المحتويات
توطئة
يُطالِعُ الزائر لتطوان والـمُقيمَ بِها على السّواءِ تنوُّعُ وفرادةُ عُمرانها بحضورِ الإرث الأندلسي والإضافات التركية والخُصوصية المغربية المحلية الممتزجة بالطابع الجزائري[1] الوافد على المدينة منذ 1830م؛ مما يدلُّ على تجذُّر التَّواصل الحضاري فيها وقُدرتها الكبيرة على استيعاب كل التّشكيلات الأخرى، وانفتاحها على مُختلِف الأطياف والتّعبيرات المُجتمعية[2] والثقافية والسياسية التي قَبِلت بها في حدود احترام الهوية العامة للمدينة وخصوصية سكّانها وطِباعِهم.
تضمّ المدينة فضاءات خضراء مُتعة للسائحين والـمُقيمين، كحديقة مولاي المهدي (رياض العشاق) العريقة، ومآثر ثقافية وأثرية متعددة. إضافةً إلى بناية المكتبة العامة والمحفوظات ومعهد سرفانتيس وسينما إسبانيول وقصر الخليفة، ودار الصَّنعة، ومتحف السقّالة الإثنوغرافي، والكاتدرائية الإسبانية، والمتحف الأثري، ومركز الفنّ الحديث، والنصّب التذكاري (دار الطّير) في ساحة المشور، وساحة الإنسانشِّي المصنَّفة ضمن التراث العالمي مِن قِبَل منظمة اليونسكو وساحة الجلاء مِن حيث أعلَن محمد الخامس استِقلال المغرب عن إسبانيا في 7 أبريل 1956. إضافة إلى ما تضمّه المدينة القديمة[3] من معالم وآثار ومزارات وزوايا ومدارس وغيرها من معالم التراث المادي الضخم والمتنوع.. ولقد كان وما يزالُ من نتواتج “الثقافة التي ولّدت حضارةً مُشتَرَكة”[4]؛ قيامُ عُمـران تَعـدّدي الهوية والأبعاد الحضارية، ولعلّ أشهـر مخلّفات المرحلة الاستعمارية الإسبانية في عاصمة المنطقة الخليفية؛ بناء القَصر البلدية بتطوان.
الحماية الإسبانية تُشيِّد قصْر البلدية
بعد إخضاعها مدينة تطوان بموجب اتفاقية 27 نونبر 1912، واتخاذها عاصمة لمنطقة النفوذ الإسباني وللمنطقة الخليفية ابتداءً من 1913؛ شَرَعَت سلطات الحماية الإسبانية في تَـشييدِ عدد من التجمعات السّكنية والأحياء الرّاقية والـمباني الإدارية والـمرافق التعليمية-الفنية وغيرها مِن المنشئات التي ثبّتت بها أركانَ حضورها في المنطقة.
فبعدَ عَزْل المفوض السامي الإسباني القَومي النّزعة لويس أورغاز، وفي خِضمّ الحرب العالمية الثانية، تولّى الجنرال خوسي إنريكي فاريلا مهام المندوبية السامية الإسبانية انطلاقا من تطوان، فشرع في سَنّ سياسة التقارب مع الوطنيين المغاربة، واستِمالة الأعيان والفقهاء للمشاركة في تَدبير شؤون الـمدينة. وفي هذا السّياق وضِمْن هذه السياسة وتفعيلا للظهير المنظِّم للانتخابات البلدية[5] الصّادر في تطوان بتاريخ 06 ماي 1931؛ أَشرَفَ مَعيةَ أطُر الحماية الإسبانية على بناء وتدشين قصْر البَلدية في موقعِ بانورامي ينفتحُ على جبل بوعنان ووادي مرتيل، وبالـمحاذاة مِن أهمّ الـمنشئات الإدارية والثقافية بالـمدينة الحديثة، وعلى مَرمى من الشارع الكبير الذي يتوسّط المدينة بين ساحة بْريمو دي ريفيرا -سابقا- والقصر الملكي العامِر.
شُيِّدت بناية القصر البلدي ضِمن مُرَكّبٍ شَـمِلَ محطةً طُرقية ومرفقات إدارية وفندقا للمسافرين، جاءت عاكِسةً روحَ وثقافةَ الـمعمار الأوربي والإسباني خصوصا، وذلك سنة 1946، على يدِ المهندس المعماري الإسباني كاستو فرنانديز شو، غير أنّ المشروع عَرف تعديلاً سنة 1948 مِن طَرَف المهندس المعماري خوسيه ماريا بوستيندوي رودريغيز، الذي غَيّر فكرة الفندق إلى بناء قاعة كبرى للبلدية، مع الحفاظ على المحطّة الطرقية، وذلك وفق تصميم عصري يَنسجم مع التحولات المعمارية التي عرفتها فترة أواخر الأربعينات وبداية الـخمسينات.
ثمَّ كانَ أن اسْتُؤْنِفَ البناءُ سنة 1950، ليتم افتتاح المركب رسمياً سنة 1955، بفارق سنةٍ واحدة عن استقلال المغرب[6]. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحَ المركَّب الجماعي، وخاصة القاعة الكبرى، معلمة معمارية متميِّزة، وفضاءً إدارياً فريدا، وذاكرة جماعية لساكنة تطوان، لا سيما وأنّ محطة الحافلات ظَلّت تشتغل إلى غاية شهر شتنبر من سنة 2006 حيث أُغْلِقت دونَ تفكير في إمكانية استثمارها، وانتقالِ المسافرين والسائقين وأرباب النّقل العمومي إلى المحطة الجديدة بشارع 9 أبريل.
قاعة أزطوط؛ قِطْعة أثَرية وحاضِنة سوسيو-سياسية
بعد استقلال البلاد نشِطَ قصر البلدية في احتضان الفعاليات المدنية ونقْلِ وقائع الجلسات الخاصة بالـمجالس الـمُنتَخبة، وأُطْلِق على القاعة الإسبانية الكُبرى اسم “محمد أزطوط”، وتشرّفت بزيارةٍ خاصة للملك الحسن الثاني في ستينات القرن المنصرم، حيث ما تزال الذاكرة البَـصرية التوثيقية للجماعة الحضرية تحتفظُ بتلك الصور التي وَثَّقَت للحظة تاريخية بارزة بمدينة تطوان، ظَهَر فيها رئيس بلدية تطوان آنذاك، المرحوم محمد حجاج وهو يلقي كلمة أمام الملكِ بحضور أعيان ومنتخبي المدينة داخل القاعة الكبرى لبلدية تطوان. وقَد جَسَّدَت تلكَ اللّحظة المكانة الرمزية لهذه القاعة، التي لم تكن مجرّدَ مرفق إداري، بل فضاءً احتضنَ محطّات رسمية كبرى في تاريخ المدينة.
إنّ القيمة الحقيقية لقاعة محمد أزطوط لا تكمُن في وظيفتها الإدارية حصْراً، بل في قيمتها الفنية والجمالية والتاريخية، وفي كونها فضاءً شهد لقاءاتٍ وأحداثاً رسمية مهمة، من بينها زيارة الملك الراحل الحسن الثاني ولقاؤه بمنتخبي وأعيان المدينة، وأنشطة علمية وطلابية وطِبّية، وحوارات بين الفرقاء السياسيين والـمجتمع المدني في قضايا عِدّة طيلة الألفية الجديدة.
إهمالٌ وتلاشٍ فــانْهــيار
إنّ قصْر البلدية لم يَـقُسط على حين غِرّة، لقد كانت ثَـمَّ مؤشِّرات على تضعضُع بنيانه منذ سنوات، لا سيَما أجنحته التي شهِدت ترميمات في تسعينات القرن الماضي، حينَ تَـمّت إضافةُ جناح كامِلٍ إلى البناية الأصْلية في عمليةٍ أثارت حينها جَدلا وشكوكاً حول مَدى احترامها لقواعد السّلامة والترميم والبناء، خصوصا إذا علمنا أنّ التشققات ظهرت قُبيل سنواتٍ في الـجزءِ ذاته الذي خضع للترميم والتوسعة، دون قيامِ الـمُكلَّفينَ بإسنادِ مهمة إعادة النّظر في وضعية مقر الجماعة لمكتب دراسات أو خبراء في الميدان لتدارُك الوضع.
نعم؛ لم يكن في وُسْعِ الترميمات والتوسعات التي أُضيفت للمركّب الـجماعي بتطوان لـتَمُدّ في عُمُره الـمعماري، كما لم يُسْفِر تهاونِ الـمسؤولين وتباطُؤ الـمُنتخبينَ عن التدخُّل لإنقاذ المركّب وإطالة أمَدِ وظيفته الإدارية والـجمالية والتراثية إلّا عن تضَاعُف حالة التشقّقات التي أفْضَت إلى انهيار جزء رئيسي من البناية، وضَياع جزء مِن ذاكرة تطوان وتاريخها العمراني والإداري.
ختاما
إنّ تناقُلَ صُوَر ومشاهِد انهيار جُزء كبير من بناية مقر البلدية العتيق بتطوان يوم 22 مارس 2026 لا يُـشكِّلُ لدى الباحثين والفاعلينَ والـمواطنينَ لحظة انهيار جدارٍ مِن إسمنت وآجر؛ وإنما هو سقوطٌ لنصيبٍ مِن الذاكرة الإدارية والـعُمرانية للمدينة، ضاع معه أرشيفُ الجماعة الترابية لتطوان، وسِجلّات أقسامٍ حسّاسة، على رأسها القسم المالي والإداري، في مشهد يُلـخِّص حجْم التّهاون في تدبير هذه البناية الـمعمارية الأثيرة.
ولأَنّ الأمر يتعلّق بذاكرة مدينةٍ وهوية معمارية وتاريخ مؤسساتي؛ فإنّ إعادة الاعتبار لقاعة محمد أزطوط يُعَـدُّ في العمق بَعْثٌ للحياة في معلمة تاريخية، حتى تحافظ على مكانتها ودورها الترافعي والرمزي داخل الذاّكرة الجماعية لمدينة تطوان.
المراجع
[1] انظر: (بوهليلة) إدريس: "الجزائريون في تطوان خلال القرن 13 هـ/19م؛ مساهَمة في التاريخ الاجتماعي"، منشورات الشباك، مطبعة الهداية، تطوان، طبعة 2012.[2] انظر: (داود) محمد: "تاريخ تطوان"، المجلد الأول، تقديم محمد بنونة، منشورات معهد مولاي الحسن بتطوان، طبعة 1959، محتويات الخزانة العامة لجماعة الشّرف – طنجة.
[3] انظر: "المدينة العتيقة في تطوان؛ دليل معماري"، البوابة الإلكترونية للمجلس الجماعي لتطوان. https://www.tetouan.ma/portail/web/.
[4] Valente ; José Angel : « El establecimiento de la Continuidad », Almeria, primavera, 2000.
[5] انظر: (أكزول) الطيب: "تاريخ المجالس البلدية بشمال المغرب؛ مجالس مدينة تطوان نموذجا (1860-2023)"، تقديم حسناء داود، منشورات دار الحكمة، تطوان.
[6] انظر: (القبلي) محمد: "تاريخ المغرب؛ تحيين وتركيب"، منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، السحب الثاني 2012، منشورات عكاظ الرباط.