مقدمة

إنّ الحديث عن موسيقى كناوة ليس حديثا عابراً وسطحيا عن لون موسيقي ارتبط في أذهان كثير من النّاس بعوالم غامضة تُحيل على عوالم السّحر والشّعوذة، وكثيراً ما وظّف فقط من أجل أغراض الفرجة السّياحية، بل هو حديث ونظر في لون موسيقي له أبعاد مركبّة ومعقّدة، تُحيل على تاريخ طويل من التّشكل لمُوسيقى شعبيّة لها امتدادات ثقافيّة ودينيّة واجتماعيّة ونفسيّة عميقة، وهي أيضا موسيقى تربط بين عوالم جغرافية وثقافية متعددة. كما أن موسيقى كناوة كما نعرفها اليوم هي نتاج مسار طويل من التّفاعلات بين العوامل التّاريخيّة والجغرافيّة والاجتماعيّة والثّقافيّة. فلو تأملنا بعين فاحصة لهذا التّراث الموسيقي وغناه سنقفُ بكلّ تأكيد على كثير من العناصر الّتي شكّلت الخريطة الجينية لفن كناوة؛ إن على المستوى التّاريخي أو اللّغوي أو الفنّي أو على المستوى الرمزي.

ماذا يعني اسم “كناوة”

تعددت وجهات النظر حول أصل كلمة كناوة، بين من يرى أن التسمية تعود إلى اسم إمبراطورية غانا المعروفة في السودان الغربي، أو منطقة جيني (غينيا) على ضفاف نهر النيجر بمالي، وهناك من يعود بالكلمة إلى اسم قبيلتهم الأصلية الكانكا والتي توجد بين تمبكتو وتالاندي بدولة مالي الحالية ومنها جاءت كلمة كناوة[1]. وهناك من يرى أن هؤلاء العبيد لما استقروا في منطقة واد نون بالمغرب تأثر فنهم بخصوصيات العرب الرحل من جهة وخصوصيات القبائل الأمازيغية من جهة ثانية وبالتالي حصل ذلك التمازج والتداخل بين التأثيرات وممارسات العبيد اليومية ليخلق فنا كناويا له خصوصيات معينة في مناطق واد نون وسوس. وقد يرجع كذلك أصل التسمية إلى كلمة إكناون التي تعني بالأمازيغية الذي ينطق كلاما غير مفهوم، وقد يطلق  لوصف مجموعات العبيد والرجال السود القادمين من جنوب الصحراء، وهذا له ما يبرره بالنظر إلى أن لغة كناوة بامبارا غير مفهومة للبيئة الأمازيغية التي احتضنت هذه الأقليات المنغلقة على نفسها، وإلى وقت قريب كانت لا تزال أسر تعود إلى هذه الأصول ذات الجذور الإفريقية مثل أسرة “كانيا” بمدينة الصويرة المغربية التي أعطت معلمين كبار للفن الكناوي بالمغرب[2]. يشار أيضا  إلى أنه يطلق على كناوة في الأمازيغية إسمكان أو إسمخان التي تعني العبيد أو السود. كما أن كناوة يختلف اسمها بين الدول المغاربية؛ حيث تسمى في ليبيا ب “مالكي”، وفي تونس ب”ستامبالي” أو “البلاليين”، وفي الجزائر ب”ديوان”[3].

وينقسم كناوة إلى قسمين، كناوة “لالة كريمة” وكناوة “سيدنا بلال”، ويعتمد كناوة لالة كريمة في أغانيهم على نقر الطبول وآلة القراقب ورقصات “الكوبو” ويظهرون من طلوع الشمس إلى غروبها. بينما يعتمد عبيد سيدنا بلال في أداء أغانيهم على آلات الطبول والقراقب والهجهوج والألوان والأباخير  و”المحلات” (جمع محلة) و”الملوك” (جمع ملك) التي تصاحبها طقوس جد معقدة، ووقتهم من غروب الشمس غلى طلوع الفجر[4].

الأصول التاريخية لكناوة

تتحدث المصادر التاريخية عن كون جذور موسيقى كناوة تعود إلى منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، أو السودان الغربي حسب الإصلاح التاريخي الذي كان يطلق على تلك المنطقة، وذلك في سياق التواصل والتبادل الذي كان يربط بين منطقة شمال افريقيا، خصوصا المغرب الأقصى (المغرب حاليا)، والسودان الغربي، وبالخصوص في سياق تجارة العبيد التي كانت تربط بين المغرب ومناطق واسعة من السودان الغربي، حيث كانت تلك المنطقة فضاء لإمبراطوريات عريقة كمالي والسونغاي وكاو وغيرها، وحيث ازدهرت التجارة وبرزت أسماء لمدن لها وزن تجاري وحضاري وإشعاع علمي وثقافي مثل مدينة تُمْبُكْتُو وغاوْ وغيرهما[5].

وتعود أولى تلك الاتصالات إلى عهد الدول المرابطية في القرن الحادي عشر الميلادي التي كان منطلقها على مشارف منطقة السودان الغربي، ثم تعزز ذلك التواصل والتبادل في عهد الدولة الموحدية في القرن 12 الميلادي والتي امتد نفوذها إلى مناطق واسعة من السودان الغربي، وفي عهدها تمت الاستعانة ببعض فرق العبيد في صفوف جيشها.

وقد ترك لنا الرحالة المغربي ابن بطوطة الطنجي (1304-1377م) بعض الإشارات التاريخية في رحلته والتي وصف فيها الإحتفالات التي كان يقيمها السلطان السوداني المعاصر للسلطان المريني يعقوب المنصور بالمغرب بمناسبة العيد، والتي تجري مباشرة بعد الصلاة، والتي يتخللها ألعاب المسايفة والإستماع لأغاني يؤديها جوق من الغلمان يضربون الطبول وفي نفس الوقت يؤدون ألعاب بهلوانية وعلى رؤوسهم شواشي أي القبعات. وإذا قارنا بين تلك الإشارات والطقوس المرافقة لموسيقى كناوة حاليا فإننا نلمس التشابه والتقارب بنيهما[6].

وخلال فترة الدولة السعدية في القرن 16م التي سيطرت على منطقة السودان الغربي، حيث كانوا يجلبون الذهب والملح والعبيد الذين استغلوا واستعبدوا بمزارع السكر في منطقة سوس والحوز ومراكش ومنطقة حاحا، وهي الفترة التي دشنت الدخول الرسمي لأفواج كبيرة من العبيد إلى المغرب، بحيث أصبحت تتم عملية منظمة لجلب قوافل كبيرة من العبيد من تومبكتو إلى مراكش خصوصا في عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (1578-1603م)[7].

وفي مرحلة ثانية عرف المغرب استقدام مجموعات أخرى من العبيد على عهد السلطان العلوي المولى إسماعيل (1672-1727م)، والذي كون منهم الجيش المعروف بجيش عبيد البخاري ووزعهم على القصبات في عدة مناطق من المغرب كمكناس وفاس ومراكش. وفي عهد السلطان المولى محمد بن عبد الله تم إسكانهم بشكل مكثف بمدينة الصويرة بغرض تعميرها بعد بناءها سنة 1764م، وهذه الأخيرة ما زالت تضم حيا يحل اسم “الباخر”، كما أن ميناءها استحق أن يحمل اسم ميناء تومبكتو. كما أن عدد من مدن المغرب كمراكش والدار البيضاء وأسفي ومكناس وفاس تضم دربا باسم درب كناوة. كما أن ازدهار التجارة بين المغرب والسودان الغربي ساهم في دخول مجموعات من العبيد واستقرارها بمدن مختلفة أخرى من المغرب[8].

يشار أيضا إلى أن وضعية العبيد في المغرب لم تكن دائما تحت رحمة مالكيهم أو السلاطين، بل لعبوا دورا محوريا في الفترة التي تلت وفاة السلطان مولاي إسماعيل سنة 1727م/1139ه في توجيه دواليب القرار في جهاز الدولة وتحكمهم فيه مع رافق ذلك من ممارسات قاسية وعنيفة تجاه معارضيهم، وأصبحت مبايعة وعزل السلاطين لعبة بين أيديهم، فنتج عن ذلك دخول المغرب في مرحلة خطيرة من التيه السياسي والفوضى واللاستقرار، وقد كان ذلك نتيجة النفوذ العسكري والاجتماعي الذي تمتع به عبيد جيش البخاري خلا عهد المولى إسماعيل، وكذا تغلغله في عدد من دواليب الحكم المخزني. وقد استمر تحكمهم في مصير السلطنة بالمغرب وما رافق ذلك من قلاقل سياسية إلى أن جاء السلطان محمد بن عبد الله سنة 1757، الذي قام بتوزيعهم على عدد من المراسي والمناطق المغربية. ورغم تقلص دورهم بشكل كبير فإنهم سيستمرون في لعب بعض الأدوار داخل الجيش، كما استمر المنحدرون من نسلهم في شغل مناصب عدة في الخدمة السلطانية، بل وكان لبعض الأسر البخارية حظوة التواجد والسيطرة على بعض مراكز جهاز الدولة المخزني كأسرة باحماد الصدر الأعظم (الوزير الأول) للمولى عبد العزيز وحاجب المولى الحسن الأول[9].

ورغم دخول واستقرار هذه المجموعات المتتالية في المغرب فإنها بقيت منغلقة على نفسها ومحافظة على نمط عيشها وطقوسها وغنائها الذي يذكر بمعاناتهم وظروف مغادرتهم لأوطانهم وحنينهم وتوسلاتهم. ومع مرور العصور كونت هذه المجموعات من العبيد في المغرب هذا التراث الموسيقى الخاص بها مع الامتزاج الذي عرفتها مع العناصر الثقافية السائدة. بحيث أصبحت موسيقى تمتزج فيها الإيقاعات الإفريقية القوية والعربية والأمازيغية. كما تمكن فن كناوة من الانتشار في مناطق كثيرة من المغرب وبين السكان المغاربة فأصبح بذلك لونا موسيقيا مغربيا لا تخطئ العين الدارسة أصوله الإفريقية[10].

وقد شكلت موسيقى كناوة القناة التي عبرها صرف هؤلاء العبيد معاناتهم وأحلامهم في الحرية والإنعتاق، وتشوفهم إلى الوطن والأهل. ورغم أن هذه المجموعات من العبيد كانت تعيش منغلقة على نفسها لقرون عدة. الأمر الذي دفع العديد من الباحثين إلى تصنيفها أيضا ضمن الزوايا الدينية الشعبية كمثيلاتها حمادشة وعيساوة، حيث لم يكن المظهر الفني هو الوحيد الذي يميزها بل تتميز بعناصر روحية وطقوس دينية بأهداف علاجية، الأمر الذي يقربهم من الزاوية أو الطريقة الصوفية أكثر من الفرق الموسيقية البحتة. فكما لا ينكر كناوة (أولاد بامبارا) أصولهم الزنجية والإفريقية، فإنهم أيضا يحرصون في ممارساتهم اليومية على إظهار انتماءهم للإسلام وللطرق الصوفية وللصحابي بلال بن رباح. فكناوة إذن تاريخ طويل وشاق وفن موسيقي ومجموعة اجتماعية وطريقة صوفية.

موسيقى كناوة وآلاتهم

يحضُر الطّابع الإفريقيّ في موسيقى كناوة بشكل كبير وجلي مع تقاطعات فنيّة مغربيّة أخرى. وتُعتبر موسيقى إيقاعيّة بامتياز يحضُر فيها نظام متناسق من القرع على الطّبل والقراقب والّتي تشبه إيقاعات روحانيّة لدى بعض قبائل جنوب الصّحراء. غير أنّ ما يميّز كناوة كموسيقى روحانيّة هو بعض الأدوات الموسيقيّة الخاصّة والّتي دُونها لا يمكن أداء القطع الكناويّة (الملوك الكناوية) وخاصة الكمبري أو الهجهوج؛ وهي آلة وتريّة تُصدر نغمات عميقة ذات تردّد عال. كما يُمكن الإشارة في هذا الباب إلى بعض المتغيّرات الإقليميّة الّتي لحقت هذا الفن، لاسيما أداء “إسمكان” (كناوة أمازيغ)، والصّيغة الشّمالية، و”السّبتيين” (يهود كناوة) و”كانكا” لمنطقة ما قبل الصّحراء. دون أن نغفل عن الأزياء الخاصّة الّتي يتّشح بها أعضاء المجموعات الكناويّة والحركات والإيماءات الجسديّة المرافقة لموسيقى كناوة. كما يظهر تميزه على مستوى مضمونه (المتن الشّعري، الإيقاعات، والمقامات).

وإذا القينا نظرة على آلات كناوة نكتشف أنها تنفرد ببعض الأدوات الخاصة؛ كالآلات الوترية والإيقاعية، باستثناء الآلات النفخية،ومن هذه الآلات الهجهوج أو الكنبري أو السنتير أو الدندنة: وهي آلة وترية عبارة عن جذر شجرة أجوف يدعى الجبح يتم تجليده بجلد رقبة الجمل وتمتد وسطه عصا تشد إليها الأوتار الثلاثة والتي تدعى بدورها بالفوقية الوسطية والفوقية التحتية وهي تصنع من مصارين الماعز. ويعد السنتير عماد العزف في ليلة كناوة[11]. كما يعتبر الطبل رمز القوة لدى كناوة ويسمى “الكانكا” وهو الآلة الأقدم عند كناوة، وتغلف آلة الطبل بجلد الماعز ويتم نقره بعصا معقوفة تسمى “السويهلة” وأخرى مستقيمة تسمى “الطراش”. أما القراقب فيتم صنعها من الحديد الذي يذكر العبيد بأصوات السلاسل والقيود[12].

طقوس طائفة كناوة

تستعين موسيقى كناوة بعدد من الطّقوس الملغزة، كما ينتظم ممارسوها وأعضاء طائفة كناوة عامة في عدد من المزارات والأضرحة وخاصّة زاوية سيدي بلال بمدينة الصويرة المغربية وموسم مولاي عبد الله بن احساين بتمصلوحت ناحية مراكش، وكذا موسم مولاي عبد الله بمدينة الجديدة، التي تحوّلت إلى قبلة جاذبة لكلّ مُمَارسي ومُحبّي “تكناويت”. كما يظهر ذلك بشكل جليّ في توظيف الطّقوس المحيطة بهذا الفنّ كأسلوب علاجيّ، وهُو أسلوب له امتداد تاريخي يعودُ إلى الأساليب والطّقوس العلاجيّة الإفريقيّة القديمة في منطقة السّودان الغربي، بحيث تتحوّل الموسيقى إلى وسيلة فعّالة للتّواصل بين العالم الواقعي وعالم الأرواح. فكناوة أكثر الطّرق الصوفيّة الشّعبيّة ارتباطاً بعالم الجن أو القوى الغيبية وعالم الأرواح. ويتجلّى هذا البُعد بشكل أكبر في الأجواء الطقوسيّة الّتي تمرّ فيها اللّيلة الكناويّة أو “دّردبة” بمراحلها الثّلاثة: العادة، أولاد بامبارا، ولملوك.

يشار إلى أثر موسيقى كناوة على الموسيقى المغربيّة وحتّى العالميّة بات بارزا، بحيث أنّه يلاحظ في السّنوات الأخيرة كيف أصبح تأثير موسيقى كناوة بارزاً على أنواع متعدّدة من الموسيقى المغربيّة سواء على مستوى الإيقاعات أو الكلمات خصوصا في الرّاب وقبله في التّجارب الموسيقيّة المغربيّة الّتي يُمكن تصنيفها ضمن “الظّاهرة الغيوانيّة“؛ وخاصّة مجموعة “ناس الغيوان” و”جيل جيلالة”. كما أن بعض التّجارب العالميّة الحالية استوحت من الموسيقى الكناويّة بعض عناصرها الفنيّة خصوصا الجاز والريغي والبلوز.

المراجع
[1] مضمون امحمد، كناوة بالمغرب، مطبعة الخليج العربي، تطوان-المغرب، ط1، 2020، ص 10.
[2] معلمة المغرب، ركوك علال، مادة كناوة، الجزء 20، الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، مطابع سلا، 2004، ص 6818-6819.
[3] خليل عبدالله، كناوة الاصول والامتدادات او المغرب الاسود، منشورات الصفريوي، ط 1، 2013، الصويرة، المغرب.
[4] مضمون امحمد، كناوة بالمغرب، مرجع سابق، ص 11.
[5] معلمة المغرب، ركوك علال، مرجع سابق، ص 6818-6819.
[6] معلمة المغرب، ركوك علال، مرجع سابق، ص 6818-6819.
[7] مضمون امحمد، كناوة بالمغرب، مرجع سابق، ص 35-36.
[8] معلمة المغرب، ركوك علال، مرجع سابق، ص 6818-6819.
[9] مضمون امحمد، كناوة بالمغرب، مرجع سابق، ص 43-52.
[10] معلمة المغرب، ركوك علال، مرجع سابق، ص 6818-6819.
[11] معلمة المغرب، ركوك علال، مادة كناوة، ص 6818-6819.
[12] مضمون امحمد، كناوة بالمغرب، مرجع سابق، ص 12.