مقدمة

تعد مجلة هيسبريس (حاليا: هيسبريس- تمودا HESPERIS-TAMUDA) من المجلات الدولية المتميزة والمرموقة، وهي أيضا أقدم مجلة مغربية استمرت في الصدور منذ تأسيسها دون انقطاع. وقد تمكنت المجلة عبر تاريخها الطويل من تأسيس رصيد بحثي ضخم وغني لا يمكن لأي باحث في ميدان العلوم الإنسانية الاستغناء عنه أو اللجوء والإستعانة به في أبحاثه حول المغرب والمجتمع المغربي وثقافته.

قصة التأسيس في ظل الإستعمار

بعد تأسيس “معهد الدراسات العليا المغربية” من قبل سلطات الحماية الفرنسية في بموجب قرار صادر في فبراير 1920، أصدر  المعهد في دجنبر من نفس السنة نشرة أطلق عليها “نشرة معهد الدراسات العليا المغربية” (Bulletin de l’institut des Hautes Etudes Marocaines). وعندما تم إدماج “المدرسة العليا للغة العربية واللجهات البربرية” في المعهد سنة 1921، تم بالتبع دمج “الوثائق البربرية” التي كانت تابعة للمدرسة، مع نشرة المعهد، فأصبح الإسم : “هسبريس: وثائق بربرية ونشرة معهد الدراسات العليا المغربية” (Hespéris : Archives Berbères et Bulletin de l’Institut des Hautes Etudes Marocaines)[1]. وقد عين ليفي بروفنصال أول كاتب تحرير لهذه المجلة. أما عن اختيار اسم هسبيريس للمجلة فقد كان ذلك تيمنا باللفظ الذي كان الإغريق قد أطلقوه على المغرب القديم لما بلغهم عنه من غزارة الإنتاج  وطيبه، واعترافا غافلا بشراهة الاستعمار وابتهاجا منه ببلوغ أمنية طالما تمناها[2]. كما أن هسبريس بالإغريقية يعني الغروب والغرب، واللفظ ترجمة للفظ المغرب بالعربية، واختيار حكام الحماية لهذا الإسم ينم عما كان من تهوسهم بعزل المغرب عن جذوره العربية والإسلامية لربطه بالمجال الأوروبي[3].

وقد شكلت تجربة مجلة هيسبريس مرآة الإنشغالات العلمية لمعهد الدراسات العليا المغربية، سواء من حيث المنهج والإنشغالات والموضوعات الخاصة بالمغرب، فتحولت مع مرور السنوات إلى مركز جذب لعدد مهم من الباحثين والعلماء والمستشرقين من المغرب وخارج المغرب. كما تحولت إلى عملة لتبادل المطبوعات لفائدة مكتبة المعهد والخزانة العامة التي كانت تستعملها للحصول على عشرات المجلات العلمية الأجنبية من مختلف التخصصات العلمية.

ورغم كون تأسيس المجلة ارتبط ارتباطا وثيقا بأغراض نظام الحماية الفرنسية في المغرب، حيث كان الهدف من إنشائها كشف الستار عن خبايا المجتمع المغربي المحمي أو روح المجتمع المغربي، فلا سلطان على بلد دون الإطلاع على أسراره وأول[4]. وهي حلقة من حلقات الجهود الإستعمارية للتعرف وفهم المغرب والمجتمع المغربي لتسهيل السيطرة عليه. وقد كانت البعثة العلمية الفرنسية أول حلقة مؤسساتية في هذا الباب بين سنتي 1903 و 1904 بقيادة أحد أقطاب التغلغل الفرنسي في المغرب ألفرد لوشاتليي Alfred le Châtelier، والتي شرعت في نشر نتائج عملها حول المغرب في دورية “الوثائق المغربية”. وقد تخصصت المجلة في التعريف بتاريخ المغرب وأرضه وسكانه ولغته وحضارته، مع اهتمام عام بتاريخ حضارة الغرب الإسلامي[5].

وبموازاة مجلة هيسبريس بمنطقة الحماية الفرنسية كانت تصدر في مدينة تطوان بشمال المغرب بمنطقة الحماية الإسبانية، مجلة أخرى تدعى مجلة “تمودا” Tamuda، وقد نشرت أعدادا محدودة ما بين سنتي 1953 و1959، وكانت تنشر نصوصا من نفس النوع الإهتمام باللغة الإسبانية.

 تحولات المجلة في فترة الإستقلال

بعد استقلال المغرب وتأسيس كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سنة 1957 كبديل لمعهد الدراسات العليا المغربية، تم دمج هاتين المجلتين لإصدار مجلة جديدة واحدة، وقد كان ذلك سنة 1960 تحت مسمى: هيسبريس -تمودا، وتصدر باللغة الفرنسية والإسبانية وبجميع اللغات[6]، وقد قاد هذه الخطوة المميزة، بالإنتقال بالمجلة من عهد الحماية إلى عهد اللإستقلال، المؤرخ جرمان عياش.

وبالنظر إلى ما راكمته المجلة من نفائس معرفية وعلمية، فقد عملت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط على إعادة طبع أعدادها الأولى التي نفذت وأخرجتها في حلة جديدة. فالمجلة تتكون من مجموعة وثائقية ضخمة، حيث ضمت أكثر من 16 ألف و616 صفحة مطبوعة، موزعة على أكثر من 413 مقالا، و768 عرضا ببليوغرافيا، وأكثر من 181 مداخلة، صدر كل ذلك في أكثر 100 كراسة. ويبلغ إجمالي أعدادها التي صدرت بشكل منتظم حتى عام 1959 ما مجموعه 47 مجلدا بمعدل إصدار واحد أو إثنين السنة الواحدة، يحتوي على مقالات أساسية، ودراسات تاريخية وجغرافية، ووثائق غميسة غير منشورة سابقا، بالإضافة إلى مراجعات للمنشورات الحديثة الصدور عن المغرب بصفة خاصة والغرب الإسلامي والمنطقة المتوسطية بشكل عام[7].

ومنذ عام 1960 يتم إصدار مجلة هيسبريس –تمودا سنويا في مجلد واحد أو أكثر. وقد تعاقب على إدارة وتنسيق شؤونها وتحريرها ثلة من الأساتذة؛ بدءا بالمؤرخ المشهور ليفي بروفنصال (في فترة الحماية) ثم جرمان عياش، وبعده جاء الأستاذ إبراهيم بوطالب (1990-2015). وقد أصبحت المجلة مع هذا الأخير ومنذ سنة 1991 تنشر أبحاثها باللغة العربية أيضا إلى جانب اللغات الأخرى، وخاصة اللغات الفرنسية والإسبانية والإنجليزية. وواصلت المجلة صدروها على امتداد العشرية الأولى من القرن العشرين، فتم تعزيز أعضاء لجنيتها العلمية والتحريرية، على الصعيدين الوطني والدولي بأسماء جديدة ومن خلفيات معرفية وحقول علمية متنوعة في مجلا العلوم الإنسانية والإجتماعية. ويتولى حاليا تنسيق أعمالها العلمية الأستاذ والمؤرخ خالد الصغير، وهو أستاذ التاريخ المعاصر والترجمة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط.

وعلى صعيد الإرتقاء بمستوى فهرسة المجلة وتكريس سمعتها العلمية والبحثية المرموقة على المستوى الدولي، تمكنت المجلة من الإنضمام رسميا ومنذ 2016، إلى قاعدة بيانات كلارفيت أناليتيكس (Clarivate Analytics) المعيارية الدولية[8].

المراجع
[1] آيت القايد يوسف، السياسات التعليمية بالمغرب من الحماية إلى الاستقلال، منشورات المندوبية السامية لقدماء المقاومين، ط1، 2019، ص 139.
[2] بوطالب ابراهيم، البحث الكولونيالي حول المجتمع المغاربي في الفترة الاستعمارية حصيلة وتقويم، ضمن: البحث في تاريخ المغرب حصيلة وتقويم، منشورا كلية الاداب زالعلوم الانسانية بالرباط، 1989، ص 122.
[3] Boutalb Ibrahim, Hespéris-Tamuda ou la marche de l’hitoire, revue Hespéris-tamuda, Vol. 42, fasicule unique (spécial), 2007, p.11.
[4] https://www.hesperis-tamuda.com/about.
[5] معلمة المغرب، عمر أفا، ج 22، منشورات الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر، 2005 ص 7509.
[6] معلمة المغرب، عمر أفا، مرجع سابق، ص 7509.
[7] راجع الموقع الرسمي للمجلة: https://www.hesperis-tamuda.com/.
[8] https://www.hesperis-tamuda.com/ (الموقع الرسمي للمجلة).