المحتويات
مقدمة
في بداية القرن السادس عشر الميلادي، كانت منطقة دكالة واحدة من المجالات المغربية التي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع التوسع البرتغالي على السواحل الأطلسية. وقد تميز هذا الوضع التاريخي بتداخل معقد بين روح المقاومة التي قادتها القبائل المحلية، وبين ضغوط الاحتلال التي اعتمدت على القوة العسكرية حينا، وعلى أدوات أخرى مثل الأسر والرشاوى والتجاذبات السياسية حينا آخر. ولم تكن مواقف القبائل الدكالية ثابتة في اتجاه واحد، بل تأرجحت بين إعلان الجهاد والمواجهة المسلحة، وبين الخضوع أو المناورة للنجاة في سياق فراغ سياسي وضعف في السلطة المركزية.
ومن خلال هذا المقال سنعمل على تتبع هذه التحولات في ردود فعل قبائل دكالة خلال فترة الغزو البرتغالي، من خلال إبراز مظاهر المقاومة المسلحة، ثم أشكال التراجع والانكسار، وصولا إلى إعادة تشكل مواقفها وفق التحولات السياسية الإقليمية، وما رافق ذلك من تغيرات في ميزان القوى داخل المغرب في ذلك الوقت.
حصار آسفي وإعلان الجهاد
ما إن اجتاحت الجيوش البرتغالية المنطقة، حتى أعلنت القبائل الدكالية الجهاد ضد المستعمر، وأباح فقهاؤها وشيوخها هدر دم كل من يتعامل مع المحتل، أو من يصيب له القطون في الثغور المغتصبة. فما إن تم استعمار مدينة آسفي سنة 1508م حتى نادت قبائل دكالة والشياظمة وأحوازها بالجهاد لتحريرها. وبالفعل قام فرسان هذه القبائل بضرب حصار على المدينة بإعداد قواها 200 ألف مجاهد، يوم الخامس من دجنبر سنة 1510م. ولما أدركوا أن الإييريون يمدونهم بما يمنعوهم، وأن الحصار بات غير ذي جدوى في ظل هذا المعطى، قرروا الهجوم على الثغر لحسم المعركة وطرد المحتل، تأسيا بما تم بمنطقة المغدور حين تم افتكاكها دون عون رسمي على يد قبائل جنوب تانسيفت. وبعد هجومين متتالين يومي 29 و30 دجنبر من السنة نفسها، اقتنع المحاصرون أن السور يجعل مهمتهم مستحيلة، خاصة حين وصلوا إليه، وبدا لهم أن نقبه يتطلب عتادا ثقيلا لا يملكونه، ما اضطرهم إلى فك الحصار يوم 31 دجنبر من السنة نفسها.[1]
فهنا يتبين لنا أن المقاومة انتقلت من ردود فعل محلية متفرقة إلى تعبئة جماعية واسعة ذات طابع ديني وقبلي منظم. كما برز دور الفقهاء في شرعنة المواجهة وتحويلها إلى جهاد ضد الوجود البرتغالي في الثغور الساحلية. وفي المقابل تظهر مدى محدودية المقاومة القبيلة أمام التحصينات العسكرية والتفوق العسكري للمحتل، الشيء الذي أدى إلى فشل الحصار.
أساليب المقاومة الدكالية
في سياق المواجهة غير المتكافئة مع التغلغل البرتغالي، لم تكن القبائل الدكالية تمتلك أدوات عسكرية متطورة، لكنها طورت أساليبها الخاصة في القتال. حيث “اتسمت العمليات الجهادية بدكالة بوسائلها البسيطة، لكنها كانت مفعمة بالثورة والفعالية، تسري في سرعة خاطفة تحت جنح المفاجأة لضرب أهدافها، في سرايا أو مجموعات منظمة بنهج يشبه نهج حرب العصابات”. [2]
ويتبين لنا أن هذا النمط يكشف عن قدرة تكيف واضحة مع شروط الصراع غير المتكافئ، حيث تم تعويض ضعف العتاد بفعالية التنظيم وسرعة الحركة، مع اعتماد أساليب قتال غير نظامية تقوم على مباغتة العدو وإرباكه بدل استنزافه في مواجهات ثابتة.
مقاومة القبائل بين ضعف الدولة والقهر البرتغالي
لقد جاء التوغل البرتغالي في سياق سياسي داخلي اتسم بضعف السلطة المركزية وتفتت المجال المغربي إلى كيانات متنافسة، مما أضعف قدرة البلاد على تنظيم مقاومة موحدة وفعالة في مواجهة الضغط الخارجي المتزايد.
وفي ظل هذا الوضع، استطاع البرتغال استغلال الانقسامات الداخلية وتنافس القوى المحلية حول النفوذ، فنجح في تقويض صمود المقاومة الدكالية وإرغام القبائل على الخضوع لسلطة الغزاة. إلى أن انتهى الأمر إلى رضوخ قبائل دكالة عن بكرة أبيها تحت وطأة الترهيب والتنكيل، بعد فشل محاولاتها اليومية في صد الغارات البرتغالية.[3]
تحولات المقاومة الدكالية
كانت الغربية من المناطق الأولى التي قاومت المحتل، ودعت إلى حصار آسفي لتحريرها سنة 1510م، فكان جزاؤها بعد تسريح المحاصرين، تعرضها لعدة غارات أفنت الكثير من أهلها، وظلت صامدة حتى سنة 1512م، إثر انصياع جزء منها إلى إرادة المستعمر، وتسليمها لأبناء شيوخها وأعيانها رهائن لديه.[4]
وقد ذكر كويش أن شيخ قبيلة الغربية عيسى بن أبي بكر ظهر في مشهد تضرع وهو خاضع تحت قدمي القبطان “نونو فرنانديز دي أتايد” (Nuno Fernandes de Ataide) مع سبعة من أعيان القبيلة، يستعطفونه أملاً في ثنيه عن استباحة مضاربهم.[5]
وهذا المشهد يبين لنا درجة الانكسار التي بلغتها بعض القيادات المحلية أمام التفوق العسكري والضغط البرتغالي. ويكشف عن اختلال ميزان القوة وتحول بعض أشكال المقاومة إلى طلب النجاة بدل المواجهة.
والحالة نفسها أوردها الوزان مثيرا مسألة الشيوخ الذين كانوا يهرعون إلى الامتثال والرضوخ لدرء الغارات البرتغالية الوحشية.[6]
ولما بلغهم خبر الجيش الوطاسي القادم لرفع الاحتلال وردّه على أعقابه سنة 1514م، حتى نفروا إليه والأمل يحدوهم في الخلاص من عسف المحتل وأزلامه. وفي المعركة (معركة الجمعة) استشهد سبعة من شيوخها، ولم يكترث الشيخ كريمات الذي شارك في المعركة، ليصير أنجاله الذين سلمهم رهائن في ثغر أسفى، وآثر العصيان والالتحاق بالجيش الوطاسي. والفعل نفسه قامت به قبيلة أولاد عمران الجنوبية التي أعلنت عصيانها بعد أن تعهدت لقبطان أزمور بالسكون والامتثال، فقتلت الشيخ الذي فُرض على قبيلتها وأسرت ثلاثة عشر برتغاليا كانوا يعززون سلطته”.[7]
ويمكن القول إن القبائل الكائنة قاطبة التي قارعت الاحتلال البرتغالي واضطرت للرضوخ، انضمت للجيش الوطاسي. والدليل على ذلك الرسالة التي بعثها الملك إيمانويل إلى قبطان أسفى سنة 1514م، يأمره بتعيين الشيوخ المعادين للوطاسيين في مناصب قيادية، فكان جوابه ينفي وجود أيمنهم.[8]
من خذلان الوطاسيين إلى بطش الاحتلال
لم يكن إعلان الوطاسيين والهنتاتيين الانسحاب من مواجهة البرتغال حينها، وجنوحهم إلى عقد هدنة طويلة الأمد مع قوادهم أحايين أخرى، ليترك للدكاليين في ظل واقع ضعف الإمكانيات غير خيار العودة من جديد وبشروط أكثر قسوة لربقة الاحتلال. فحين أزمع الناصر الكديد سنة 1514م العودة إلى فاس دون أن تحقق الحملة الأهداف المرجوة، عادت بعض القبائل تلتمس العفو من المحتل للنجاة من انتقامه. فاشترط عليها مهاجمة جيش بني وطاس للتدليل على الندم والولاء[9]. أما التي أنفت الاستسلام للعدو فقد آثرت هجرة أراضيها وترك محاصيلها وأرزاقها، والالتجاء إلى قبائل حليفة أو إلى مناطق تحت السلطة الوطاسية أو الهنتاتية طلبا للنجاة، غير أن التشرد والجوع وشح الأقوات في القبائل المستضيفة، كانت ترغم بعضها على العودة إلى مضاربها والقبول على مضض بالأمر الواقع.[10]
وعقب مقتل العميل يحيى أوتعفوفت ثارت دكالة من جديد على سلطة الاحتلال، وفر بعضها إلى منطقة أنماي ينتظر العون الوطاسي بعد أسرها عددا من البرتغاليين. ولما تيقنت من خذلان الوطاسيين لها، لم يسعها سوى طلب الصلح من جديد، والمفاوضة بما لديها من الأسرى لاتقاء شر التنكيل والانتقام، وأما القبائل الأخرى فقد فضلت الانصراف عن النفوذ البرتغالي والعيش في كنف السلطة الوطاسية بسهل سايس.[11]
وهذا ما يحيل إلى فهم أن خضوع قبائل دكالة، جاء نتيجة الفراغ السياسي وغياب كيان قادر على تأطيرها وتنظيمها ورص صفوفها في جبهة واحدة ضد الغازي. لكن ما إن دخل السعديون إلى مراكش وأظهروا قوة في مجابهة البرتغال، حتى بادرت القبائل الدكالية إلى الانقلاب على المحتل وبدأت استعادادها في مناجزته تحت قيادة وتوجيهات السعديين.[12]
وكان شيوخ القبائل الدكالية البعيدة أو الواقعة على حواف مدينتي أزمور ومازيغن (الجديدة)، من أكثر القبائل عصيانا وتمردا على الاحتلال البرتغالي. ومن أمثالهم الشيخ علي مومن والشيخ أويشو.[13] الأمر الذي كان يعرض مثل هذه القبائل لحملات تأديبية غاية في البربرية، كما سرى على أولاد مطاوع وقريتي “بنكير” و”تافوف”، لدرجة أن الدكاليين كانوا يفضلون التردي من أعالي الصروح والشواهق، من السقوط في يد البرتغال الذين اشتهروا بالتفنن في تعذيب الأسرى قبل قتلهم.[14]
وقد تغيّا المحتل من الإثخان في معاقبة القبائل الآبقة، ترويع صنوتها الباخعة وترهيبها من الخروج عن سلطتها أو التفكير في الانفساق عن طوعها وإرادتها. ولم يكن العنف والترهيب الأداة الإستراتيجية الوحيدة التي وظفتها الطغمة المحتلة لتطويع القبائل، بل جدت في تجنيد الجواسيس والعملاء من مختلف شرائح المجتمع الدكالي وإجزاء العطاء لها، لإخطارها بتحركات المجاهدين وتدجينها للقبائل. فالرشاوي أدت أدوارا وازنة في خطط الاحتلال، فبذلها بسخاء؛ مثلا حافظ بن قبطان أزمور على ولاء بعض القبائل له، حالما دخل الجيش الوطاسي لدكالة سنة 1514م، ومقابل 50 أوقية لكل شيخ من شيوخ أولاد عمران تم إغراؤهم للعدول عن تمردهم والدخول في طاعته. في حين قدم القبطان “أتايد” لواش دكالي 8000 ريال جزاء إبلاغه بمواقع فسطاط الناصر الهنتاتي المبثوثة على المجال الدكالي سنة 1541م. وتسلم شيخ الغربية ميمون ثلاثة أمتار من الكتان أي ما يساوي 900 ريال، بينما توصل أحد أعيان السور القديم بنصف رطل من القرنفل، في الوقت الذي تسلم فيه شيخ عبدة حسون 2420 ريال وأرطال من التين المجفف، لمعلومات قدموها للبرتغال سنة 1509م.[15]
وهنا يتبين لنا أن السيطرة البرتغالية لم تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل قامت أيضا على تفكيك البنى المحلية عبر الترغيب والترهيب في آن واحد. مع الاعتماد على الجواسيس والرشاوى في إضعاف تماسك القبائل وتحويل بعض عناصرها إلى أدوات داخلية لصالح المحتل. أمام غياب قيادة سياسية موحدة أدت إلى جعل هذه القبائل عرضة للتقلب بين التمرد والخضوع وفق تغير موازين القوة.
خاتمة
يتضح أن مسار المقاومة الدكالية ضد التوغل البرتغالي لم يكن خطا مستقيما من المواجهة إلى الحسم، بل تجربة مركبة تداخل فيها الاندفاع الجهادي مع محدودية الوسائل وتشتت القرار السياسي. كما أبانت الأحداث عن أثر الفراغ السلطوي في إضعاف القدرة على بناء جبهة موحدة، مقابل استثمار المحتل للتفوق العسكري وسياسة الاختراق بالترغيب والترهيب. وفي المحصلة، فإن تقلب القبائل بين التمرد والخضوع لم يكن سوى انعكاس مباشر لاختلال ميزان القوة في تلك المرحلة التاريخية.
المراجع
[1] أحمد بوشرب، دكالة والاستعمار البرتغالي إلى سنة إخلاء آسفي وأزمور وقبل 28 غشت، دار الثقافة، 1989، ص223.[2] Joseph Goulven, Histoire Economiste du doukkala. Archive national de Rabat, Carton n°C 1985, p12..
[3]Damiao de Gois, les Portugais au Maroc1491-1521, traduit et commenté par Robert Ricard, Ed.Frontispice, Casablanca, 2013, p. 99.
[4] أحمد بوشرب، دكالة والاستعمار البرتغالي، ص364.
[5] Damiao de Gois, les Portugais…, p72.
[6] الحسن الوزان، وصف إفريقيا، ترجمة: محمد حجي، أحمد الأخضر، ج2، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1983، ص124.
[7] أحمد بوشرب، دكالة والاستعمار البرتغالي،ص335.
[8] المرجع نفسه، ص353.
[9] Joseph Goulven, « la conquête d’Azemmour par les portugais », les Maroc catholique, n°4, 1937, p.14.
[10] أحمد بوشرب، دكالة والاستعمار البرتغالي، ص364..
[11] المرجع نفسه، ص366.
[12] دييغو دي طوريس، تاريخ الشرفاء، ترجمة: محمد حجي وآخرون، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، شركة النشر والتوزيع، الدار البيضاء، 1989، ص84.
[13] أحمد بوشرب، دكالة والاستعمار البرتغالي، ص354.
[14] دييغو دي طوريس، تاريخ الشرفاء، ص40.
[15] أحمد بوشرب، دكالة والاستعمار البرتغالي، ص214-215.