المحتويات
توطئة
لقد تعامل مسرح الهواة مع القضية الفلسطينية عبر تجسيد المعاناة، المقاومة، والتمسك بالأرض، باستخدام أساليب فنية متنوعة مثل التراجيديا، الشعر، والواقعية، لرفع الوعي وتوثيق الذاكرة التاريخية، خاصة في الداخل الفلسطيني وفي الشتات، مما جعله وسيلة فعالة لنقل الروح الوطنية وتعميق الشعور بالظلم، من خلال عروض تحاكي الواقع الشعبي وتوثق نضال الفلسطينيين وتطلعاتهم للعودة والحرية.
ومن أهم الأساليب التي استخدمها مسرح الهواة في التعامل مع القضية الفلسطينية، التركيز على الواقعية والتعبير الشعبي، التوثيق والنضال، وتجسيد الذاكرة والهوية، واستخدام التراجيديا والرمزية، الاحتفاء بالمقاومة والمقاوم، التعبير عن التضامن العربي.
ويعد كتاب “كيف تعامل مسرح الهواة مع القضية الفلسطينية” لـ أحمد البكري السباعي دراسة نقدية تتناول استجابة مسرح الهواة العربي للقضية الفلسطينية، مركزاً على كيفية تناول المبدعين الهواة لتلك القضية عبر أعمالهم المسرحية. و صدر عن مطبعة دار القرويين، سنة 2000م، الطبعة الأولى، ويقع في 96 صفحة.
مضمون الكتاب
يُعتبر الكتاب بحثاً أكاديمياً يوثق دور هذا المسرح في التعبير عن الوجدان الفلسطيني والتعبئة الوطنية، موجهاً الضوء على الإبداع والتحديات التي واجهت المسرحيين الهواة في هذا السياق. ويؤكد المؤلف أن الجيل الذي اهتم بالقضية الفلسطينية، كان ضد الصهينة المطلقة، وأن مسرح الهواة لم يتخل أبداً عن القضية الفلسطينية. حيث ناضل من أجل إسماع صوته عالياً قصد تحقيق أمانيه عن طريق مسرحيات قائمة على الصراع الدرامي الذي هو أساس الفن الأصيل .
إن تحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين لا يحتاج إلى دموع تذرف وتصريحات تندد، وتهديدات تشجب، بل إلى تكتل ومواجهة، لتطهير مدينة العهدة العمرية من رجس السفلة، وعهر الأوغاد الحاملين لواء نازية غيرت جلدها وسربلت وعينا بالفواجع والتخاذل .
فأبو يوسف وزوجته، ما قدما روحيهما ثمنا لأنصاف الحلول، وسكب الماء البارد على فورة الحماس المشتعل نارا ونورا .وکمال ناصر، ما وقع بالرصاص سجل حياته الحافلة بالنضال والبطولات من أجل المساومة والاعتماد على مفاوضات جائرة ساهمت في قتل طفولة يقصد بها اغتيال المستقبل العربي . وكمال عدوان، ما ضمخت دماؤه درج بوابة العمارة لتجهض ثورة شعب، شديد المراس، قوي الشكيمة. جرب لغة الكلام، فلم يفده إلا القيام بانتفاضة عارمة بددت فلول الظلام، وقهرت أعتى الجبابرة على يد أطفال في عمر الزهور، شكلوا انتفاضتهم بقلوب دامية ، تسبقهم إلى خط النار الملتهب. (مقدمة الكتاب، ص: 5\6)
ففي خضم الانتفاضة الكاسحة من أجل تحرير الأرض المقدسة، كان الأب “والد محمد الدرة” يجلس القرفصاء محتميا وراء حاجز صغير وهو يحتضن جسدا نحيلا في عاطفة أبوية مثخنة بالألم والجراح، ولكن الأوغاد لم يترددوا في إطلاق عاصفة من النيران على الأب الذي حاول بيده إشعار المعتدين بوجود طفل بريء بجانبه يطمع في بقائه حيا حتى يرى القدس محرراً. مات الطفل الصغير الذي يرى فيه الأعداء إلغاء لوجودهم لكونه يشكل خطرا داهما على مستقبلهم واستمراريتهم .
شهيد أنت يا (محمد الدرة) لأنك رمز للوفاء والتضحية، وشوكة في حلوق أولئك الذين يعملون على إطفاء جذوة بشائر نصر حقيقي بدأ يلوح من بعيد فلا يتوقف عبر ملامح المقاتلين الذين يصنعون الأحزان ويصنعهم الغضب. (مقدمة الكتاب، ص8-9)
وعد المؤلف، هذه النصوص المتواضعة المبثوثة بين دفتي هذا الكتاب، أقوى حجة على اهتمام الهواة المسرحيين بقضايا التحرر، وأشد صلابة من تلك الصداقة الوهمية الهشة الغنية بالتصريحات الجوفاء مادامت لم تترجم إلى فعل ملموس وحاسم، تفنّد تلك الأكذوبة الكبرى لسلام مغشوش لا يراد به إلا تكريس أوضاع ليست في صالح الشهداء المتساقطين على الأرض. (مقدمة الكتاب، ص: 10)
يقدم الكتاب تحليلاً لكيفية تجسيد القضية الفلسطينية (مثل النكبة، المقاومة، الصراع) في مسرح الهواة، من خلال البعد الاجتماعي الذي يركز على الجانب التعبوي والوطني لمسرح الهواة ودوره في تشكيل الوعي بالقضية. كما يستعرض الكتاب أعمالاً ومسرحيين هواة ساهموا في هذا المجال، موضحاً الأساليب والتناولات المسرحية المختلفة. ويربط بين تطور القضية الفلسطينية وأشكال التعبير المسرحي الهواة عبر فترات زمنية مختلفة. وإن من أهم الأعمال المسرحية التي عرضها المؤلف، الخلاف… والصراع… والإنسان، للفنان التسولي، بین کاف ونون للفنان عبد الله مغازي، زنوبة التي يريدها المجتمع لمحمد الأزهر، الباب الشرقي للتسولي، متى تشرق الشمس لبوليد حميد، المخرجة الشعيبية رغيكيدة، الوجه الحقيقي للتسولي إخراج عبد الرحيم كريطي، العاطل لحميد الشرقي، إخراج البشير باسط، القبيلة لعبد اللطيف سلوان، صرخة في أورشليم لعبد المجيد الحبشي، مدينة البندقية لمحمد مخلص، إخراج عبد الإله عاجل، حمان في مزبلة الأيام ريب بیروت مرت من هنا مسرح لرشيد دبيب، الغريب لمصطفى عزيز ومقداد جمال الدين، إخراج رضوان فقير، بيروت مرت من هنا للطاهر مرزاق، أهل الحي عمل جماعي، استمرار لغلاب الحطاب، حي وميت للكاتب السوري مصطفى الحلاج، إخراج عبد الرحيم ألبان، فلسطين تلك القضية عمل جماعي، صبرا وشتيلا عمل جماعي، حوار تحت سقف ممطر بالأحزان للتهامي لوليدي.
خاتمة
إن المسرح ليس ورشا أو حقلا لأحداث تراكمية ولا هو نشرة أخبار سياسية… ولا وثيقة إلزامية تحث على نقل الوقائع نقلا فوتوغرافيا، بعيدا عن عنصر الاستكشاف والاستبصار. المسرح ليس هذا ولا ذاك، وإنما هو دراسة لسلوك شريحة من الشرائح البشرية، شذت عن القاعدة، فاعتنقت أنماطا من الممارسات تحتاج إلى تقويم وإصلاح أو إلى فضح وتعرية عن طريق التشخيص الهادف، والكلمة الموحية الفاعلة، ذات البعد الإنساني العميق. ويُعد هذا الكتاب مرجعاً هاماً لدراسة العلاقة بين المسرح والقضايا الوطنية في العالم العربي. ويسلط الضوء على دور الفئات المسرحية غير المحترفة (الهواة) في الحراك الفني والثقافي والسياسي.