المقدمة

شكّل الأدب السلطاني أو ما يعرف  بـ«مرايا الأمراء» أحد أبرز تجليات الفكر السياسي العملي في الحضارة الإسلامية، إذ سعى إلى توجيه الحكام وتقويم سلوكهم السياسي والأخلاقي، بما يضمن انتظام الدولة وصلاح الرعية. وقد جمع هذا اللون من التأليف بين الحكمة العملية والتجربة السياسية والتوجيه الأخلاقي، فكان بذلك مرآة تعكس تصورات المسلمين للسلطة، وموقع العدل والمشورة والأخلاق في تدبير الحكم.

وفي هذا السياق يندرج كتاب”مختصر من كتب السياسة مما تحتاج إليه الملوك[1]، وهو نص سياسي تراثي ينتمي إلى جنس الآداب السلطانية، لمؤلف مجهول، يرجّح محققه هشام البقالي أن يكون له صلة بابن رضوان المالقي (ت783هـ). وهذا الكتاب في طبعته الأولى صدر بحر هذه السنة 2026م، في 177 صفحة عن دار الإحياء للنشر والتوزيع. وهو من ضمن الجهود العلمية الرامية إلى إحياء التراث السياسي الإسلامي وإخراج نصوصه المخطوطة إلى دائرة التداول الأكاديمي، وبخاصة تلك النصوص التي تمثل جانبا عمليا من التفكير السياسي الإسلامي، بما تقدمه من تصورات في تدبير الملك، وتنظيم العلاقة بين السلطان والرعية، وأخلاق الحكم وآدابه. وتهدف هذه القراءة إلى التعريف بالكتاب وبنيته الفكرية، وبيان موقعه ضمن تقاليد الآداب السلطانية، مع إبراز أهم مضامينه السياسية والأخلاقية، والوقوف عند القيمة العلمية للتحقيق وأهميته في دراسة الفكر السياسي الإسلامي الوسيط.

الكتاب وسياقه ضمن الآداب السلطانية

ينتمي كتاب ”مختصر من كتب السياسة مما تحتاج إليه الملوك“ إلى تقليد معرفي عريق في الثقافة الإسلامية، هو تقليد الآداب السلطانية. وهو جنس أدبي سياسي يقوم على تقديم مجموعة من النّصائح العملية والقواعد السّياسية والأخلاقية المفيدة في كيفية تسيير شؤون السلطنة، بهدف دوام الحكم والحيلولة دون انهياره.[2] أو هي المؤلفات التي يسترشد بها أولو الأمر في سياسة الملك وتدبير أمر الرعية.[3] أو هي النّصيحة السّياسية للحكام المسؤولين عن شؤون ومصالح هذا العالم.[4] وقد ازدهر هذا اللون من التأليف منذ القرون الإسلامية الأولى، بتسميات مختلفة من قبيل الكتابة الديوانية، ونصائح الملوك، وكتابة التدبير السياسي، ومرايا الأمراء، والأدب السياسي. وأغلب هذه التسميات تجد لها مسوّغات في متون هذه المصنفات في مقدماتها وخواتمها، أو في صلب متونها.[5] وقد تأثرت بمرجعيات متعددة، من أبرزها التراث الفارسي الساساني، والحكمة اليونانية، والتجربة السياسية الإسلامية. واستمر هذا النموذج السلطاني إلى القرن التاسع عشر الميلادي؛ حيث ظهرت مجموعة من النصوص السلطانية في صورة نصائح مثل: ”مفاتح الإرشاد لأميرنا الأرشد“ لمحفوظ الجرسيفي (تـ. 1304هـ)، و”نصيحة أهل الإسلام“ للكتاني (تـ. 1345هـ)، و”تحفة الإمام“للمشرفي (تـ. 1334هـ) وغيرها.

خصص المحقق القسم الأول من الكتاب لدراسة تمهيدية تناول فيها جملة من القضايا المرتبطة بالنص، من حيث تعريفه وتصنيفه ومؤلفه ودواعي تأليفه وأصول نسخه الخطية ومنهج تحقيقه. كما توقف عند إشكالية المفهوم والتسمية في الآداب السلطانية، مبينا أن هذا الجنس الأدبي عرف تعددا في الاصطلاحات، مثل مرايا الأمراء، والسياسة الملوكية، والوعظ السلطاني والآداب السياسية، وهي تسميات تعكس تنوع المرجعيات والمقاصد، لكنها تلتقي جميعها في كونها تؤسس خطابا سياسيا موجها إلى السلطة.[6] وخلص المحقق إلى أن النص يجد مكانه ضمن هذا الجنس الأدبي، سواء من حيث الشكل أو المضمون. فمن جهة الشكل، يقوم النص على الفقرات القصيرة والجمل المكثفة التي تعتمد الإيجاز والحكمة المركزة، وهي سمة بارزة في كتب الآداب السلطانية. أما من جهة المضمون، فيستند إلى رؤية أخلاقية للسياسة تجعل من العدل والحلم والمشورة والرفق بالرعية مرتكزات أساسية للحكم.

من أبرز المسائل المشْكلة في تحقيق هذا النص هي مسألة مؤلف الكتاب، فقد أقر المحقق بصعوبة الجزم في تحديد هوية المؤلف. إذ «المخطوط لا يتضمن أي معلومة تفصح عن اسمه وكنيته، والبلد الذي نشأ وترعرع فيه»،[7] لكنه في المقابل قدم مجموعة من الفرضيات المدعومة بقرائن نصية وتاريخية ترجح أن المؤلف عاش بعد ابن رضوان المالقي (تـ. 783هـ)، لاعتماده على كتابه ”الشهب اللامعة في السياسة النافعة“. كما رجح أن يكون قد توفي قبل ابن الأزرق (تـ. 896هـ)، لعدم إشارة هذا الأخير إليه في كتابه ”بدائع السلك في طبائع الملك“. وفي هذا القول الأخير نظر إذ الإشارة إلى ابن الأزرق في متن الكتاب لا ينهض دليلا على أنه لم يدركه. كما ذهب المحقق إلى احتمال أن يكون هذا المخطوط -النص المحقق- نفسه مبيضة أولية لكتاب ابن رضوان، استنادا إلى التشابه البنيوي والموضوعي بين النصين، وهي فرضيات تظل مفتوحة على مزيد من البحث والمقارنة.[8]

أما من حيث مصادره[9]، فقد اعتمد النص على جمهرة مهمة من المؤلفات السياسية والأدبية، من أبرزها ”الأحكام السلطانية“ لأبي الحسن للماوردي (تـ .450هـ)، و”سراج الملوك“ لأبي بكر الطرطوشي (تـ. 520هـ)، و”الإشارة في تدبير الإمارة“ لأبي بكر المرادي (تـ. 489هـ)، و”بهجة المجالس“ لأبن عبد البر (تـ. 463هـ)، و”التاجفي أخلاق الملوك“ لأبي عمرو الجاحظ (تـ. 255هـ) وغيرها من المصادر الأدبية والسياسية. وتكشف هذه المصادر عن طبيعة الثقافة السياسية التي يستند إليها النص، وهي ثقافة مركبة تجمع بين الفقه السياسي، والحكمة الأخلاقية، والتجربة التاريخية، والأدب السلطاني.

مضامين الكتاب وقيمة التحقيق

انتظم الكتاب في قسمين رئيسين: قسم الدراسة، وقسم النص المحقق. خُصِّص القسم الأول للدراسة التمهيدية التي قدّم فيها المحقق جملة من المعطيات المتعلقة بالنص ومخطوطه ومنهج تحقيقه. أما القسم الثاني فقد ضم النص المحقق نفسه، موزعا على خمسة وعشرين بابا في السياسة وتدبير الملك، معززا بفهارس علمية متنوعة ولائحة للمصادر والمراجع. أما فيما يتعلق بدواعي التأليف[10]، فقد ذهب المحقق إلى أن مؤلف الكتاب كان يروم جمع التجارب السياسية السابقة وإعادة ترتيبها وصياغتها في مختصر عملي يخدم حاجات الملوك والسلاطين. ويكشف هذا المعطى عن طبيعة الكتاب بوصفه نصا عمليا يقوم على الانتقاء والاختصار أكثر من قيامه على التنظير السياسي المجرد، إذ يجمع بين الحكمة السياسية والتوجيه الأخلاقي في قالب نصائحي موجّه إلى أصحاب السلطة.

هذا، وقد اعتمد المحقق في تحقيق النص على نسخة خطية وحيدة محفوظة ضمن مجموع يحمل الرقم 77 بالمكتبة الوطنية بالرباط، يمتد النص فيه من الصفحة 120 إلى الصفحة 210، مسطرته: 14 ومقاسه 19.5 سم/27 سم، بخط مغربي واضح، مع تمييز عناوين الأبواب ورؤوس الفقرات بالأحمر والأسود، مما ساعد على ضبط بنية النص وتقسيماته الداخلية.

انتظم معمار الكتاب في خمسة وعشرين بابا متفاوتة طولا وقصرا، عالجت مختلف القضايا المتعلقة بتدبير الملك وسياسة الرعية. افتتح المؤلف كتابه بالباب الأول في فضل الخلافة وحكمها، واستهلّه بنقل عن الماوردي في بيان حقيقة الإمامة ومشروعيتها، إذ جاء فيه: «الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها من الأمة واجب بالإجماع»[11]. ثم أعقبه بالباب الثاني في سير الملوك في سماع المواعظ وتعظيم أهل الخير وتسليم أحوال الصالحين لهم، ثم الباب الثالث في ذكر العدل وفضله، واستهله بنقل عن ابن سَلَّامٍ الأندلسي (تـ.544هـ) قال: «العدل قوام الدنيا والدين وسبب صلاح المخلوقين[…]والعدل ميزان الله في الأرض، افترضه على جميع عباده في الدنيا، ليتناصفوا بامتثاله ويتواصلوا باستعماله».[12] ثم تناول الباب الرابع فضل الحلم وكظم الغيظ، والخامس مجلس الملك وظهوره وذكر الحجاب والحجابة، والسادس ذكر الجلساء والنصحاء وذكر النصيحة والرجوع إلى الحق، والسابع التدبير والرأي والمشاورة والمذاكرة وما يلحق بذلك، وما ذكر فيه قوله: «المشورة واجبة على كل ذي حزم، متعينة على كل ذي عقل»[13]. ثم جاء الباب الثامن في سيرة الملك مع خواصه وبطانته، والتاسع في تغافل الملك وحيائه ومروءته ووقاره وتثبته، والعاشر في ذكر الوزارة والوزراء، والحادي عشر في ذكر الكتابة والكتاب.

أما الباب الثاني عشر فقد خصصه للحديث عن تشييد المفاخر وإحياء سبل الخيرات وعمارة الأرض وإصلاح المملكة، والثالث عشر للجود والسخاء ومكارم الأخلاق والوفاء بالعهود والتهادي وبذل المعروف، والرابع عشر في الوفاء ورعاية العهد، وقد نقل فيه عن الجاحظ قوله: «من أخلاق الملك إكرام أهل الوفاء وبرهم والثقة بهم، والتقدم لهم على الخاص والعام والحاضر والبادي»[14]. ثم أعقب ذلك بالباب الخامس عشر في تودد الملك إلى الرعية وتواضعه في علوه، والسادس عشر في الحزم والدهاء وكتم السر وإظهار القوة، والسابع عشر في التلطف والوصول إلى المقاصد، والثامن عشر في الرفق بالرعية وتأمين السبل.

وفي الجانب الإداري والتنظيمي، أفرد الباب التاسع عشر لتولية الخطط الدينية وغيرها، والعشرون لمراتب العقوبات وقبول الشفاعات، والحادي والعشرون لذكر السجونات وتفقد أهلها وأحوالها، والثاني والعشرون أفرده لبيت المال والعطاء والمنع وسياسة الجند، والثالث والعشرون لسياسة الحروب وتدبيرها. أما الباب الرابع والعشرون، فخصص لبيان ما يفيد الدولة وينفر القلوب عن الملك، وذكر فيه أن «أول ذلك عدم المعرفة بأحوال العمال وتصرفهم في الرعية وغفلة الملك عن ذلك».[15] وختم المؤلف كتابه بالباب الخامس والعشرين في ذكر بعض الوصايا عن الخلفاء والملوك، جامعا فيه جملة من الوصايا السياسية والتجارب السلطانية.

من الملاحظات المهمة التي سجلها المحقق أن المؤلف اقتصر على الجمع والترتيب والتبويب، دون تدخل واضح بالشرح أو التعقيب، وهذا جلي بيّن في متن الكتاب كله. فالنص؛ في جوهره، يقوم على إعادة تركيب مواد مأخوذة من مصادر متعددة، وهو ما يجعله نصا تجميعيا بامتياز.[16]

أما فيما يخص منهج التحقيق، فقد عمل المحقق على إخراج النص وإثباته وضبطه بالشكل ضبطا تاما، مع مقابلة مضامينه بالمصادر الأصلية التي استقى منها المؤلف، وتخريج نصوصه، والتعريف بالأعلام الواردة فيه، وشرح ألفاظه الغامضة، وتعزيزه بالهوامش التوضيحية والفهارس الفنية. وهي عناصر أكسبت التحقيق قيمة وإضافة، ويسّرت سبل الإفادة منه للباحثين.

تبرز أهمية هذا النص في كونه يمثل نموذجا للفكر السياسي العَمَلي في التراث الإسلامي، خاصة في بعده الأخلاقي؛ إذ تقوم السياسة فيه على العدل والمشورة والرفق والحلم… إلخ، بما يجعل الأخلاق جزءا من ممارسة الحكم لا تنفصل عنها. كما تكتسب هذه النشرة العلمية أهميتها من إسهامها في إخراج نص من التراث السياسي بالغرب الإسلامي، والكشف عن استمرار حضور المرجعيات السياسية والأخلاقية في الثقافة المغربية والأندلسية الوسيطة.

خاتمة

حاصل القول، فإن كتاب ”مختصر من كتب السياسة مما تحتاج إليه الملوك“ إضافة مهمة إلى خزانة التراث السياسي الإسلامي، لما يقدمه من صورة عن طبيعة التفكير السياسي العملي في الثقافة الإسلامية الوسيطة، خاصة في جانبه الأخلاقي والتدبيري. وقد أتاح تحقيق هذا النص إخراج مادة تراثية ظلت حبيسة الرف إلى دائرة التداول العلمي، بما يفتح المجال للنظر في الفكر السياسي بالغرب الإسلامي. وقد وفق المحقق هشام البقالي في تقديم النص وتوثيقه والعناية بجوانبه الفنية والعلمية، الأمر الذي أكسب العمل قيمة أكاديمية واضحة، وجعله مرجعا بين يدي الباحثين والمهتمين بالفكر السياسي الإسلامي في الغرب الإسلام، كما نرجو أن يوفق في إخراج نص ”كتاب الفصول القصار البليغة في السياسة“ لوليد بن محمد بن حمدون التدميري.

المراجع
[1] مؤلف مجهول، مختصر من كتب السياسة مما تحتاج إليه الملوك، تحقيق هشام البقالي، (طنجة -الرباط: دار الإحياء للنشر والتوزيع- مطبعة لينا، ط1، 2026).
[2] عز الدين العلام، السلطة والسياسة في الأدب السلطاني، (الدار البيضاء: دار إفريقيا الشرق، ط1، 1991م)، 5.
[3] عبد الرحمن بدوي، الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام، (القاهرة: دار الكتب المصرية- منشورات مكتبة النهضة المصرية، د.ط، 1954م)، ج1، 5-6.
[4] جيرهارد بورنغ، موسوعة برينستون للفكر السياسي الإسلامي، ترجمة بسيوني عمرو، (الشارقة- وهران: دار الروافد الثقافية- ابن النديم للنشر والتوزيع، ط1، 2024م)، ج1، 135.
[5] عبد اللطيف كمال، في تشريح أصول الاستبداد قراءة في نظام الآداب السلطانية، (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، ط 1، 1999م)، 52.
[6] مؤلف مجهول، مختصر من كتب السياسة مما تحتاج إليه الملوك، تحقيق هشام البقالي، 24.
[7] المصدر نفسه، 28.
[8]  المصدر نفسه، 28،29.
[9] المصدر نفسه، 37.
[10] المصدر نفسه، 29.
[11] المصدر نفسه، 46.
[12] المصدر نفسه، 57.
[13] المصدر نفسه، 74.
[14] المصدر نفسه، 96.
[15] المصدر نفسه، 123.
[16] المصدر نفسه، 37.