصحراوي الممتد من رأس بوجدور إلى الرأس الأبيض. وفي 10 أكتوبر سلمت شركة المستعمرين الإفرقيين حصن الداخلة إلى الحكومة الإسبانية التي قامت باحتلاله عسكريا في 16 دجنبر 1885[7]. وبعد تعيين بونيلي بظهير ملكي قائدا أعلى مدنيا وعسكريا على المنطقة، كثفت إسبانيا من سياستها الإستعمارية في الداخلة وربطت التواصل شهريا بجزر الكناري بواسطة باخرة سمتها “واد الذهب”، كما ظهرت جريدة في مدينة إشبيلية تحمل إسم “واد الذهب” لتشجيع العملية الدعائية لجلب الاستثمار للمستعمرة[8].

وفي المقابل لم تتوقف مقاومة القبائل لإحتلال الداخلة من طرف الإسبان عند هجوم 1885م، ففي مارس من سنة 1887 وكذا في 4 شتنبر 1890 شن المجاهدون المغاربة هجوما على حصن الداخلة من مختلف القبائل وخاصة أولاد دليم وأولاد بسباع والعروسيين ومريدي الشيخ ماء العينين. وقد كانت آخر معركة في نونبر سنة 1894 عندما هاجم الأهالي البنايات الإسبانية في الداخلة[9].

التطور البطيء للداخلة في عهد الاستعمار الإسباني

ورغم الجهود التي بذلت من أجل ترسيخ وجودها الفعلي في حصن بيَا ثيسْنيروس (الداخلة) وباقي أجزاء الشاطئ المغربي الصحراوي، خاصة اتفاقها مع فرنسا يوم 27 مايو 1900، والذي بموجبه اعترفت فرنسا لاسبانيا بحقها في بسط نفوذها على بيَا ثيسْنيروس وجزء من الصحراء المغربية، غير أن إسبانيا فشلت في احتلال أية بقعة من تلك الأراضي باستثناء حصن بيَا ثيسْنيروس. وقد استمرت هذه الحالة إلى يوم 29 يونيو 1916 حيث احتلت رأس جوي (طرفاية) والكويرة يوم 30 نونبر 1920. كما أن إعمار المدينة وإستقرار السكان فيه كان جد متواضع إن لم نقل منعدم رغم مرور سنوات عديدة على الإحتلال الإسباني. وقد عبر عن هذه الحالة المقدم الإسباني خوسيه غونثاليث José Gonzàlez في تقرير كتبه سنة 1905، أي بعد 30 سنة من الوجود الإستعماري الإسباني في المنطقة، قائلا بشكل لا يخلو من خيبة الأمل إزاء عدم وجود الأوربيين في الداخلة: “وادي الذهب، فيلا سيسنيروس، أسماء تشير أو يبدو أنها تشير إلى وجود مستعمرة أوربية والتي لم تخرج بعد عن الطور الجنيني؛ ذرات معزولة لم تجد شريكا لكي تشكل جزيئات؛ فرضية بلا أساس؛ حلم على وشك أن يتبدد كما يتبدد السراب، أسماء ليست فقط إلا لخداع العقول الساذجة وجعل الرأي العام ينحرف عن مسارات الواقع. هذا عمل 20 سنة من الاحتلال ختمت في مراحلها الأولى بالدماء الإسبانية”[10].

وابتداء من سنة 1919 أصبحت مدينة بيَا ثيسْنيروس تابعة للإقامة العامة الإسبانية بتطوان بناء على مرسوم إسباني صدر يوم 25 يناير 1919، وبعد احتلال الإسبان لمزيد من الأراضي الصحراوية المغربية وخاصة منطقة إفني ومدينة السمارة (الساقية الحمراء) سنة 1934 أصبحت الداخلة عاصمة للأقاليم الصحراوية المحتلة من طرف إسبانيا، وذلك إلى غاية 1940 بعد انتقال الإدارة المركزية الإستعمارية إلى مدينة العيون[11].

وفي سنة 1926 لم يكن بالداخلة سوى 35 من الجنود ومدير الشركة العابرة للأطلسي Transatlantica، إضافة إلى مخيم للسكان المحليين، وبقيت المدينة على نفس الحالة ولم تتغير كثيرا رغم مرور السنوات. حيث بقي عدد سكان المدينة قليلا وأغلبهم من الإسبان العاملين في الجندية والصيد البحري، فإلى حدود 1974 لم يتجاوز عدد سكان الداخلة 5413 نسمة، إضافة إلى 3000 من الإسبان. ومن ناحية إعمار المدينة وتنظيم شؤونها، فإن سلطات الإحتلال الإسباني بدأت، بعد حركة جيش التحرير في الخمسينات، في بناء بعض الدور السكنية وتجهيز بعض الإدارات وفتح مدارس وتنظيم انتخابات ابتداء من سنة 1963، حيث تم انتخاب مجلس بلدي يتكون من تسعة أعضاء: أربعة إسبان وخمسة من المغاربة[12].

وقد ظلت المدينة تحت الإحتلال الإسباني إلى أن تم التوقيع على اتفاقية مدريد 14 نونبر 1975 (بين المغرب وإسبانيا ومويتانيا) سنة، فأصبحت المدينة تحت النفوذ الموريتاني تابعة لولاية تيرس الغربية، والتي انسحبت منها فاسترجعها المغرب وعاد إليها إسمها الأصلي: الداخلة، وذلك بعد مبايعة سكان الداخلة وأعيانها وشيوخها يوم 14 غشت 1979 للملك الحسن الثاني، وأصبحت الداخلة حاضرة إقليم واد الذهب، وحاليا عاصمة لجهة الداخلة واد الذهب، وعرفت حركية سكانية كبيرة وتطور اقتصادي كبير قائم على أساس الصيد البحري والسياحة والفلاحة، خاصة تربية الماشية، وانفتحت بشكل غير مسبوق على العالم الخارجي بفعل المطار والموانئ وكذا الطريق البري العابر نحو إفريقيا جنوب الصحراء.

المراجع
[1] أنظر: https://rgph2014.hcp.ma/.
[2] مدخل إلى تاريخ الصحراء الأطلنتية، تنسيق رحال بوبريك، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، ط1، 2010، الرباط، ص125.
[3] محمد ابن عزوز حكيم، معلمة المغرب، ج 12، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 2000، ص 3897.
[4] مدخل إلى تاريخ الصحراء الأطلنتية، تنسيق رحال بوبريك، مرجع سابق، ص 214.
[5] محمد ابن عزوز حكيم، معلمة المغرب، مرجع سابق، ص 3897.
[6] محمد ابن عزوز حكيم، معلمة المغرب، مرجع سابق، ص 3897.
[7]  محمد ابن عزوز حكيم، معلمة المغرب، مرجع سابق، ص 3897-3898.
[8] مدخل إلى تاريخ الصحراء الأطلنتية، تنسيق رحال بوبريك، مرجع سابق، ص 215.
[9] دحمان محمد، معلمة المغرب، ج 26 (ملحق ج3)، منشورات درا الأمان، الرباط، 2014، ص 273.
[10] برنابي لوبيث غارسيا، وصف مدين الداخلة، ضمن التراث الصحراوي، أعمال ندوة الداخلة الدولية 16-17 دجنبر 2011، منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان، 2014، ص 69.
[11] محمد ابن عزوز حكيم، معلمة المغرب، ج 26 (ملحق ج3)،  منشورات درا الأمان، الرباط، 2014، ص 275.
[12] دحمان محمد، معلمة المغرب، ج 26، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والنشر والترجمة، ص 273.