المولد والنشأة[1]

علامة آسفي ومؤرخها، الكاتب البحاثة الفقيه، الإمام النابغة، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن محمد الزيدي الجحشي الكانوني نسبة إلى ضريح سيدي كانون حيث كان مبتدأ التدريس عنده بعد عودته من فاس، الملقب بـ “ابن عائشة” و “الفقيه بولحية”. ولد برباط أبي زكريا شرقي مدينة آسفي على بعد سبعين كيلومتراً من مدينة آسفي سنة 1310هـ/ 1892م، تربى في حضن جدته التي فطنت لذكائه وحرصت على تعليمه بعد أن سجن والده وتزوجت والدته عائشة بأحد أقاربها وارتحلت معه إلى مدينة سلا.

تعليمه الأولي

تعلم مبادئ القراءة والكتابة وحفظ القرآن الكريم على يد عدد من المشايخ كان عمّه واحدا منهم، ثم رحل إلى مدينة سلا سنة 1320هـ/ 1902م، ليعيش في كنف والدته، لكن يد المنون أسرعت إليها ولمّا يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، فكفله أخواله الذين خرج صحبتهم إلى منطقة الشراردة، فحفظ هناك كتاب الله في تسع ختمات قراءةَ درسٍ دون التلاوة باللسان، ثمّ قرأ بقراءة نافع والمكي، وعُنِي بحفظ أمّهات المتون وشروحها على عدد من العلماء منهم الفقيه العربي والفقيه الطاهر بن عبد الرحمن العبدي الزياني، والشيخ المقرئ عمر العبدي وغيرهم.

تعليمه العالي

تفتقت مواهب مترجمنا في طلب العلم وتحصيله، فرحل إلى مدينة فاس أواخر سنة 1336هـ/ 1917م ليستقر بها مدة أربعة أعوام، تلقى خلالها علوما ومعارف على يد شيوخ كبار من أمثال: الشيخ عبد الله بن الشيخ إدريس العلوي الفضيلي، والشيخ أحمد بن الجيلالي الأمغاري، والشيخ محمد بن رشيد العراقي الحسيني، والشيخ عمر بن محمد ابن سودة وغيرهم، ثم ارتحل إلى الرباط ليأخذ عن الشيخ العلامة أبي شعيب الدكالي، ثم إلى سلا ليأخذ عن الشيخ علي بن أبي بكر عوّاد السلاوي وآخرين، كما تردد مرارا على مراكش فنهل من معين حياض العلم فيها. وقد أشار إلى هذه الرحلات في بعض مؤلفاته، كما دوّن أسماء شيوخه الذين أخذ عنهم في فهرسته التي سماها: “الهداية والإرشاد إلى معالم الرواية والإسناد”.

نشاطه التعليمي والوطني

تولّى المترجم -رحمه الله- العدالة بإذن من وزارة العدلية سنة 1347هـ/ 1928م، إلا أن سلطات الاستعمار الفرنسي آنذاك تدخلت لإعفائه سنة 1349هـ/1930م بعد أن أزعجها نشاطه الكبير في الدفاع عن القضايا الوطنية، وسعيه الحثيث في توعية الناس وتعليمهم وإرشادهم. كما تولى الإفتاء في بلده آسفي بإذن من شيخه بوشعيب بن محمد البهلولي، وشغل أيضا الإمامة والخطابة بمسجد رباط أبي محمد صالح بدرب “فران الحفرة”.

الهجرة إلى الدار البيضاء

بعد مقام دام سنتين بمراكش، ارتحل المترجم يوم فاتح رمضان 1356هـ/ 04 نونبر 1937م إلى مدينة الدار البيضاء التي سعدت بضيفها الكبير، ففتحت له مساجدها العامرة، ومدارسها الوطنية الخاصة، فعلّم فيها ودرّس، وأبدع وأمتع، وطاف على مطابعها يعرض تراثه وكسبه العلمي والفكري.

شيوخه ومعلميه

لائحتهم طويلة نكتفي بذكر بعضهم:

من آسفي: السيد محمد بن أحمد الشرتفي الآسفي. ومن فاس: القاضي محمد بن رشيد العراقي، ومولاي أحمد المامون البلغيتي، ومولاي عبد السلام بن عمر العلوي، وإدريس بن محمد المراكشي، ومحمد بن محمد بنسودة، وعبد الله بن إدريس الفضيلي، ومحمد بن محمد بن عبد القادر ابن سودة. ومن الرباط: الشيخ أبو شعيب بن عبد الرحمن الدكالي. ومن سلا: الشيخ علي بن أبي بكر عواد.

آثاره العلمية

تميز العلامة الكانوني عن الكثير من أقرانه بعنايته الفائقة بالكتابة والتأليف، فألّف في الحديث والتاريخ والفقه والأصول والرّحلات والسيرة… إلا أن هذا التراث لا زال حبيس الخزائن الخاصة، بل إن بعضه يعتبر في حكم المفقود بسبب ضياع قسم منه كليا أو جزئيا، والمعوّل بعد الله تعالى على “جمعية آسفي للبحث والتوثيق” التي احتفظت بما يقارب 28 عنوانا من مؤلّفاته جميعها بخط مؤلّفها، وهي جديرة بالتحقيق والنشر لتعمّ الفائدة منها. ومن أشهر مؤلفاته:

  • آسفي وما إليه قديما وحديثا.
  • جواهر الكمال في تراجم الرجال.
  • الرياضة في الإسلام.
  • تاريخ الطب في المغرب الأقصى.

وفاته

هناك روايات تفيد بأنّ الفقيه الكانوني تمّ اغتياله من طرف عملاء الاستعمار الفرنسيّ، منها شهادة نجله الحاج محمد التي تفيد بأن ممرضين حقناه بإبر تشبه قناني صغيرة، وفي أثناء العملية بدءا يحرّكانه ويناديانه: الفقيه، الفقيه، فلاذا بالفرار بعد أن تأكدا من وفاته -رحمه الله. فغادر هذه الدنيا يوم 15 رمضان عام 1357هـ / 8 نونبر 1938م. ودفن بمقبرة الشهداء بالدار البيضاء، ثم نقل إلى إحدى مقابر آسفي، خوفا من اندثار رفاته بسبب توسيع طريق أولاد زيان الذي شمل طرفا من المقبرة التي كان قد دفن بها أولا.

المراجع
[1] أنظر كتابنا: الإدريسي مولاي أحمد صبير. (2020). مدارج الثناء بتراجم علماء الدار البيضاء. دار الرشاد الحديثة. الدارالبيضاء. ص 281- 284.