توطئة

بدت مدينة شفشاون بعد تشييد المعالم المهمة فيها، شبيهة بالمدن الأندلسية من حيث التخطيط، ونوعية المعالم ومواقعها، ويعكس ذلك تأثّر قائد المدينة علي بن راشد بالمعمار الأندلسي. كما سطّرت هذه الحاضرة التي أقيمت في قلب جبال الريف الأوسط تاريخا مجيدا غلب عليه الإنجازات العسكرية؛ في ظل الصراعات المسيحية الإسلامية. أما من الناحية الثقافية فكان من الضروري أن يُسهم التراث الفكري الأندلسي في إحداث تحولات لغوية وفكرية بالمنطقة.

تأسيس شفشاون

شُيّدت حاضرة شفشاون بالشمال الغربي للمغرب، على ارتفاع ما يقارب 600 متر، ويقع هذا الموضع داخل نطاق حدود قبيلة الأخماس الجبلية. وستبدأ عملية تشييد شفشاون مع مجهودات الفقيه والمجاهد أبي محمد الحسن (المعروف بابن جمعة)، الرجل الذي شرع في اختطاط المدينة سنة 876هـ/1471م، لكنه اُستشهد قبل إتمام ما شرع فيه[1]. ثم قام مقامه الأمير أَبُو الْحسن علي بن راشد الذي كانت تربطه به صلة قرابة (ابن عمه). فشرع في اختطاط شفشاون في العدوة الأخرى من الواد لتفادي انجراف التربة، فبنى قصبتها، وشيّدها وأوطنها، وذلك بمشاركة المغاربة والأسرى البرتغاليين، فنزل الناس بها، وبنوا لتصير من بين أهم حواضر المغرب[2].

أما أصل اسمها فيرجع إلى لهجة محليّة قديمة، ما دفع الباحثين إلى ربطها باللغة الأمازيغية، فتترجم “شاون” بالقرون، أي قمم الجبال، لكن الاستعمال الرسمي لاسم المدينة هو شفشاون كما ورد في المصادر المختلفة. وتجدر الإشارة إلى أن الإدارة الاستعمارية الإسبانية هي من اعتمدته بشكل رسمي، واستمرّ إلى اليوم، رغم أن سكان شمال المغرب عموما بمن فيهم أهل المدينة ما زالوا يستعملون الاسم الأوّل أي الشاون[3].

تأسيس الإمارة الشفشاونية وأدوارها ومكانتها

تزامنت عملية بناء مدينة شفشاون مع ظرف تاريخي طبعه غياب الاستقرار السياسي بالمغرب، خصوصا على مستوى السلطة المركزية. فالحُكم الوطّاسي كان قد دخل في مرحلة الضعف، كما أن الغزو الإسباني والبرتغالي للسواحل المغربية كان في أشدّه، ما استدعى من مؤسسي شفشاون تبنّي نظام سياسي معقد من حيث الارتباط بالسلطة المركزية.

يصف العلامة العربي الفاسي علي بن راشد في تقييد له بأمير الجبل وباني شفشاون[4]. ولقب “الأمير” هذا أطلقه حكام الإمارات في الأندلس على أنفسهم، فحاول علي بن راشد إعادة إحيائه بالمغرب. وجعل من نظام الإمارة اختيارا سياسيا لسد ثغرة ضعف السلطة المركزية بالمنطقة الشمالية، فتسبّب له ذلك في توتر العلاقات مع الوطاسيين سنة 900هـ/1495م، قبل أن يتوسط فقهاء عابوا عليه قيامه على السلطان محمد الشيخ الوطاسي[5]، لتنصلح علاقة الإمارة الشفشاونية مع السلطنة الوطاسية.

وغطى إشعاع إمارة شفشاون في عهدها الأوّل معظم الشمال الغربي للمغرب، فحينما وصل أندلسيو غرناطة تحت قيادة علي المنظري أواخر القرن 15م، وعزموا تأسيس مدينة تطوان على تل يبعد عشرة كيلومترات من الساحل المتوسطي، يسّر لهم علي بن راشد هذه العملية بمراسلة محمد الشيخ الوطاسي لاستئذانه في ذلك والتماسا للمساعدة. كما قدّم أمير شفشاون لمؤسسي تطوان يد العون من مال ورجال لتأسيس هذه الحاضرة[6].

أما من الناحية العسكرية فقد شكّل الأمير علي بن راشد سِربا من الفرسان مستفيدا من تجربته العسكرية بالأندلس. وكان ذلك مهما لحماية المدينة ونواحيها من الغزو البرتغالي خلال النصف الثاني من القرن 15م[7]. هذه القوة العسكرية التي يصفها المؤرخ البرتغالي كرفخال قائلا: “أهل شفشاون رجال حرب، سواء منهم الراجلون أو الفرسان، يتباهون بالشجاعة، وهم مجهزون أحسن تجهيز”[8].

ويشير نفس المصدر إلى أن تقدير لهذه القوة يبلغ أزيد من 5000 محارب، من بينهم عدد من رماة مختلف البنادق، وبعض كتائب الفرسان، فضلا عن حامية الموقع المتركبة من ثلاثمائة فارس[9]. وشجعت هذه القوة الأمير علي بن راشد وابنه المولى إبراهيم من بعده على تنسيق عمليات تزويد المجاهدين في السواحل المتوسطية بالخيول والسلاح، كما كانوا يدفعون لهم مقابلا ماديا عن كل شخص يأسرونه[10].

لم يقتصر تأثير هذه الإمارة على الجانبين السياسي والعسكري فقط، بل كان تأثيرها الثقافي بالداخل وبالمحيط كبيرا، وتمثّل في المعمار والتقاليد واللباس. كما لعبت دورا هاما في تعريب لهجات منطقة الخماس وغمارة، حيث تجلى الطابع الأندلسي الواضح في لغة بعض المدن المغربية مثل تطوان وشفشاون وفاس..[11].

شفشاون بين الاحتلال الإسباني والمقاومة

تعدّ شفشاون بفضل موقعها الجغرافي المنيع عصيّة على المخاطر الخارجية، لذلك ظلّت في منأى عن الغزوات الإسبانية والبرتغالية خلال القرنين 15م و16م. وهو العامل نفسه الذي جعلها من أواخر المدن المغربية التي سقطت في يد الاحتلال المعاصر، إذ لم يستطع الإسبان الوصول إليها إلا بعد احتلال جميع الحواضر الشمالية، ليأتي دورها يوم 14 أكتوبر 1920م[12].

وكانت المدينة قد شاركت في عمليات المقاومة منذ الاجتياح الإسباني الأوّل لمنطقة الشمال سنة 1913م. وانضوت مقاومتها تحت لواء القائد أحمد الريسوني[13]، ثم بعد احتلالها، انتظمت مقاومة القبائل المحيطة بالمدينة في صفّ حركة المقاومة التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي، وكان المجاهد الحاج المفضل البناينو هو من باشر الإشراف على العمليات التي استهدفت الاحتلال الإسباني في شفشاون، إلى أن جرى تحريرها سنة 1924م، فعُيّن باشا للمدينة، لكن الإسبان عادوا من جديد لاحتلال المدينة يوم 10 غشت 1926م، بعد حصار صعب، واستسلام محمد بن عبد الكريم الخطابي في الريف[14].

الخصائص المعمارية لشفشاون

تطوّر العمران بشكل تدريجي في الحاضرة الأندلسية شفشاون، إذ كان من الضروري تشييد القصبة بداية لحماية قبائل الأخماس من هجمات البرتغاليين، واختار لها القائد مولاي علي بن راشد موضعا قرب “راس الما” وبين الجبال، كما أحيطت المدينة بسور للحماية كما هو شأن جميع المدن القديمة.

وجُعل لهذا الصور مداخل متعددة على شكل أبواب، اندثر بعضها بفعل التطورات العمرانية، فيما بقي سبعة أبواب، كل باب منها يحمل اسما له دلالة صريحة: باب العين، باب الحمّار، باب الملاّح، باب المقدم، باب العُنصر، باب المحروق، وباب السوق[15].

أما الأحياء فقد شيّد أولها لاستقرار السكّان وأطلق عليه حي السويقة[16]، وضمّ منازل عديدة، ثم أقيم بداخله الفندق اليهودي، وبعد ذلك حي الملاح الخاص باليهود، الذين هُجّروا من الأندلس، وتميّز هذا الحيّ بتنوّع سكّانه القادمين من الأندلس ومن القُرى المجاورة لشفشاون[17].

أعقب ذلك تشييد عدد من الأحياء، من بينها الحي الذي استقرّ به الأندلسيون وحمل اسمهم: ريف الأندلس. فضلا عن حيّ العنصر الذي يقع بالقرب من أهم منبع مائي بالمدينة هو “راس الما”، وحيّ الصبانين، حيث كانت النساء تغسل الثياب الصوفية. كما أن السواقي التي كانت تجري بهذا الحي ساعدت على إقامة حي صناعي خاص بالجلد أطلق عليه “الخرازين”[18].

ولا تكتمل صورة معمار الحاضِرة الشفشاونية إلا بالحديث عن الساحة التي تقع أمام بوابة القصبة، وهي ساحة “الوطا حمام”، والمسجد الأعظم المتميّز بصومعته المثمنّة وسقفه المغطى بالقرميد، هذا القرميد البني الذي يزيّن عدد كبير من المنازل، ويحميها من التساقطات والثلج والمناخ الجبلي الصعب، وهو إرث معماري أندلسي تميزت به غرناطة على وجه الخصوص، فيما تعلو أبواب المنازل والمساجد حنايا دائرية مع نتوءات، وتدعمها أعمدة صغرى على الجانبين[19].

ازداد المعمار الشفشاوني تميّزا حينما غزى اللون الأزرق جدرانها ابتداء من منتصف القرن 20م، فأعطاها هوية جديدة، اشتهرت بها عالميا، لتتحوّل إلى مركز سياحي استثنائي.

السكان الشفشاونيون

تشكّلت نواة سكّان حاضرة شفشاون من مدشر غاروزيم[20]، المحاذية لموضع بناء المدينة، وهي القرية التي ينتمي إليها المؤسس علي بن راشد. ثم توافد على المدينة أفواج من الأندلسيين الذين طُردوا أو فرّوا من شبه الجزيرة الإيبيرية، كما شكلت القرى القريبة من موضع المدينة خزانات بشرية زوّدت المدينة بأفراد وعائلات دون انقطاع.

تظهر الإحصائيات المتوفرة حول سكان المدينة منذ بداية القرن العشرين إلى الآن؛ تزايدا واضحا، من جرّاء اتساعها خارج الأسوار العتيقة، فبلغ عدد السكّان سنة 1930م: 7715 نسمة، 6555 من المسلمين، و200 من اليهود، و960 من الأوربيين[21]. ثم انتقل عدد السكان إلى 15314 نسمة سنة 1945م. ولعلّ الجفاف قد أثّر على نسبة السكان الذين هاجروا إلى أماكن أخرى، ما يفسر تراجع عدد السكان إلى 14404 سنة 1955[22]، ليرتفع بعد ذلك إلى أن وصل سنة 2024م، 46,168 نسمة.

الأنشطة الاقتصادية

تعاطى سكان المدينة أنشطة اقتصادية مختلفة على رأسها الفلاحة، ويرجع ذلك لارتباط عدد كبير من سكانها بقبائلهم الأصلية القريبة من المدينة، مثل جني الزيتون وعصره وإنتاج القمح، والشعير والقنب، والكتان. كما أن هناك عدة بساتين وحدائق كبيرة للبقول والفواكه، والكثير من قطعان الماشية. فضلا عن الصنائع الأصيلة التي تميزت بها المدينة مثل الحياكة والنسيج والجلد[23].

أما في العقود الأخيرة، فاتجه سكان المدينة إلى المجال السياحي بقوّة بعدما تزايد عدد السيّاح المغاربة والأجانب، فحضرت التجارة المرتبطة بهذا النشاط، إضافة إلى ارتفاع عدد الفنادق بالمدينة ومحيطها، وناهيك عن المطاعم التي تستقبل زوّار الجوهرة الزرقاء.

خاتمة

تولّد عن هذا التاريخ العريق لشفشاون؛ مدينة تتشكل من نسيج بشري متنوّع الروافد، وطابع عمراني مزج بين متطلبات العيش في الجبل وأناقة الهندسة والعادات الأندلسية، فساعد هذا الإرث التاريخي على إدراج بعض المعالم المعمارية للمدينة في قائمة التراث المادي الوطني كالقصبة والمسجد الأعظم[24]، كما صُنّفت العادات الغذائية بالمدينة في لائحة التراث اللامادي لليونيسكو سنة 2010.

المراجع
[1] أبي حامد محمد العربي بن يوسف الفهري، مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن، دراسة وتحقيق محمد حمزة بن لي الكتاني، منشورات رابطة أبي المحاسن ابن الجد، ص 238.
[2] أبي حامد محمد العربي بن يوسف الفهري، مرآة المحاسن من أخبار الشيخ أبي المحاسن، مرجع سابق، ص 238.
[3] محمد القاضي وأحمد أشرنان، شفشاون: تاريخ، حضارة، أصالة، جمعية تلاسمطان للبيئة والتنمية، 2012، ص 13.
[4] محمد داود، تاريخ تطوان، ج1، معهد مولاي الحسن، 1959، ص 90.
[5] محمد القبلي، تاريخ المغرب تحيين وتركيب، منشورات المعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب، الرباط، 2011، الطبعة الأولى، ص 305.
[6] محمد داود، تاريخ تطوان، ج1، مرجع سابق، ص 90.
[7] مارمول كربخال، إفريقيا، ج2، الجمعية المغربية للتأليف والنشر، 1988-1999، ص 227.
[8] كرفخال، إفريقيا، ج1،الجمعية المغربية للتأليف والنشر، 1984، ص 249.
[9] كرفخال، إفريقيا، ج1، مرجع سابق، ص 249.
[10] القبلي، تاريخ المغرب تحيين وتركيب، مرجع سابق، ص 334.
[11] محمد القبلي، تاريخ المغرب تحيين وتركيب، مرجع سابق، ص 259.
[12] محمد ياسين الهبطي، مساهمة في دراسة تاريخ المقاومة المغربية للاستعمار الإسباني: مقاومة مدينة شفشاون نموذجا، المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، الطبعة الثانية، 2016، ص 62.
[13] محمد ياسين الهبطي، مساهمة في دراسة تاريخ المقاومة المغربية للاستعمار الإسباني: مقاومة مدينة شفشاون نموذجا، مرجع سابق، ص 70.
[14] محمد ياسين الهبطي، مساهمة في دراسة تاريخ المقاومة المغربية للاستعمار الإسباني: مقاومة مدينة شفشاون نموذجا، مرجع سابق، ص 155.
[15]  محمد القاضي وأحمد أشرنان، شفشاون: تاريخ، حضارة، أصالة، مرجع سابق، ص، 107.
[16] تانيا ميرلو وحكيمة العلمي، جرد حول التراث اللاّمادي المرتبط بثقافة التغذية المتوسطية لشفشاون، ترجة محمد القاضي، مشروع ثقافة ميد، ص 30.
[17] تانيا ميرلو وحكيمة العلمي، جرد حول التراث اللاّمادي المرتبط بثقافة التغذية المتوسطية لشفشاون، مرجع سابق، ص 30.
[18] تانيا ميرلو وحكيمة العلمي، جرد حول التراث اللاّمادي المرتبط بثقافة التغذية المتوسطية لشفشاون، مرجع سابق، ص 30.
[19] محمد القاضي وأحمد أشرنان، شفشاون: تاريخ، حضارة، أصالة، ص، 32.
[20] تانيا ميرلو وحكيمة العلمي، جرد حول التراث اللاّمادي المرتبط بثقافة التغذية المتوسطية لشفشاون، مرجع سابق، ص 30.
[21] تانيا ميرلو وحكيمة العلمي، جرد حول التراث اللاّمادي المرتبط بثقافة التغذية المتوسطية لشفشاون، مرجع سابق، ص 31.
[22] محمد القبلي، تاريخ المغرب تحيين وتركيب، مرجع سابق، ص، 582.
[23] تانيا ميرلو وحكيمة العلمي، جرد حول التراث اللاّمادي المرتبط بثقافة التغذية المتوسطية لشفشاون، مرجع سابق، ص 31.
[24] التراث المادي الوطني، موقع وزارة الشباب والثقافة والتواصل للمملكة المغربية (تاريخ الاطلاع: 03/02/2026).