المحتويات
توطئة
تأتي هذه المقالة تعريفا بعلم من أعلام المغاربة الكبار الذين علا صيتهم في آفاق العلوم الشرعية والإفتاء. وقضى رحلة علمية شاقة في زهرة شبابه إلى المشرق الإسلامي، ليصبح مفتيا في القدس الشريف. وهو العلامة الإمام والمفتي المغربي المالكي ثم الحنفي محمد بن محمد بن الطيب التافيلالتي. وتؤكد أيضا أن العلاقة بين المغاربة والقدس الشريف هي علاقة تاريخية موثقة، تجلت في حضور المغاربة في أحيائها، ومشاركتهم في معاركها الجهادية وفي عمرانها العلمي والديني.
إن مدارسة سيرة الإمام التافيلالتي تؤكد الحاجة الملحة إلى تعميق وعي المغاربة بشكل عام، وخاصة النخب الشبابية والثقافية والعلمية، بامتدادهم التاريخي في المشرق الإسلامي، وخاصة في القدس الشريف. فسيرة التافيلالتي تمثل قصة نجاح علمي استثنائية، قوامها الاجتهاد والمثابرة والارتحال في طلب العلم. فأن ينتقل شاب من بيئة محلية في تافيلالت إلى أن يتبوأ موقع الإفتاء في القدس الشريف، فذلك يدل على حالة روحية واجتماعية جديرة بالتأمل والدراسة.
وتجدر الإشارة أن التافيلالتي المغربي لم يحظ بالتعريف الكافي من المغاربة أنفسهم، فمراجع المغاربة في التعريف به تكاد تكون نادرة -حسب اطلاعي-. والراجح أن سبب ذلك راجع ربما إلى كون التافيلالتي انتقل شابا إلى المشرق الإسلامي عبر رحلة علمية ومحطات متنوعة انطلاقا من تافيلالت في المغرب الأقصى مرورا عبر الأزهر الشريف ودمشق والأناضول ثم استقرار بالقدس الشريف، ولذلك تعرّف عليه وعلى جهوده العلمية المشارقة أكثر من المغاربة.
تافيلالت.. محضن النشأة والنبوغ
هي المنطقة المتواجدة في الجنوب الشرقي للمملكة المغربية، والمعروفة بـ “سجلماسة التاريخية“، شكلت عبر التاريخ حوضا حضاريا زاخرا بالعلم، والنبوغ فيه، وهي التي عُرفت بكونها مهد الدولة العلوية الشريفة، ومنطلقا للقوافل التجارية والعلمية، اشتهرت كذلك بكونها “تافيلالت العالمة” التي ضمت العشرات من الزوايا العلمية ومدارس تحفيظ القرآن الكريم والعلوم الشرعية.
في هذه البيئة -“تافيلالت”- المشبعة بالقرآن والكرم والأخلاق الرفيعة، وُلد الإمام محمد التافلالتي عام 1135هـ/1722م، ونشأ في بيت علم وحفظ القرآن الكريم وهو ابن ثماني سنوات بـ “الضبط المتين”، ثم اشتغل بحفظ المتون اللغوية والفقهية والعلوم الشرعية على يد والده..
التافيلالتي.. الرحلة العلمية
انطلق التافلالتي في رحلة علمية شاقة تعكس طموح علماء المغرب الأقصى في التواصل مع حواضر العالم الإسلامي. حيث قَصَد أولاً الجامع الأزهر بالقاهرة، ومكث فيه قرابة ثلاث سنوات ينهل من شيوخه الأجلاء، فطلب من كل فن رسالة أو كتابا حتى برز نبوغه وعلا صيته.
وتعد محطة وقوعه في الأسر بجزيرة مالطة وهو في التاسعة عشرة من عمره من أعجب المحطات في سيرته؛ إذ لم يستسلم للأسر. بل خاض مناظرة علمية كبرى مع رهبان الجزيرة استمرت ثمانية أيام، أفحمهم فيها بعلمه في التفسير والحديث والمنطق واللغة، لدرجة أن كبير الرهبان دُهش من سعة علمه رغم صغر سنه، وأُطلق سراحه بكرامة وإجلال. ثم طاف بعدها في الحجاز واليمن والشام وصولاً إلى إسطنبول، حيث علا صيته العلمي في “دار الخلافة” بفضل ذكائه وفصاحته وعلمه الوافر.
وتنوعت موضوعات المناظرة لتشمل مسائل العقيدة (علم الكلام)، والتفسير، والحديث، واللغة العربية، واتسمت طبيعتها بدفاعه القوي عن الإسلام وتفنيد الشبهات بالأدلة العقلية والنقلية، ومن أبرز ما دار فيها الموضوعات التالية: – الرد بذكاء على الأحاديث المكذوبة – إثبات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ومعجزاته – ومسائل عقدية وتاريخية أخرى…
التافلالتي في بيت المقدس
في القدس الشريف، استُقبل التافيلالتي بحفاوة بالغة، وتلقاه أهل المدينة بالإكرام والإجلال. وتصدر مجالس الدرس بالحرم القدسي داخل قبة الصخرة المشرفة، حيث كان يُدرس التفسير والحديث بتقرير بديع، فالتف حوله أهل القدس وعامتها، وصار من أعيان المدينة. وسرعان ما أُسندت إليه وظائف تعليمية سامية في المسجد الأقصى، منها قراءة “كتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى” للقاضي عياض (عالم مغربي آخر). وقد توج مساره العلمي والوظيفي بتعيينه مفتيا للحنفية في القدس الشريف سنة 1182هـ/1768م، بعد أن تحول من مذهبه الأصلي “المالكي” إلى المذهب “الحنفي”.
اضطلع التافيلالتي بدور ميداني وفقهي محوري في الدفاع عن المقدسات وحماية الأوقاف الإسلامية والمغربية في القدس الشريف. فقد تولى في شهر رجب من عام 1178 هـ نظارة وقف المغاربة الشهير بـ “وقف أبي مدين الغوث”.
لم يقتصر دفاعه على أوقاف المغاربة، بل امتد لحماية أوقاف المسلمين عموماً من أي محاولة للتعدي أو التهويد. وتجلى ذلك ساطعا في موقفه الحازم عام 1174 هـ، حين قام يهود القدس ببناء مغتسلات (مطابل) على أراض تُعد من أوقاف المسلمين، وبعد أن أمرَ التافيلالتي بعضَ الولاة بهدمها، حاول اليهود إعادة بنائها عن طريق دفع الرشاوى (البراطيل). فتصدى لهم التافيلالتي بفتواه الفقهية والسياسية الصارمة “الخير الوابل في تعطيل المطابل”، أثبت فيها بطلان ملكية اليهود لتلك المغتسلات، وشدد على وجوب هدمها، موجها خطابا شديد اللهجة للولاة يحذرهم فيه من مغبة التواطؤ أو قبول الرشاوى لحساب التفريط في الأوقاف الإسلامية.
وفاته وإرثه العلمي الوافر
توفي الإمام التافيلالتي رحمه الله في ذي القعدة عام 1191هـ (أو 1192هـ)/1776/1777م ووري جثمانه الثرى في المقبرة المجاورة للمسجد الأقصى بالقدس الشريف، تاركا إرثا علميا ضخما ناهز أربعة وثمانين مصنفا في مختلف الفنون. وكان للمسجد الأقصى نصيب وافر من مؤلفاته، منها كتاب “حسن الاستقصا لما صح وثبت في المسجد الأقصى”، وكتاب “القول المقدس في شأن صخرة بيت المقدس”.
ومن مؤلفاته في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم: “النفح المعنوي في المولد النبوي”، و”إسعاف ذوي الوفا بمولد النبي المصطفى”، و”الدر الأغلى بشرح الدور الأعلى”. ومؤلفات أخرى في علوم مختلفة من قبيل: “غاية الإرشاد في أحاديث البلاد”، و”حسن التبيان في مدلول القرآن”، و”إيضاح الدلالات بحرمة استماع المنهي من الآلات”، و”القول المصون في حديث «الناس هلكى إلا العالمون»” الخ…
مكانته بين علماء عصره
اشتهر التافيلالتي بسرعة بديهته وقدرته الفائقة على التأليف والنظم؛ حيث نَظَم قصيدة “عقود العهود” المكونة من 600 بيت في حلب خلال ليلة واحدة. وألف كتابه الفقهي الجامع “شجرة النعمان في منهج النعمان” في الأستانة في 39 يوما فقط.
أما مكانته بين علماء عصره، فقد كانت في الذروة؛ إذ حظي بثناء كبار أئمة عصره من مختلف المذاهب. فقد وصفه شيخ الجامع الأزهر محمد بن سالم الحفني بـ “علامة العصر”. وقال عنه مفتي دمشق الإمام المرادي إنه “علامة العصر الفائق على أقرانه من كبير وصغير”. بينما لقبه الإمام ابن عابدين بـ “الدَّرَّاقة الفهامة ذو الذهن الوقاد” . ومما يُتوج مساره العلمي أنه حظي بشرف التدريس في ثلاثة من أعظم مساجد الإسلام: الروضة الشريفة بالمدينة المنورة، والمسجد الأقصى بالقدس، والمسجد الأموي بدمشق.
المراجع
[1] البغدادي إسماعيل باشا، هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين"، وكالة المعارف الجليلة، إسطنبول، 1951، مكتبة الإسلامية والجعفري تبريزي، طهران، ط 3، 1387ه / 1997م، ج 2.[2] تاوشيخت لحسن، تافيلالت العالمة، مقال منشور بموقع ميثاق الرابطة المحمدية للعلماء، المغرب. تاريخ الاطلاع: 21 مارس 2026، على الرابط: https://2u.pw/qOgpxO.
[3] سعد قاسم علي، علامة القدس ومحدثها الإمام محمد الطاهر بن محمد الطيب المغربي التافلاتي ثم المقدسي الأزهري مفتي الحنفية بالقدس الشريف (ت: 1191ه / 1777م)، مجلة قطاع أصول الدين، جامعة الأزهر، ع 7، ج 1، 2012م، منشورة في دار المنظومة على الرابط: http://search.mandumah.com/Record/1241184.
[4] محمود النفار، محمد بن محمد التافيلالتي الحركة العلمية في بيت المقدس في القرن الثاني عشر الهجري من خلال ترجمة مفتي الحنفية في القدس، تقديم الحبيب الشوباني، دار الخيام للنشر والتوزيع، ط 1، المغرب.
[5] المرادي أبي الفضل محمد بن علي (ت 1206ه)، سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، دار البشائر الإسلامية، دار ابن حزم، بيروت، ط 2، 1407ه / 1988م، ج 4.
[6] النفار محمود نمر، فتوى الخير الوابل للإمام محمد بن محمد التافلالتي - دراسة تحليلية. مجلة المرقاة، المجلد 9، العدد 9، 1444ه / 2022م.
[7] النفار محمود، الحركة العلمية في بيت المقدس في القرن 12هـ من خلال ترجمة مفتي الحنفية محمد بن محمد التافلالتي (ت 1191ه / 1777م)، مجلة دراسات بيت المقدس، العدد 22(2)، 2022م.
[8] نويهض عادل، معجم المفسرين من صدر الإسلام حتى العصر الحاضر"، مؤسسة نويهض الثقافية للتأليف والترجمة والنشر، ط 3، 1309ه / 1988م، ج 2.