مقدمة

يندرج النظام الغذائي للسلاطين ضمن مظاهر التفرّد المُلُوكِي، الذي يعطي للملك الحق في نظام غذائي مختلف وصارم في بعض الأحيان، بل ويخضع لتقاليد غذائية مختلفة عمّن حوله. فالنظام الغذائي للسلاطين كما تُصَوِّرُه كتب الأحكام السلطانية، ذو طابع وجودي وأخلاقي، يهدف إلى إثبات الذات، فتتحول المائدة المُلُوكِية من حاجة غريزية إلى واقعة سياسية، ممّا يجعل الأغذية تابعة لإرادة السلطان وأخلاقه، وإحدى الآليات الخادمة لمشروع الدولة ومعالم نظامها .

لذلك، لا بد للمائدة الملكية من شُروطٍ تُميّزها عن غيرها، منها ما يتعلق باتخاذ المطاعم الشهية، والمراكب البهية، فيكون للقصر فضلٌ على غيره من القصور، وطعام فضل على غيره من الأطعمة، فالفضيلة لهذه الأشياء لا لمالكها. وقد أشار ابن رضوان المالقي في كتاب “الشهب اللامعة في السياسة النافعة” إلى تلك التقاليد؛ وهي مجموعة من الممارسات التي تحكمها قواعد ذات طابع طقوسي أو رمزي، وتكون هذه القواعد مقبولة علنيا أو ضمنيا، وتسعى إلى غرس قيم ومعايير سلوكية من خلال التّكرار، وهو ما يعني التواصل مع الماضي، فهذه الممارسات تحاول تحقيق تواصل مع ماضي تاريخي مناسب. وتختلف التقاليد عن العرف الذي لا توجد له طقوس مهمة أو وظيفة رمزية. مع الإشارة إلى الدور الذي صارتْ تُقَيَّم به المائدة السلطانية فيما أصبح يسمى اليوم بدبلوماسية المائدة.

 الطبيب رفيق مائدة السلاطين/ الملوك المغاربة 

شكلت علاقة الطبيب بالسلطان إحدى العلامات البارزة في الحضارة الإسلامية وباقي الحضارات الأخرى، فصِحّة السلطان لا تعتبر شأنا خصوصيا، بل شأنا عاما لارتباطها بالحكم واستقرار السلطة واستمرارها. وقد شكل النظام الغذائي للسلطان إحدى تجليات هذا الأمر، وقد خلّف لنا التاريخ المغربي نماذج عديدة في هذا الجانب. فيصف ابن صاحب الصلاة مثلا أيام مرض السلطان أبو يعقوب يوسف، بالقول: “ويحضر معه الأطباء الأولياء أبو مروان بن القاسم وأبو بكر بن طفيل وغيرهما ويقرون له فيما يصلح لم من الشراب والغذاء”.

وقد كان هذا الأمر كان جزء من تقاليد الموحدين، حيث يلازم الأطباء السلاطين والأمراء ولا يكتفون بوصف الأودية لهم، بل يصفون لهم الأطعمة والأشربة كذلك، حيث نجد الطبيب أبو مروان عبد الملك بن زهر يؤلف كتابا للأمير الموحدي محمد عبد المومن بن علي وهو : “كتاب الأغذية”. بل إن العديد من الأطباء خلال الفترة الموحدية قد اهتموا اهتماما خاصا بموضوع الأغذية والأدوية، كما تعددت المستشفيات والمختبرات التي كانت مجالا للتجريب. ويُعَدّ بيت الأشربة والمعاجين الطّبية الخاص بالخلفاء الموحدين نموذجا فريدا من نوعه، ومظهرا من مظاهر تنظيم الطب في المغرب. ونعتقد أن كُتُب الأدوية والأغذية الأندلسية في العصر الموحدي أضحت من المصادر التي اعتمدها مؤلفون مشارقة في مؤلفاتهم في الفترة نفسها، نذكر من بينهم؛ أبو المُنى داوود بن أبي نصر المعروف بالكوهين العطار الهاروني، وقد أشار إلى ذلك في كتابه: “منهاج الدكان ودستور الأعيان في أعمال وتراكيب الأدوية النافعة للأبدان”.

الطباخ أمير مائدة السلطان/الملك

لقد نال الكثير من الطباخين مكانة متميزة داخل القصور السلطانية بفضل مهنتهم تلك، سواء في المغرب أو الأندلس. فهذا صاحب كتاب: “أنواع الصيدلة في ألوان الأطعمة: الطبيخ في المغرب والأندلس في عصر الموحدين” لم يكن طبّاخا عاديا، بل كان ملازما للأمراء والملوك، ويعيش في أجوائهم ومجالسهم، وما يؤكد عيش الطبّاخ المؤلف في هذا الجو الارستقراطي، ما كان يشير إليه في كل مناسبة، ومثال ذلك، إشارتُه إلى نوع من “السنبوسك” كان يُصْنَع في قصر الخليفة أبو يوسف يعقوب المنصور الموحدي.

وهو التقليد الذي ترسّخ في إسبانيا بعد ذلك، حيث أن ألْفونْس طباخ الملك فليب الثالث سيؤلّف كتابا عن الطبخ سنة 1611م سجّل فيه حوالي 500 وصفة طعام أساسها المطبخ الأندلسي بعنوان “الطبخ وعمل الكيك والبسكويت والمربيات”.

وهكذا فإن هذا التقليد الذي ترسّخ في البلاط الموحدي المغربي سيتحوّل إلى تقاليد مصاحبة لمطابخ البلاطات في المغرب واسبانيا بعد ذلك. وتبرز بشكل كبير مكانة الطباخ في عين سيده، هذا الأخير الذي قد يتحوّل في بعض الأحيان هو نفسه إلى طباخ. فالملك الحسن الثاني كان غالبا ما يقيم مطبخا خاصا في غرفة الطعام، حيث كان يخترع فيه بعض الأطباق ويضع بعض المقادير من مخيلته.

مُآكَلَة السلطان أو التشريف من خلال مائدة الطعام

تعتبر مُآكَلَة السلطان تشريف لا يحوزه إلا الأقربون، وذلك بالنظر إلى أن السلطان كان في أيّامه العادية لا يتناول طعامه إلا وحده، حيث كانت هذه العادة، كما يصف مؤرخ الدولة العلوية عبد الرحمن بن زيدان، جارية منذ العصر الإسماعيلي (نسبة إلى السلطان العلوي مولاي إسماعيل)، ذلك أن السلطان يأكل طعامه وحده حسبما حفظ ذلك في كل وقت .. ثم يُوجّه بعد ذلك هذا الطعام لبعض الخاصة من بيته وأقاربه أو من لم يَحْضُر بحضرته من أهله. وهي العادة التي وصفتها مليكة أوفقير ،التي تربّت داخل أسوار القصر، وصفًا دقيقا لها، فالملك أعطى، وتقصد هنا الملك محمد الخامس، الإذن ببدء الطعام، فأخذ الجميع أماكنهم حول الطاولات، وجلس الملك بمفرده على طاولته ثم شرع الخدم بتقديم الوجبة بما لذ وطاب.

وعليه، تصبح المناسبات الرسمية خروجا عن العادة ووسيلة لإبراز ليس فقط الكرم السلطاني، بل لإسباغ مظاهر التشريف على من يحظى بشرف الجلوس على مائدة السلطان ومُآكلته. وهو تشريف كان لا يحظى به إلا القلة ممن حازوا مكانة متميزة داخل المجتمع أو البلاط. إذ يشير عبد العزيز الفشتالي في “مناهل الصفا” إلى أن السلطان أحمد المنصور الذهبي كان يُطْعِمُ بيده العلماء على شاكلة الأمراء وأهل القربى، والملاحظة نفسها أثارها محمد بن الطيّب القادري في “نشر المثاني” حول حفل نظمه المولى إسماعيل بقصره.

 تقاليد المائدة أو “الإيتيكيت” السلطاني المغربي

ارتبطت تقاليد مائدة السلطان وما يحيطها من طُقوس، أو ما يُصطلح عليه اليوم ب”إتيكيت” المائدة بمكانة السلطان نفسه، وما يحيط به من مظاهر التشريف، وحتى التقديس أحيانا. إنها مظاهر يجب أن تُبْرِز هذه المكانة وتصقلها، فالمائدة هي امتداد لهذا المقدس الذي يحدد الشكل والمحتوى الغذائي. فإذا كان الطعام قد انتقل من حاجة طبيعية وبيولوجية إلى معطى اجتماعي، تحدده شروط الانتماء واشتغالات القيم والمعايير عند عموم الناس، وهو ما يبرز بشكل واضح في آداب المائدة، فإن  حضور السلطان يُضْفي على الأمر بُعدا آخر حين ينضاف إلى تلك التقاليد السلطانية الملازمة لشخص السلطان نفسه. وهي تقاليد تضرب بجذورها في عمق التاريخ المغربي، وقد وصف لنا ابن مرزوق التلمساني (مؤرخ دولة أبو الحسن المريني وصاحب كتاب “المسند الصحيح الحسن في مآثر أبي الحسن”) التقاليد المخزنية في الولائم السلطانية بالقول: “وإذا أدّى السلطان صلاة المغرب ونافلتها، قصد في إعداد مجلسه في مكان الاحتفال، حيث يستدعي الناس للجلوس حسب مراتبهم، ويأخذون المجالس على طبقاتهم، فينتظمون في أحسن زي وأجمل إشارة”.

وتعتبر هذه التقاليد المرعية في ترتيب دخول الناس وجلوسهم مع الملوك، من التقاليد المرعية منذ الزمن الموحدي، فهذا ابن صاحب الصلاة (أحد مؤرخي الدولة الموحدية) يصف في كتابه “المنّ بالإمامة” جلوس الخليفة الموحدي لتقبل تهاني عيد الأضحى بقصره بمدينة قرطبة، مشيرا إلى مظاهر الأبّهة والتشريف التي تُحيط بمجلس الخليفة وطريقة استقبال المهنئين الذين يدخلون على الخليفة بحسب منازلهم .

وهي تقاليد ستصبح من العادات المرعية عند سلاطين وملوك المغرب فيما بعد، وتعبّر عن سمو الحضارة المغربية وتأنّقها، فالفشتالي مؤرخ الدولة السعدية يصف احتفال أحمد المنصور الذهبي بعيد المولد النبوي، بالقول: “فإذا طوي بسائط القصائد نشر خوان الأطعمة والموائد، فيبدأ بالأعيان على مراتبهم ثم يُؤذَن للمسلمين فيدخلون جملة”.

وأما تقاليد طريقة تقديم الطعام فيشير المقرّي التلمساني (صاحب كتاب: نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب) إلى أن هذا الترتيب أخذه الأندلسيون والمغاربة عن المشرق، وهي تقاليد حملها زُرياب الفار من بلاط الخليفة العباسي هارون الرشيد، حيث وضع  للطبقات الراقية في الأندلس قواعد للسلوك وآداب الجلوس والمحادثة والطعام “حتى اتخذه ملوك أهل الأندلس وخواصهم قدوة فيما سنّه لهم من آدابه” وسمّوه “معلّم الناس المروءة”. ففي مجال الطعام وآدابه درّبهم على إعداد مائدة راقية وأنيقة، تُقَدَّم فيها الأطباق حسب نظام وترتيب خاص، فًتُقدمُ أولا أطباق الشوربة والسّواخن ، تليها أطباق اللحم والطيور المتبلة بالبهارات الجيدة، وفي النهاية تقدم أطباق الحلوى من الفطائر المصنوعة من اللوز والجوز والعسل، والعجائن المعقودة بالفواكه المعطرة والمحشوة بالفُتسق والبندق.

وهو ما يلخّصه أحد طباخي البلاط الموحدي وصاحب كتاب: “أنواع  الصيدلة في ألوان الأطعمة” بالقول: “وهو أجمل وأكثر تأدّبا وأطرفُ، وهي طريقة أهل الأندلس والمغرب، رؤساءهم وخواصهم وذوي الفضل من أهلها من أيام عمر بن عبد العزيز وبني أمية، وقد كان كثير أكابر الناس وأتباعهم رسموا أن يُوضَع على كل مائدة بين يدي الرجل ألوان مفردة، لون بعد لون”.

ومثل ذلك نجده عند البلاط المريني، حيث أن المائدة المرينية  تتم على ترتيب مخصوص،  كما يقول صاحب المسند، فبعد أن تُقدَّم الأطباق الواحد تلوى الآخر، يتلو ذلك من الفواكه الطرية ما يوجد في إبانه، وبعدها يُؤتى بالفواكه اليابسة ثم الكعك والحلويات، وأخيرا ألطف السكر، وجميع ذلك على أعجب ما يُتَحدَّث به. وهو الأسلوب الذي سيعتمده الفرنسيون خلال القرن 19، بعدما تخلّوا عن عادتهم في وضع جميع أنواع الطعام على المائدة وعلى اعتمادهم الأسلوب الروسي، حيث أصبح الدور الرئيسي في خدمة المائدة يقوم به النادل، الذي يقوم بتقديم نوع من الطعام بعد الآخر، ممّا يُحيلنا على الطريقة التي اعتمدها المغاربة في تقديم الطعام قبل عشرة قرون إلى اليوم. وإن كانت طريقة وضع الطعام كله على المائدة أو ما يُطْلَق عليه  اليوم “البوفي”، والتي لا تزال معتمدة في الكثير من المناسبات، باستثناء المناسبات الرسمية، كما هو معمول به في كل دول العالم، حين يترأس الملوك أو رؤساء الدول حفلات الغذاء أو العشاء، وهنا تتدخل التقاليد وأعراف الضيافة والبروتوكول لتعيد للمائدة هيبتها وأنقها، من اختيار قائمة للطعام مُحدّدة، وعادة ما تكون من اختيار الملك أو رئيس الدولة، وتوزيع الحاضرين على الطاولات حسب مكانتهم، ليتمّ وضع الطعام حسب ترتيب مُحدَّد من قِبَل مكلفين بهذه المهام التي تحاط بالكثير من مظاهر الأبهة والعناية والبروتوكول، لإبراز تقاليد البلاد، حيث أصبحت اليوم مائدة الطعام جزءً ممّا يسمى اليوم بدبلوماسية المائدة.

 الأبهة رفيقة مائدة سلاطين/ملوك المغرب

يقدم لنا علي بن محمد التمكروتي في “النفحة المسكية في السفارة التركية”، وهو أحد الذين تقلدوا منصب السفارة في البلاط السعدي، ما يحيط بولائم الطعام من تقاليد وأبّهة، حيثُ يصف لنا بدقة المكلّفين بتقديم الطعام، الذين عليهم من أنواع الأقبية والمناطق المشدودة عليهم والحزم المحلاة بالذهب والفضة ما تدهش في حسنه العيون، وقد وصف لنا التمكروتي كذلك، الآواني التي يُقَدّم فيها الطعام، فبدأ بالطعام في القصاع المالقية والبلنسية المذهبة والأواني التركية والهندية المعجبة، لينتهي بوصف ما ينتظر المدعويين من بعد انتهاء الطعام، حيث يتم الإتيان بالطسوس والأباريق ويُصَبّ الماء على أيدي الناس للغسل، ونُشِّفَت الأيدي بالمناشف المبرزة ومناديل الكتان المطرزة. ونُصِّبَت في المجلس مباخر الجاوي والعنبر والعود، وكُمِّلت السعود، وأُبِرِزَت صحائف الذهب والفضة وأغصان من الرّياحين الغضة، فرش بها من تلك الصحائف على كل فرد ماء الزهر والورد فتعطَّر القوم وتطيّبوا وأكثروا من الدعاء لمولانا الخليفة.

وهي تقاليد ورثها السّعديون عمّن سبقوهم من الدول التي حكمت المغرب. فقد أورد الناصري في الاستقصاء، أن السلطان أبو عبد الله الشيخ السعدي لمّا دخل فاس دخلها وعليه وعلى أصحابه سِمَة البداوة فحملوا أنفسهم على التأدّب بآداب أهل الحاضرة والتخلّق بأخلاقهم، وذكر أن ملك السعديين إنما تأنّق على يد رجل وإمرأة، فأما الرجل فهو قاسم الزرهوني، الذي رتّب للسلطان هيئة السلاطين في ملابسهم ودخولهم وخروجهم وآداب أصحابهم وكيفية مثولهم بين أيديهم، وأما المرأة فهي العريفة بنت خجو فإنها علّمته سير الملوك في منازلهم وحالاتهم في الطعام  واللباس.

وقد يظنّ الناس أن التقاليد السلطانية المتعلقة بالمائدة والتي يجب التقيّد بها بشكل صارم، تقتصر فقط على المناسبات العامة، لكنها جزء أصيل من حياة السلطان اليومية، فابن زيدان نقيب الأشراف العلويين زمن السلطان محمد الخامس وصهره، يصف لنا تقديم الطعام زمن السلطان الحسن الأول: “وما طُبِخ بمطابخ القصر وتأتي به الإماء الطبّاخات حاملات له على نظام خاص يسرّ الناظرين، تتقدم أمامهن العريفة بيدها عصى تتوكأ عليها وخلفها حملة الطواجن ثم حاملات الموائد ثم العاجنات حاملات لأطباق الخبز في أكفّهن اليمنى مسامتات به الأذن، أي ملاصق لآذانهن، وكذلك حاملات الطواجن، وأما الموائد فتُحْمَلُ على الرؤوس والكل ملفّف في مناديل بيض من الكتان الناصع البياض، فإذا وُضِعَ الطعام أمام الجلالة رُفِعَت الأغطية ليعلمَ السلطان عين الطعام ونوعه، وذلك يُغْني عمّا يفعل الآن -يقصد زمن السلطان محمد الخامس- من تقديم ورقة بألوان المأكول، ثم يعيد تغطية الخدم المكلفون بِحَمْل الطعام ويؤدون التحية الملوكية بأعلى أصواتهم الله يبارك فعمر سيدي”. أما في الفترة المعاصرة فإن يتم تقديم أقدار موضوعة فوق صينيات، والملك (الحسن الثاني) يستفسر بحضور روجي ورحال (المشرف على المطبخ الملكي) عن كل طبق قبل اختيار ما يريد؛ ليأخذ رحال الإطباق بعد الاختيار الملكي؛ علما أن العاهل لم يكن يتذوق أي طبق في عين المكان، وهذا ما حكاه ألبير ساسون في كتابه: “خياطو السلطان، مسار عائلة يهودية مغربية”.

وقد يتحولُ طقسُ أكلِ الطعام في بعض الأوقات إلى طقسٍ بسيطٍ لسبب من الأسباب، فالحسن الثاني كما تصفُ مليكة أوفقير كان يأكل وهو يجلس على سجّادة صغيرة للصلاة وأمامه طاولة صغيرة بسيطة من الفورميكا متّخِذا أدوات مائدة بدائية، رغم ما يحيط به من أجمل الأثاث وأفخرها .

الخوان الملكي أو قائمة الطعام السلطانية في المغرب

لقد تميزت المناسبات الملكية ليس فقط بمظاهر الأبهة التي تحيطها، بل تميزت بما يحتويه خوانها أو قائمة طعامها من أطباق تميزها عن غيرها من الموائد المعتادة عند عموم الناس، وهي أطباق كانتْ تُميز موائد الملوك والأمراء ورجالات الدولة كذلك.

فمن الأطعمة المفضلة للأمير الموحدي أبى الحسن، حفيد عبد المومن بن علي، الذي كان واليا على مراكش في عهد الخليفة يعقوب المنصور الموحدي، نذكر الإسفيريا، وهو من أنواع الأحراش المُتَّخَذ من اللحم المفروم، كما كان الأمير المذكور يستحسن أحد أنواع المروزية التي تنعت بالثومية. أما الأمير أبو العلاء أخ الخليفة الموحدي يوسف بن عبد المومن، فإنه كان ممن عرف بالموائد الفخمة لما كان حاكما لسبتة وقائدا للأسطول الموحدي بها، ومن ذلك العجل المشوي الذي كان يصنع له، كما أن الخليفة الموحدي يعقوب المنصور الذي كانت تصنع في قصره سنبوسك اللوز دون سنبوسك اللحم والتي كانت مما يكل عامة الشعب.

وهي كلها أطباق كانت جزء من خوان الكثير من رجالات الدولة، فقد وصف لنا ابن الخطيب مائدة  القائد المريني عامر بن محمد الهنتاتي الذي كان جزءًا من بلاط بني مرين، كما كان أسلافه جزء من بلاط الموحدين، حيث اشتملتْ مائدته على فواكه البحر، والثرائد المسمنة، ولحم الخرفان، وأنواع الأسماك، والطيور، وصنوف الحلوى وأطباق الفواكه، وهي أطباق في تنوّعها وغناها، شكّلت خوان السلطان المغربي منذ مئات السنين، حيث أورد المؤرخ الفرنسي روجي لوطورنو خوان السلطان المولى عبد العزيز، أو قائمة الطعام التي كانت تُعَدّ في بلاطه في مدينة فاس، حيث تشكّل هذا الخوان من البسطيلة بالحمَام، تفاية (لحم الضأن المشوي المصنوع باللوز) والمروزية (لحم مشوي بالتوابل والعسل واللوز)، والدجاج المعمر(دجاج محشو بالكسكسو أو الأرز مع الزبيب واللوز)، ودجاج مشرمل (دجاج مقطع بالبصل والمعدنوس) ودجاج مفند (دجاج بالبيض)، قمامة (لحم مطبوخ جيدا بالبصل والعسل والتوابل)، والصويري (دجاج أو لحم ضأن بالزعفران)، وكسكسو مدفون بالدجاج (كسكسو بالدجاج بالبصل والزعفران)، وكسكسو مسوس (كسكسو بالسكر والقرفة)، والروز المفلفل(أرز بالفلفل)، الروز المكوي (أرز مبخر)، وأرز محلبي (أرز بالبن)، والسفّة، والحلاوي (حلويات على الأنواع).

وهو التنوّع والغِنى الذي كانت تتقاسمه مع القصر السلطاني بيوتات رجالات الدولة وقصورهم، بما يحيط ذلك من تقاليد استمدّ جزء منها من تقاليد المخزن السلطاني نفسه. وأما الجزء الآخر فقد كان نابعا من تقاليد الكرم المغربي المتأصل في المغاربة منذ القدم، ففي أحد الضّيافات التي كان يقيمها رجل بحجم الباشا الكلاوي في قصره بمراكش، حيث سيُخبِر الابن  أباه اندهاشه من عدد الأطباق التي توالت على المائدة، والتي فاقتْ 17 طبقا، وهو الذي لم يكنْ يتناول في بيوته غير طبقين أو ثلاث، ليفاجئ الفتى بصُرَّة من 17 قطعة نقدية،  نظير عدّه للأطباق، ولم يكن هذا الفتى سوى المهدي بنونة أول مدير لوكالة المغرب العربي للأنباء.

المراجع
[1] ابن صاحب الصلاة، المن بالإمامة: تاريخ بلاد المغرب والأندلس في عهد الموحدين، تحقيق عبد الهادي التازي، منشورات دار الغرب الإسلامي.
[2] مجموعة مؤلفين، النظام الغذائي في المغرب والأندلس خلال العصر الوسيط، منشورات الزمن، 2016.
[3] محمد المنوني، حضارة الموحدين، دار توبقال للنشر، الدار  البيضاء، 1989.
[4] محمد المنوني: ورقات عن حضارة المرينيين، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، ط3، 2000.
[5] مؤلف مجهول، أنواع الصيدلة في أنواع ألوان الأطعمة: الطبيخ في المغرب والأندلس في عصر الموحدين، تحقيق عبد الغني أبو العزم، مؤسسة الغني للنشر، 2010.
[6] إبراهيم شبوح، المائدة في التراث العربي الإسلامي، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن، 2004.
[7] علي بن محمد التمكروتي، النفحة المسكية في السفارة التركية، تحقيق عبد اللطيف الشاذلي، المطبعة الملكية، الرباط، 2002.
[8] الناصري أحمد، الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى، تحقيق جعفر ومحمد الناصري، دار الكتب، الدار البيضاء، 1997.
[9] محمد جادور، مؤسسة المخزن في تاريخ المغرب، منشورات عكاظ، الدار البيضاء، 2011.  
[10] محمد بن الطيب القادري، نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني عشر، تحقيق أحمد التوفيق ومحمد حجي، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 1977.
[11] عبد الرحمن بن زيدان، العز والصولة في معالم نظم الدولة، المطبعة الملكية، الرباط، 1961.
[12] لسان الدين بن الخطيب، نفاضة الجراب في علالة الإغتراب، تحقيق أحمد مختار العبادي، دار النشر العربية، الدار البيضاء.
[13] عبد الرحيم العطري:  قرابة الملح، الهندسة الاجتماعية للطعام، مكتبة المدراس للنشر والتوزيع، الدرا البيضاء، 2016.
[14] ألبير ساسون، خياطو السلطان، مسار عائلة يهودية مغربية، تحقيق وترجمة سعيد عاهد، منشورات مرسم، الرباط، ط1، 2009.
[15] عبد الصادق الكلاوي، أبي الحاج التهامي الكلاوي: ..الأوبة، منشورات مرسم، 2004.
[16] عبد الأحد السبتي - عبد الرحمان الخصاصي، من الشاي إلى الأتاي ..العادة والتاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ط 1، 1999.
[17] مليكة اوفقير  زميشيل فيتوسي، السجينةن ترجمة غادة موسى الحسيني، دار الجديد، 2011.
[18] فاطمة اوفقير،  حدائق الملك: الجنرال أوفقير والحسن الثاني ونحن، ترجمة حسين عمر،  المركز الثقافي العربي، 2000.