توطئة

في الفُرجات الشّعبية المغربية، يتحول الجسد إلى محور للأداء الفنّي والاحتفالي، فيعكس البِنية الثقافية للمجتمع، ويُجسّد العلاقة بين الفرد وجماعته، وبين الحرية والقيود. وهو ما سعى إلى تقديم قراءة متعمقة له كتاب “الجسد في الفرجة الشعبية” الصادر عن دار بصمة، طبعة 2025م، للباحث والناقد محمد لعزيز. أنجز الغلاف الأستاذ توفيق لبيض، وزينه الفنان التشكيلي سعيد راجي، ويقع المؤلف في 178 صفحة.

مضامين الكتاب

مستنداً إلى تحليل دقيق للأشكال الفرجويّة التي تمنح الجسد دوراً أساسياً في التعبير، من كْناوة والعَيْطة إلى الحَلْقة. وتستعيد هذه الفُرجات الذّاكرة الجماعية عبر الأداء الجسدي والصوتي والإيقاعي، في فضاءات تجمع بين الطقوس الدينية والاجتماعية، والانفعال الفني، والرمز الثقافي. ويأتي هذا المؤلف ليستكشف “اﻟﺠﺴﺪ ﻓﻲ اﻟﻔﺮﺟﺔ اﻟﺸﻌﺒﻴﺔ” وﺣﻀﻮر اﻟﺠﺴﺪ ﻓﻲ أﺷﻜﺎل اﻟﻔﺮﺟﺔ اﻟﻤﻐﺮﺑﻴﺔ، ﺣﻴﺚ ﻳﻌﺘﻤﺪ ﻓﻴﻬﺎ ﻧﺠﺎح اﻟﺤﺮﻛﺔ اﻟﻔﻨﻴﺔ ﻟﻠﺠﺴﺪ ﻋﻠﻰ ﺗﻔﺎﻋﻞ ﺣﻲ ﺑﻴﻦ اﻟﺠﻤﻬﻮر واﻟﻔﻨﺎن ﻳﺴﺘﺨﺪم ﻓﻴﻪ ﺟﺴﻤﻪ وﻣﺸﺎﻋﺮه. ففي اﻟﻔﺮﺟﺎت اﻟﺸﻌﺒﻴﺔ المغرﺑﻴﺔ، ﻳﺘﺤﻮل اﻟﺠﺴﺪ إﻟﻰ ﻣﺤﻮر ﻟﻸداء اﻟﻔﻨﻲ والاحتفالي، ﻓﻴﻌﻜﺲ اﻟﺒﻨﻴﺔ اﻟﺜﻘﺎﻓﻴﺔ ﻟﻠﻤﺠﺘﻤﻊ، وﻳـﺠـﺴـﺪ اﻟﻌﻼﻗﺔ بين اﻟـﻔـﺮد وﺟﻤﺎﻋﺘﻪ، وﺑين اﻟﺤﺮﻳﺔ واﻟﻘﻴﻮد.

لقد تحول الجسد إلى موضوع ثقافي احتل مركز اهتمام مفكرين وفلاسفة وباحثين من مختلف المشارب الفكرية؛ السوسيولوجيا والانثروبولوجيا والتاريخ والفنون.. حتى أضحى ذا سلطة في مختلف مجالات وأبعاد المجتمع المعاصر من الطب والرياضة إلى الاقتصاد والثقافة مرورا بكل فضاء يحضر فيه الجسد في الحياة الواقعية والافتراضية.

وغدا الجسد في الأنظمة الاجتماعية الحديثة المجال الرئيس لكل نشاط إنساني. ويهمنا منه حضوره في الحقول الفنية حيث تبوأ الجسد مكانة هامة خصوصا في فنون العرض، والمجالات الفرجوية جميعها وضمنها المسرح، وذلك ابتداء من القرن العشرين حين بدأ الاهتمام بالوسائل البصرية والجسدية الحركية على الخصوص. لتتوالى اجتهادات المنظرين المسرحيين الغربيين الكبار كمايرخولد، وأرطو، وجروتوفسكي، وغيرهم ممن حولوا الاهتمام من شعرية اللغة إلى شعرية الفضاء مطورين الأشكال الإبداعية التي تقدمها الفرجات العصرية، والفرجات الشعبية باحتفالاتها. (مقدمة الكتاب، ص: 7)

يحيل موضوع الجسد في الفرجات الشعبية مباشرة إلى قدسية تلك الفرجات من جهة، ويحيل من جهة ثانية على اشتغال الجسد في كليته وليس فقط بعض أجزائه كما يذهب إلى ذلك باتريس بافيس الذي يقول إن رؤية الأشكال الدرامية للجسد، مختلفة. فالتراجيديا تعمل على إلغاء حركة الأعضاء، والرأس، والدراما السيكولوجية لا تعتمد سوى اليدين والوجه، وأما الأشكال الشعبية فتهتم كثيرا بحركية الجسد في شموليته. (مقدمة الكتاب، ص: 8)

ولأن الفرجات الشعبية جزء أصيل في الثقافة الشعبية، فإن المتمعن في حقول هذه الأخيرة يجدها تعتمد تارة على مؤشرات كمية أو جماهيرية، وتارة أخرى على مؤشرات نوعية، وغير ذلك مما تعرفه الثقافة تلك المنظومة من التقاليد، والأعراف، والعادات، والقوانين، والمعتقدات، والقواعد، ونماذج التفكير والفعل التي تقوم علها أنماط العيش، والرؤى المختلفة للعالم لدى جماعة محددة، أو مجتمع معين في الزمان والمكان. والغالب في الثقافة الشعبية اشتمالها على جملة عناصر منها: الأغاني، والأمثال، والحكم، والحكايات، والأدعية، والتلاسنات، وأنماط التخاطب، وأشكال التعبير بما فيها أنواع الفرجات والمناشط الثقافية.[1]

وإذا كان البحث المغربي قد قسم الفرجات الشعبية التقليدية بحسب عناصرها الدرامية، ووظائفها النفسية إلى صنفين رئيسيين على الأقل، منها الأشكال الطقوسية وضمنها نجد طقوس الجذبة، فقد اختار لها المؤلف في هذا الكتاب فرجة كناوة. وأما الصنف الثاني من الأشكال الفرجوية فقد اختار لتمثيلها كل من فرجتي الحلقة والعيطة.[2]

إن اختيار الدكتور لعزيز محمد الحديث عن فرجة كناوة، وفرجة العيطة، وفرجة الحلقة والذي يمكن أن يسري على العديد من الفرجات المغربية الأخرى، هو حديث عن المتخيل المغربي في عموميته. ذلك أن الإنسان المغربي في كل فرجاته – تقريبا يحلم ويغني ويرقص ويعزف… وليس المتخيل المغربي غير هذه الفنون متفرقة أو مجتمعة، كما تحضر في مظاهر حياته واحتفالاته، أي كل ما يشكل هويته ووجوده. وقد ركز اختياره على حضور الجسد فيها، وطرق تعبيره عن قضاياه الخاصة، وعن قضاياه المجتمعية. ذلك لأن هذه الفنون تنبع من وجدان أصحابها مبدعين ومتلقين كمتشاركين في بناء الفرجة وسيرورتها. (مقدمة المؤلف، ص: 11\12)

إن اشتغال المؤلف هنا على بعض أنماط الفرجات الشعبية لا يتوخى منه المقارنة مع المسرح -اهتمامه الأساس-، ومقارنة مؤديها أو صانعيها بلغة أدق، مع الممثلين المسرحيين، كما أنه لا يتوخى معرفة طبيعتها، وأنماطها بقدر ما ينصرف همه إلى الكيفية التي يؤدي بها الجسد أدواره، انطلاقا من فكرة مفادها أن الجسد يعد موضوعا للتفكير في الظاهرة الفرجوية، وبوابة دخولها، ومحاولة لمعرفة فكر الإنسان، ووجدانه، وطقوسه من خلال ظواهر الفنية.

ولم يجد وسيلة لذلك غير النبش في موضوع “الجسد” أو أجساد صناعها وطالبيها، بكل خصوصياتها ومقوماتها وهويتها. فما تقدمه هذه الأصناف التعبيرية يمكن إدراجه ضمن فرجات المهمشين، والبسطاء، أو ضمن تاريخ من لا تاريخ لهم، وربما كانت مرة أخرى للتاريخ العالم، ومصدرا من مصادره. والعين الراصدة للأحداث المجتمعية، والتاريخية المتوارية والمستورة، هي فرجات إذن يمكن عدها سجلا وثائقيا لأجساد وأرواح وعقول وأماكن وأزمنة، وأعلام، وسير، وملاحم، ولحظات الحياة اليومية بتفاصيلها المعيشية، والسيكولوجية الفردية والجماعية. وهي خزان للمعارف والعادات والمعتقدات، وهي محافظة على القيم، وسجل الذهنيات، وسجل للقناعات والمواقف الشعبية.[3]

اشتمل الكتاب عموما بعد المقدمة على مباحث خمسة؛ المبحث الأول وسمه الكاتب بـ: الجسد أفقا للتفكير، المبحث الثاني: الفرجة ذلك المعنى الأدائي، المبحث الثالث: الفرجة الكناوية جسد مثقل بقيم طقوسية، المبحث الرابع: جسد الشيخة في فرجة العيطة، المبحث الخامس: دينامية الجسد في فرجة الحلقة.

خلاصة

لقد اجتهد الكتاب في إبراز دور اﻟﻔﺮﺟﺎت اﻟﺸﻌﺒﻴﺔ ﺑﻮﺻﻔﻬﺎ ﺧﺰاﻧﺎت ﻧﻔﺴﻴﺔ وﺟﻤﺎﻟﻴﺔ، وشدد عــلــى أن نـجـاح الحركة الفنية للجسد يعتمد على تفاعل حّي بين طرفين. فقد تمحور الكتاب حول الأشكال الفرجوية الشعبية التي اهتمت بحركية الجسد في شموليته، وتمثلت مختلف جوانب الشخصية الاجتماعية، والنفسية في علائقها بدواليب الأنساق المجتمعية العامة التي تتحكم في مدار كل هذه العلائق المؤسسة على قوانين ومعتقدات ونماذج التفكير والفعل التي تقوم عليها أنماط العيش، والرؤى المختلفة للعالم لدى الشعب المغربي…

لقد لفت المؤلف الانتباه لخصوصيات فرجاتنا الشعبية المحلية، انطلاقا من اعتقاد مفاده أن الصمت عن خصوصياتنا والاستمرار في الارتماء في أحضان فرجات غيرية هو نوع القبول بحضور الآخر فينا وتبخيس إنتاجاتنا الفنية. ولا يعني ذلك الانتصار لذواتنا وتراثنا وفرجاتنا بنوع من الشوفينية ولكن لتأكيد امتلاك ثقافتنا الفرجوية أبعادا لا تقل قيمة عن فرجات الغرب بما فيه مسرحه.

المراجع
[1] انظر: مصطفى محسن، نحو منظور سوسيو انثروبولوجي وتنموي للثقافة الشعبية، ضمن "التاريخ والأدب الشعبي، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، ط1، 2020، ص: 81.
[2] انظر: عبد الواحد بنياسر، "حدود أشكال الفرجة التقليدية: مقاربة أنتروبولوجية"، ضمن كتاب جماعي "الفرجة بين المسرح والأنثروبولوجيا"، ص: 42\43.
[3] انظر: "التاريخ والأدب الشعبي"، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، ط1، 2020، ص: 17.