المحتويات
توطئة
يُعد كتاب “إشكالية إصلاح الفكر الصوفي في القرنين 18-19م” للدكتور عبد المجيد الصغير دراسة تحليلية هامة تُسلط الضوء على محاولات تجديد الفكر الصوفي بالمغرب، من خلال نموذجين بارزين هما: أحمد ابن عجيبة ومحمد الحراق، حيث سعيا إلى “عقلنة” التصوف وربطه بالشريعة، وتجاوز مظاهر الركود والانحراف الزاوياوي في تلك الفترة.
لقد تعددت مقاربات ومحاولات الإصلاح، واختلف حول طبيعة العراقيل التي وقفت أمامها، لا سيما إبان القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. فمنهم من ردها إلى أسباب سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية، وأغفل العديد منهم سببا رئيسيا كان قابعا وراء فشل تلك المحاولات، والمتمثل في بنية التفكير السائد بين مختلف الفئات المجتمعية.
إن تحليل طبيعة التفكير السائد في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، خاصة لدى الفئات الفكرية المسيطرة آنذاك؛ الفقهاء والصوفية الطرقيين، هو الذي دفع الدكتور عبد المجيد الصغير أن يتلمس عن قرب طبيعة المناخ الفكري الذي كان يراد له التغيير أو الاصلاح، وجعله يطل أيضا، ولو بكيفية سريعة، على العلاقة المتشابكة والمعقدة التي كانت تربط السلطة السياسية (المخزن) بالفئتين المذكورتين. كما أن من شأن كل ذلك أن يجعله يمهد الأرضية الصحيحة للجواب عن مدى التوافق أو التنافر بين واقع الفكر السائد لدى الفئات المفكرة بالمغرب وبين أنواع الاصلاح المراد فرضه عليها، وبالتالي يمهد بكل ذلك إلى الجواب عن السؤال الاساسي: لماذا فشل الاصلاح؟.
واجتهد المؤلف في كتابه إلى اتخاذ أحمد ابن عجيبة (تـ. (1809م) ومحمد الحراق (تـ. 1945م)، وهما من أبرز ممثلي التصوف الطرقي في القرن الماضي، موضوعا لهذه الدراسة، والتي عدها نموذجا يلتقي عنده بالمشكل الأساس لبحثه وهو بنية وطبيعة التفكير السائد لدى أشهر الفئات المثقفة في مغرب القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الفقهاء والطرقيين وربما أيضا لدى بعض الأطر المخزنية.
مضامين الكتاب
صدر الجزء الأول من كتاب “إشكالية إصلاح الفكر الصوفي في القرنين 18\19 أحمد ابن عجيبة ومحمد الحراق” للدكتور عبد المجيد الصغير سنة 1994م، عن دار الآفاق الجديدة ويقع في 302 صفحة. ويمثل هذا الجزء الأول من الدراسة القسم الاجتماعي، في حين يمثل الجزء الثاني الجانب الفكري والفلسفي منها.
ركز الكتاب على البعد السياسي والاجتماعي في الحركة الصوفية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر مرجئا الجانب الفكري والنظري فيها الى كتاب قادم. ولعل هذا الهم الاجتماعي والسياسي هو الذي جعله يقف طويلا عند بعض المظاهر الاجتماعية التي رافقت ظهور الحركة الصوفية، موضوع الدراسة، وخاصة تلك التي تلت “المحاكمة” التي تعرض لها ابن عجيبة والتي اتهم فيها بإفساد الشباب، وبتقفي خطى الثورة الفرنسية. وقد كانت هذه المحاكمة فرصة لرصد أوضاع السجون في مغرب هذا العهد ومحاولة من جانبه لتحليل عقلية العناصر التي تشكلت منها هيئة تلك المحكمة، وهم العلماء والولاة والاشراف. وأثناء ذلك التعليل لتلك المطاردة والمحاكمة أمكن الوقوف على بعض أشكال الفوارق الطبقية الاقتصادية والفكرية في المجتمع المغربي خلال القرن الماضي… (مقدمة الكتاب ط1، ص 7\8)
إن التفكير في الاصلاح ليس حكرا على “رجل السياسة” الذي يفكر في إصلاح النظام الجبائي (الترتيب) وإحداث جيش نظامي، بل لابد أيضا من المبادرة بإصلاح العقول أولا والتي يجثم عليها الفكر الصوفي الطرقي الذي اعتبر في مراحله الأخيرة أفضل مجال لتكريس الجمود ورفض الحركة والتغيير والتجديد. وهو فكر أصبح سمة العصر، والمناخ الذي يتنفسه خاصة الناس وعامتهم، فقهاؤهم. هو ذلك ما وعاه وحاول إنجازه السلطان سليمان دون جدوى، وهو أيضا ما حاولته الدرقاوية في شخص أحمد بن عجيبة ومحمد الحراق. (مقدمة الكتاب ط1، ص: 7)
لقد اهتم الكثيرون بهذا العمل وأقبلوا عليه، وظهرت طبعته الثانية، وعد في حينه أولى المحاولات الفلسفية في المغرب لإزاحة الحصار الذي ضرب على التراث الصوفي بعد انتصار الحركة السلفية الجديدة، ودعوة جريئة لإعادة طرح مواضيع إشكاليات التجربة الصوفية المغربية على بساط البحث العلمي والتحليل التاريخي … (مقدمة الكتاب ط 2، ص: 5)
واذا كان رصد مظاهر البنيات الاجتماعية والفكرية في مغرب القرن التاسع عشر هدفا أساسيا من هذه الدراسة فإن من أبرز المقاصد الأخرى الوقوف على الملامح العامة لغروب التنظيم الطرقي المسيطر. ومعه غروب البنيات التقليدية القديمة التي ظلت جامدة طيلة قرون عديدة. ولقد كان في الأحداث التي توالت على المغرب، ابتداء من معركة ايسلي ومرورا بحرب تطوان وما تلاها من التغلغل الاقتصادى الأجنبي حتى إعلان الحماية. كان في كل ذلك محكا لاختيار ما تبقى من قيمة لتلك البنيات، وهو محك سيؤدي بالضرورة إلى تشكل وعي جديد بالمغرب سيعبر عنه فيما بعد بما عرف بالسلفية الجديدة التي اتخذت من العمل السياسي وإصلاح التعليم والثقافة معولا لهدم البنيات الفكرية العتيقة وقنطرة لتشييد المغرب الحديث … (مقدمة الكتاب ط 1، ص: 8)
وهذا سر التقاء كل من المؤرخ والفيلسوف والأديب والصوفي أيضا في العناية بهذا الخطاب الصوفي وفي محاولة الجميع –كل من موقعه- إبراز وتحليل خصوصية التجربة المغربية للخطاب المذكور. هذه الخصوصية التي نبهت أحد أقطاب الحركة السلفية الجديدة إلى ضرورة طي فترة الصراع الاديولوجي بين الحركتين الصوفية والسلفية بعد أن ولت أسبابه وانقضت مبرراته، خاصة وأنه إذا كانت ثمة منكرات أدخلت على القوم (الصوفية) أو بدع تسربت إليهم، في حين أنها لا تتفق مع ما أرادوه لأنفسهم وللناس. فأي جماعة لم يدنس فيها المبتدعون أم أي عقيدة لم تلتصق بها تلفيقات تحاول امتصاصها والقضاء عليها (؟!). وقد بين ابن تيمية -وهو الناقد المعروفـ أن هناك صوفية الحقائق والأخلاق وهم الصالحون الصادقون، وهناك صوفية الارتزاق.[1]
وقد تضمن الكتاب بعد مقدمة الطبعة الثانية وتصدير الطبعة الأولى ثلاثة أبواب. الباب الأول عنونه بـ “الخطاب الصوفي بين شرعية الوجود ووجوب الإصلاح”، وفيه الفصل الأول: الصريح والمضمر في الخطاب الصوفي.. والفصل الثاني: الشاذلية: الجسد في الحانوت والقلب في الملكوت… والفصل الثالث: الدرقاوية اصلاح في مستوى العصر…
وعنون الباب الثاني بـ “ابن عجيبة ومعانقة التجربة الصوفية”، وفيه الفصل الرابع: البيئة الاجتماعية والفكرية لعصر ابن عجيبة، البيئة الاجتماعية والسياسية بتطوان، الحياة الفكرية في عهد ابن عجيبة والحراق. والفصل الخامس: المراحل الفكرية والاخلاقية في حياة ابن ابن عجيبة، ابن عجيبة مسيرة حياة، آثاره. والفصل السادس: محاكمة الدرقاوية الاسباب والنتائج، طبيعة الحدث، المواجهة تعليل وتفسير. والباب الثالث: محمد الحراق من الفشل إلى النجاح. والفصل السابع: إشكالية الاصلاح بين تجربتي الجلال والجمال، آثار الحراق وفكره، مشكلة الاختيار بين الجلال والجمال، الدرقاوية بعد الحراق. والفصل الثامن: رياح التغيير وازمة الاختيار، وخاتمة..
خلاصة
يمثل هذا العمل خطوة مهمة نحو فهم محاولات التجديد الصوفي المغربي في سياقها التاريخي والفكري، وكيف حاول ابن عجيبة والحراق، العودة بالتصوف إلى منابعه الأولى، “التصوف السني” الذي يزاوج بين السلوك والشرع. وقد رصد الكتاب فترة أواخر القرن 18 وبداية القرن 19م، التي اتسمت بانتشار الانحرافات والاعتقادات الخرافية في بعض الزوايا. مما استوجب حركة إصلاحية لإعادة التصوف إلى أصوله السنية. واعتمد ابن عجيبة والحراق، نماذج للإصلاح، ووقف على مجهوداتهما في توفيق “الطريقة” مع “الشريعة”، ومحاولة تحرير التصوف من “الخرافة” وممارسات “الزوايا” السلبية، لجعل التصوف عاملًا للبناء الروحي والأخلاقي وليس مجرد مظاهر، مما جعل فكرهم يمثل تيارًا “إصلاحيًا” صوفيًا مغربيًا.
إن من نافلة القول وجوب الدفاع عن “مشروعية الوجود” للفكر الصوفى داخل الثقافة الإسلامية؛ إذ كما أنه من العبث داخل هذه الثقافة التشكيك فى مشروعية علم الكلام أو الفلسفة أو الفقه وعلم الاصول، فكذلك الشأن وبالأولى بالنسبة التصوف الذي استطاع، مع الفقه، أن يشكل النسيج النهائي للثقافة الإسلامية إلى اليوم…
والحاجة، اليوم، ماسة للإعتناء بما يمثل جوهر الخطاب الصوفي وأساس التجربة الصوفية في الاسلام… والتفكير الجدي في إعادة النظر في التجربة الصوفية، وتجديد الفكر الصوفي باعتباره تعبيرا عن جوهر التجربة الدينية ذاتها… وبث الروح، وإحياء رواد وأعلام التصوف الذين أدانوا الزيف في تكوين شخصية الانسان المسلم وعملوا على إبراز قيمة التوافق بين مرتبة النظر ومستلزمات العمل في ذلك وبيان مواقفهم الجهادية سواء على مستوى جهاد النفس أو جهاد المستعمر. (خاتمة الكتاب، ص: 295)