مقدمة

لقد كانت دكالة في بداية القرن السادس عشر الميلادي تعيش تحت وطأة صراع غير متكافئ بين تمدد برتغالي يستند إلى تفوق عسكري وتنظيمي واضح، وبين مقاومة محلية قبلية واجهت هذا التوسع بوسائل بسيطة إلا أنها اتسمت بالاستمرارية والتنوع في الأساليب. ولم تكن المواجهة محصورة في معارك مباشرة، بل اتخذت أشكالا متعددة من الغارات والكمائن إلى استهداف الإمدادات وشل حركة المحتل.

وسنسعى من خلا هذه الدراسة إلى تتبع أبرز مظاهر هذه المقاومة خلال الفترة الممتدة بين 1514م و1542م، من خلال تحليل طبيعة الحرب الدائرة في دكالة، والوقوف عند لحظاتها المفصلية، وعلى رأسها مقتل القائد البرتغالي نونو فرنانديش دي أتاييد سنة 1516م، واغتيال يحيى أوتعفوفت سنة 1519م، ثم تتبع التحولات التي رافقت صعود السعديين وما أفرزته من إعادة تشكيل تدريجي لميزان القوى تمهيدالمرحلة تحرير الثغور.

المقاومة الدكالية وحرب الإستنزاف

رغم التفاوت الصارخ في موازين القوة بين قبائل دكالة والبرتغال، خاضت قبائل دكالة مواجهات متواصلة دفاعا عن مجالها. حيث اتسمت هذه المرحلة بصدام غير متكافئ بين وسائل قتالية بسيطة وإمكانيات عسكرية أوروبية متقدمة.

لقد استطاع البرتغال بفضل تفوقهم المادي وتباين الإمكانيات العسكرية بينهم وبين الدكاليين، من إخضاع حواضر المنطقة وقبائلها لواقع الاستعمار. ففي الوقت الذي كانت فيه الساكنة تدافع بوسائل قتالية بسيطة من قبيل الفؤوس والسيوف والنبال والرماح والحجارة بأجساد عارية، وأوزاع في الغالب غير مدربة أو منظمة، كان المحتل يملك جيشا نظاميا مدربا مدججا بدروع حديدية واقية، وأسلحة نارية فتاكة وأصناف متطورة من البنادق والمدافع والمصدات. والحق أن قبائل دكالة لم تأل جهدا في مواجهة المحتل رغم الفوارق الصارخة بينهما في موازين القوة، حيث ألجأوا المحتل غير ما مرة إلى الاندحار عن ساحة المواجهة بقصفه بأكوام من الأكياس المحشوة بالعقارب[1] وخلايا النحل.[2]

فرغم التفاوت العسكري بين دكالة والبرتغال لم تستسلم القبائل الدكالية، بل ابتكرت طرقا أخرى للمقاومة خارج منطق المواجهة التقليدية. مما يظهر لنا قدرة الدكاليين على التكيف مع شروط هذا الصراع غير متكافئ، في سبيل الدفاع عن أرضهم.

لم تقتصر المقاومة الدكالية ضد الوجود البرتغالي على المعارك المباشرة، بل اتخذت أشكالا هجومية مباغتة مرتبطة بالمجال اليومي للحياة والمعاش. حيث تحولت ضفاف نهر أم الربيع ومجالاته المحيطة إلى مسرح لعمليات استهداف متكررة، تظهر لنا طبيعة صراع يقوم على المبادرة والكمائن وإرباك الخصم.

لقد كان الدكاليون غالبا ما يتصيدون غرماءهم البرتغال في مراتع الصيد، على طول نهر أم الربيع، حيث كانوا يجدونها وسيلة ليقايضوا أسراهم، أو للانتقام وإشفاء الغليل عما اقترفت أيديهم من تقتيل وتذبيح وتعذيب لكل من رفض الخنوع لهم. كما كانوا يتفننون في نصب الكمائن والمشارك لمواكبهم وقوافلهم، قصد نهبها وأسر من فيها، وحصر الإمدادات الغذائية عنهم، وإسكان الرهبة في نفوسهم، وتضييق العيش عليهم. وكلما آنسوا ضعف الحراسة على المراكب البرتغالية الراسية فوق نهر أم الربيع، مالوا عليها ينهبونها ويخربونها، والشيء نفسه سحبوه على محاصيلهم الزراعية، إذا كانوا يأتون عليها حرقا وتدميرا، أو يسرقونها عنوة إن كانت اللحظة سانحة. هذه الغارات المترادفة جعلت الحاكم العسكري لزمور يطلب العون من قائد سلا أملاً في كبح تنامي وبال الأنشطة الجهادية المترادفة، وكبت حماسهما[3]. وقد اشتهرت قبيلة أولاد يعقوب وشيخها ناصر بدومة بهذا النوع من الجهاد، فعمليات الاختطاف الغفيرة التي تحدث قرب نهر أم الربيع في صفوف البرتغال وأعوانهم، كانت باعتراف قبطان ثغر أزمور، تتركه في حالة استنفار قصوى.[4]

مقتل القائد البرتغالي”دي أتاييد” ونتائجه

في سياق تصاعد المواجهة بين قبائل دكالة والمحتل البرتغالي، برزت عمليات نوعية استهدفت القيادات العسكرية للغزاة باعتبارها نقطة ضعف حاسمة في بنيته الميدانية. حيث شكلت هذه الضربات لحظات مفصلية في مسار الصراع، إذ أحدثت ارتباكا واسعا في صفوف القوات البرتغالية.

ومن أهم العمليات الجهادية في دكالة التي رجت الكيان الغاصب في المنطقة، مقتل القائد العسكري وحاكم دكالة الحمراء المدعو “نونو فرنانديش دي أتایڈ” – الذي طبق صيته آفاق المغرب برمته، بما اشتهر به من ممارسات وحشية ضد ساكنة دكالة وأحوازها – على يد شيخ قبيلة أولاد عمران الجنوبية رحّو بن شحموط سنة 1516م. فبعد أن رفضت قبيلته الخنوع للقائد البرتغالي، قام هذا الأخير في تجريدة كبيرة بالإغارة عليها ونهبها، وسوق من قدر عليهم من الرجال والنساء والأطفال أسرى مكبلين، وضمن هؤلاء كانت زوجة الشيخ رحّو التي عزم على تحريرها مع الباقي. وما إن كفكف صفوفه حتى ركب ظهورهم، وطفق يتحين المناسبة لفك أسرى القبيلة، دون أن يفكر في الإقدام على مناجزتهم في مواجهة مباشرة، ولما أحسوا باقتفائه أثرهم، دبّروا للإيقاع به بدفعه للمواجهة، عن طريق استشاطة غضبه وإفلات أعصابه، وذلك بالسماح لزوجته مجاذبته الحديث، وهي تجأر تضرعا في الفكاك والتخليص، لكن حصافة الشيخ ووعيه بتباين مستوى القدرات العسكرية بينه وبين المغير، جعتله يتماك وجدانه، ويكتفي بمناوشة التجريدة البرتغالية ومشاغلتها، وفي الوقت نفسه يترصد اللحظة المواتية لهجوم مثمر، وما إن رمق خلع القائد “دي أتایڈ” لأزرار سترته من جهة الجيد، حتى وجه صوبه في لمح البصر، نصل رمحه في دقة متناهية، أرداه في توها صريعا، ما أدى في ذهول مقتل “دي أتایڈ” ورهابهم من المشهد، إلى ارتباك شديد في تجريدة الغزاة. وقد زادهم خبالا تنازع بعض القادة على من يخلف “دي أتایڈ” في القيادة العامة للجيش، وانقلاب جنود القبائل الدكالية (الغربية والشرقية وعبدة) المشاركة في الحملة،حيث قادوا هجوما مشتركا على الكتائب البرتغالية، أسفرت عن مقتل أعداد جمة من البرتغال، وأسر 35 منهم، بينهم قائدان، وتحرير كل أسرى القبيلة واستعادة الغنائم، واغتنام الأسلحة والعتاد الذي كان بحوزة البرتغال.[5]

اغتيال يحيى أوتعفوفت

لقد قلب الشيخ رحو بن شحموط الهزيمة إلى نصر، بعدما أبان عن عزم وجَلَد وذكاء، خط بهم صرح ملحمة جهادية ركينة، ما فتئت الذاكرة المحلية تجترها بفخر واعتزازكما تجتر بالشعور نفسه مشهد إرداء يحي أوتعفوفت غيلة، جزاء تفانيه في خدمة المصالح البرتغالية في المنطقة، وقيادته لأكثر الحملات الإرهابيةالمسيرة لتطويع القبائل وانبطاحها للمحتل. فلما أزمع احتلال مراكش سنة 1519م، أرسل يطلب من قبيلة أولاد عمران تعزيزات عسكرية بعد أن رفض الحاكم “نون دي ماسكاريناس” تزويده بالخمسمائة رمح والمدفعين الذي طلبهم لإنجاح الغزوة، واكتفى بمنحه خمسين فارسا، بيد أن القبيلة امتنعت عن تلبية طلبه،[6] وقررت تصفيته وشل شره عن مراكش. وعقب وصوله “للملاحات” الواقعة على مقربة من مضارب قبائل عبده، بلغه مقتل بروان أحد قواده بأولاد مطاع، ونهب القبيلة وسلبها على يد فرسان الأمير إدريس (أمير قسم من جبال الأطلس المتوسط) المنحدرين من قبائل سكورة وتادلا، فقرر أن يذهب في وفد بصحبة ثلاثة شيوخ من القبائل المتحالفة، هم: محمد موزاند و يعقوب الغربي وبونهيرة لتقديم التعازي لأخيه عزو شيخ قبائل عبيدة وتقديم هدايا المودة والمواساة. وفي الوضيمة وأثناء تحلقه حول مائدة العشاء، دخل عليه شخصان يدعيان عسو وغام ادعيا أنهما شيخان من قبيلة أولاد عمران جاءا للتعزية وتقديم العون لحملته، وما أن أنسوا غفلته منه حتى وجهوا إليه طعنات قاتلة أسقطته ليلفظ أنفاسه الأخيرة. وبمجرد علم أولاد عمران باغتياله، قاموا بالإغارة على جنود المعسكر قتلا ونهبا،[7] ما اضطر فلول الحملة إلى الفرار صوب آسفي. وفي الطريق انقلب جنود الغربية على البرتغاليين وراغوا يقتلون فيهم،[8] ثم يممّ الجمعان (اولاد عمران وفلول الغربية) وجههما شطر أعراب الغربية لرص الصفوف ضد النفوذ البرتغالي في المنطقة والتخطيط لثورة جديدة،[9] غير أن عامل آسفي استطاع إجهاض تدبيرهم في حملة تمكن خلالها من قتل خمسمائة دكالي وأسر ستمائة وخمسين آخرين.[10]

فهنا يتبين لنا من خلال هذا السرد التاريخي أن الصراع في دكالة خلال هذه المرحلة لم يكن مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، بل سلسلة من التحالفات المتبدلة والاغتيالات والانتفاضات المفاجئة. وقد تميز هذا السياق بتسارع الأحداث بين التمرد والقمع، ومحاولات إعادة تنظيم الصفوف من جهة، وردود الفعل البرتغالية العنيفة من جهة أخرى، في إطار صراع غير مستقر تحكمه القوة والمباغتة أكثر من أي توازن واضح.

أثر اغتيال أوتعفوفت وصعود السعديين

لقد كان مقتل يحيى أوتعفوفت في هذه الظرفية خسارة كبيرة للبرتغال، إذ رزئوا في عميل حارب في سبيل بسط نفوذهم على مناطق دكالة والحوز والشياظمة. وامتلك من الجرأة والغلظة والدهاء ما طوّع بهم القبائل لإرادة المحتل، وما أوقع هزائم مريرة بالحملات المغربية المستنفرة لتحرير دكالة. ففي سنة 1514م رد الجيش الوطاسي على أعقابه خائبا إلى عاصمة فاس، وبعد ثلاث سنوات (1517م)، أوقع هزيمة بالناصر الهنتاتي صاحب مملكة مراكش، وبصنوه أمير الجبل في السنة نفسها، كما نجح في قطع دابر سلطة الناصر الهنتاتي في المنطقة، وتعثر جهود السعديين في بسط سلطانهم شمال تانسيفت والتحالف مع قبائل دكالة.[11]

فبعد اغتيال القائد يحيى أوتعفوفت، سهل على السعديين اختراق التحالف الدكالي البرتغالي الذي كان يرعاه الهالك ويفرضه على القبائل[12]. ونجحوا في إعادة دكالة من جديد إلى صفوف الجهاد ضد المغتصب، ولم يسجل منذ أن بدأ السعديون في دعم الجهاد الدكالي بالسلاح والعتاد، أن انقلبت قبيلة وأعلنت دعمها للطغمة المحتلة، وهذا ما أفادت به إحدى التقارير البرتغالية المبعوثة سنة 1519م إلى العاصمة لشبونة. تنذر بزوال السيطرة البرتغالية عن قبائل دكالة،[13] بعدما أكدت أن كل قبائل دكالةصارت خارج دائرة الخضوع[14]. وهذا ما يعضد أطروحة أن الدكالي لم يكن يخضع لغاصب إلا تحت الإكراه وقلة الحيلة.[15]

وقد شكل انتصار السعديين بالجنوب على البرتغال، وتحرير أكادير سنة 1541م منعطفا هاما في تاريخ الصراع المغربي البرتغالي، إذ ترافقت على إثره انتصارات السعديين وتحرير بعض الثغور المحتلة، فعقب هذا الانتصار، قاد الدكاليون بتنسيق مع الشرفاء تحرير ثغري أزمور وآسفي وأرباضهما مستهل سنة 1542م.[16]

وهنا نفهم أن مقتل يحيى أوتعفوفت قد شكل لحظة مفصلية في توازنات الصراع بدكالة، إذ أدى إلى تفكك التحالف الذي كان يربط بعض القبائل بالوجود البرتغالي، وفتح المجال أمام إعادة ترتيب مواقف القوى المحلية في المنطقة. فبدأت القبائل الدكالية تستعيد حضورها في المواجهة من جديد، لكن هذه المرة في ظل دعم مباشر من الدولة السعدية التي كانت في طور الصعود وبسط النفوذ. وقد وفر هذا الدعم إطارا أكثر تنظيما للمقاومة، حيث لم تعد التحركات القبلية معزولة، بل أصبحت جزءا من مشروع سياسي وعسكري أوسع تقوده الدولة السعدية، وهو ما مهد لاحقا لمسار التحرير من الوجود البرتغالي.

خاتمة

في ختام هذا السرد التاريخي يتضح أن تجربة قبائل دكالة مع الغزو البرتغالي كانت مسارا مركبا، تداخلت فيه لحظات المقاومة الشرسة مع فترات الخضوع، في ظل غياب سلطة مركزية قادرة على توحيد الجهود وتنظيم المواجهة. وقد جعل هذا الوضع الصراع يتخذ أشكالا متعددة، من الحصار والكمائن إلى الاغتيالات والتحالفات المتبدلة.

غير أن هذا المسار لم يبق على حاله، إذ شكل صعود الدولة السعدية وتحولها إلى قوة سياسية وعسكرية نقطة تحول حاسمة، أعادت توجيه القبائل نحو مشروع مقاومة أكثر تنظيما ووضوحا. ومع هذا التحول، بدأت تتشكل ملامح مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة، مهدت تدريجيا لتراجع النفوذ البرتغالي وبداية مسار متصاعد لتحرير الثغور المغربية.

المراجع
[1] عبد الهادي التازي، أزمور مولاي بوشعيب من خلال التاريخ المحلي والوطني للمغرب، مجلة المناهل العدد 35.السنة 13، ص: 104.
[2] .Damiao de Gois, les Portugais au Maroc1491-1521, traduit et commenté par Robert Ricard, Ed.Frontispice, Casablanca, 2013, p69
[3] أحمد بوشرب، دكالة والاستعمار البرتغالي إلى سنة إخلاء آسفي وأزمور وقبل 28 غشت، دار الثقافة، 1989، ص: 351.
[4] دكالة والاستعمار البرتغالي إلى سنة إخلاء آسفي وأزمور وقبل 28 غشت، المرجع نفسه، ص: 355.
[5] .Damiao de Gois, les Portugais, pp162-164.
[6] .Michaux Bellaire, Villes et tribus du Maroc, région des Doukkala, tom 1, Ed .Frontis, pice, Casablanca, 1926. p163 (بتصرف)..
[7] دييغو دي طوريس، تاريخ الشرفاء، ترجمة: محمد حجي وآخرون، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، شركة النشر والتوزيع، الدار البيضاء، 1989، ص: 51-52.
[8] .Michaux Bellaire, Villes ..., p164.
[9] ديفيو دي طورديس، تاريخ الشرفاء، مرجع سابق، ص: 52.
[10] .Michaux Bellaire, Villes ..., p165
[11] أحمد بوشرب، دكالة والاستعمار والبرتغالي، مرجع سابق، ص: 217-219.
[12] .Joseph Goulven, Safi au vieux temp des portugais, 1938, p113.
[13] أحمد بوشرب، دكالة والاستعمار والبرتغالي، مرجع سابق، ص: 235.
[14] دكالة والاستعمار البرتغالي إلى سنة إخلاء آسفي وأزمور وقبل 28 غشت، المرجع نفسه، ص: 253.
[15] عثمان المنصوري، جوانب من مقاومة دكالة للاحتلال البرتغالي، ندوة علمية بعنوان: دكالة وتاريخ المقاومة بالمغرب، منشورات الندوة السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، مطبعة دار أبي رقراق، الرباط، 2010. ص: 85.
[16] احتلال البرتغاليين للثغور المغربية، مجلة البحث العلمي، العدد 9 السنة 3، ص: 42.