مقدمة

يعتبر أدب الرحلة منذ القديم فضاءً يزخر بالتجارب والقصص التي صاحبتْ الرُّحَّال طوال مسيرتهم المحفوفةِ بالمخاطر، والمحاطة بالعجائب والغرائب التي صادفوها، فكانَ هؤلاء يدونونَ ما قابلهم من مواقف وملاحظات خلالَ رحلاتهم الطويلة.

ومما تتميز به هذه الرحلات ولو بدرجات متفاوتة دقة الملاحظة والوصف والتقصي في تدوين ملاحظاتهم بأمانة وصدق (أدب الرحلات، عالم المعرفة، ص:12). فنشأ عنها أدب فريد، ارتقى بالأسلوب إلى مرتبة من السلاسة والإشراق، حتى أدخِل هذا النوع الأدبي ضمن فنون الأدب العربي، وأصبحت مطالعة هذا اللون من ألوان الكتابة متعةً ذهنيةً كبرى (نفسه، ص:13).

وقد نتج عن هذه الرحلاتِ أدبٌ عجائبي جمع فأوعى، وتضمنَّ فأجلى جملةً من النظائر التي تكون محطَّ اندهاشٍ للرائي الغريبِ عنها، وإن كانتْ في محل المشَاهدة للمعايش لها عادةً عَادية. فالذي يطالعُ رحلة أبي سَالم العياشي “ماء الموائد”مثلا سيجد أن غرضه من تسجيل رحلته الممتعة أن تكونَ ديواناً للمعرفة، وفضاءً للعجائب والغرائب التي مر بها، أو رويتْ له، لتكون محققةً للهدف منها مَعلمةً لقارئها حتى تقدم له معرفةً متنوعةً عن تجربةٍ غير متكررة يشتهي البَاحثُ عنها تناولَها، والاستزادة منها لما فيها من اللطائفِ والنظائر العجَائبية.

إنَّ مدوناتِ المسَافر لوحات خالدة، تحكي عن الخواطر، والانطباعات، وعن مسيرة الطلب، وعن معانقة الذاكرة المندهشة. فالمطالع لها، كالغائص بحثا عن الدر المكنون، والمحكيات التاريخية، واللطائف الأدبية الممتعة.

غالبية ما بلغنا من أدب الرحلة عند المسلمين ونظائرهم من المستشرقين، جمع بين رحلة طلب العلم، ورحلة الحج، واكتشاف الأمصار والبلدان، فكانت هذه الرحلات جمَّاعة لصنوف من الأسرار البديعة التي صادفت أصحاب هذه المدونات النفيسة.

تقديم الكتاب

الكتابُ الذي بين أيدينا والحائز على جَائزة ابن بطوطة لتحقيق المخطوطات 2017-2018 حققه الدكتور عز المغرب معينينو، وهو ابن السَّيد أحمد معينينو، وقد كانَ من رفقاء صاحبِ الرحلة “ادريس بن محمد بن ادريس الجعيدي السلوي” التي نقدم لها، وقد كانَ في ذلك الوقتِ طالبا، وكتبَ مذكراته لاحقاً هو أيضا عن هذه الرحلة، ضمَّنها في كتابه: “ذكريات ومذكرات”.

عنوان الكتاب؛ “رحلة حاج مغربي في زمن الحماية الفرنسية 1930″، يقع الكتابُ في مائةٍ وخمسة وثلاثين صفحة، مقسمٌ إلى ثلاثة عناصر رئيسة استهلتْ بتقديم عام للمخطوط بذكر سياقه الزمني والمكاني، وتقديمِ ترجمة وافية عن صاحبِ الرحلة، والأجواء التي رافقتْ نشر هذه الرحلة في جريدة السَّعادة التي كان يشرفُ عليها الاستعمار الفرنسي.

ركز صاحبُ الرحلة “ادريس الجعيدي” على مراحل السَّفر إلى الحج التي وجبَ على الحجاج أن يكونَ لهم دراية بها حتى يتلافوا المشَاكل التي يمكنُ أن تعترضهم، وتكون حياتهم بذلك مقابلاً لها. وقد وصفَ بدقة مجموعة من المراحل التقنية التي تسبقُ عملية الحج خصوصاً وأن الاستعمار الفرنسي في فترة الحماية فرض على الرَّاغبين في أداء فريضة الحج مجموعة من الشُّروط من وثائق وأداءات حتى يسمح لهم بالهجرة لأداء الرُّكن الخامس، وهي شروطٌ مرهقة ومجحفة في حق الفقراء الذين يتشوقون للقيام بهذه الرحلة التي كانَ المغاربة قبل الاستعمار على إثرها قديما -فقراء وأغنياء- يطلّقون أزواجهم، ويقسمونَ ميراثهم لطول غيبتهم، ولاستحالة عودتهم في الغالب إلا من مد الله في عمره، ووفقه الله للعودة إلى وطنه، وإلا فإن الغالبَ منهم، إما يفقد نفسه قبل الوصول بسبب قطاع الطرق، أو تعاجِله المنية، أو يصل به الأمر بسبب الفقر أن يستقر بأحد البلدان للعمل بها، استعداداً للرجوع، أو البقاء فيها إلى الأبد.

كان مسَار الرحالة ادريس الجعيدي السَّلوي طويلا، وبغايةٍ استكشافية للبلدان العربية الإسلامية، فكان انطلاقه ابتداءً عبر الباخرة من سلا في اتجاه مرسيليا، ثم إلى الإسكندرية، فالقاهرة، وقد قضى بها أياما يطلع على أحوالها، ويزور علماءها، ومدارسها، ومعالمها، وكان يفعل ذلك في كل مدينة نزل بها .. وبعد أن انتهت مدة الإقامة بها توجه عبر الباخرة في اتجاه أراضي الحجاز، لأداء مناسك الحج، وقد وقف طويلاً عند أهم المحطات التي صادفتهم أثناء الحج، وقدم بإيجاز ما يجب على الحاج الانتباهَ إليه حتى يخفف المتاعبَ التي لا يمكن توقعها عمن أراد الحج بعد رحلته …

من أراضي الحجاز إلى بيروت عاصمة لبنان، حيث أعجب بها غاية كما أحبَّ دمشق عاصمة سورية، التي أدهشته بساتينها، وطيبة أهلها. وأثناء تواجده بدمشق زار بعض علماءها الأجلاء، وأبرزهم الشيخ بدر الدين الحسني المغربي، حيث قال عنه: “كان يقطع جلَّ نهاره في مدرسته الخاصة به معتكفاً على التدريس والمطالعة، ويصوم الدَّهر كله، وتظل زمرة مشايخ الشام ترد عليه أفواجاً أفواجاً فيدْرسُ معهم جميع الفنون، وله درسٌ أسبوعي في الحديث يلقيه بعد صلاة الجمعة في الجامع الأموي يحضره كافة العلماء والمشايخ والكبراء لما اشتمل عليه من الفوائد الثمينة والمواعظ الحسنة، ورغما عن كبر سنه، وضعف جسمه، يمتد درسه الجميل الذي كله إملاء من محفوظاته إلى وقتِ العَصر” (رحلة حاج مغربي، ص: 103).

من دمشق، توجه عبر السَّيارة إلى فلسطين، التي زار مدنها، وخص القدس الشريف عاصمة فلسطين بوقفة مقدَّرة، حيث يعكس كلامه في رحلته على وعيه التام بالخطط والمكائد التي يكيلها اليهود تحت وطأة الانتداب البريطاني تمهيداً لاتخاذ فلسطين محلهم القومي بأي طريقة، فيقول الرحَالة الجعيدي السَّلَوي معلقا: “واليهود يبذلون غاية جهدهم، وينتهزون الفرص في اتخاذ فلسطين وطناً قومياً لهم، ويدعون بني قومهم من سَائر الأقطار للهجرة إلى تلك الأرض المقدسَة لتتسع دائرة نفوذهم، وصار عددهم عظيم يزاحم موظفي الحكومة. لكنَّ جماعة المسلمين الفلسطينيين محافظونَ تمام المحافظة على وطنهم الإسلامي العزيز، ولن يسمحوا بأدنى حق واجبهم فيه، وقد خمدتْ شوكة اليهود في فلسطين عما كانت عليه قبل الثورة الأخيرة”(نفسه، ص:106).

من فلسطين، توجه عبر الباخرة مرة أخرى إلى بيروت، ومنها نحو الغرب في اتجاه نقطة الانطلاق الأولى مرسيليا حيث قضى بها ثلاثة أيام قبل عودته إلى وطنه محتفًى به، متلقىً بالحفاوة بالأهازيج.

خاتمة

إن أدب الرحلة عموماً غني بالفوائد والمعارف، ومرجعٌ للباحثين في استخراج أحوال الناس، وتتبع مظاهر العمران، ومَعينٌ لا ينضب من الذخائر الأدبية والعجائبية، يبصم على لذة روحية للقارئ المتذوق، الساعي وراء الندرة، والطرفة، والنكتة، والتجربة؛ ليذّكر، ويقتدر، وينعم بالسرور، ويَعتبر.