المحتويات
توطئة
يعتبر خيار المقاومة موقفًا صادراً عن الطبيعة البشرية منذ الأزل، فهو فعل وفكر مرتبط بالوعي الإنساني عن فطرة، يتحلى به الإنسان في مختلف المواقف دفاعا عن نفسه ومحيطه. سواء كانت له علاقة بالظروف البيئية أو الطبيعية أو حتى العلاقات الدولية. لأن قناعات الإنسان الراسخة تجعله ينأى بنفسه ويرفض على الإطلاق أي خضوع أو استسلام. وبمقاومته هذه يستطيع حماية نفسه ووطنه من أي عدوان.
وتتعدد أشكال المقاومة وأساليبها وأنواعها، فهناك مقاومة فكرية ثقافية تتسلح بالبحث العلمي والمقارعة بالكلمة، كما هو حال الباحث المرحوم بوعبيد التركي في كتابه الذي بين أيدينا الموسوم بـ: “قبائل زعير في مواجهة التدخل الاستعماري الفرنسي بين أواخر القرن 19 و منتصف القرن 20″، الذي سعى من خلاله إلى الترافع عن إحدى أهم قبائل المغرب التي رفضت الانسياق وراء أي مسار يمكن أن يخدم المحتل أو يسهل عليه تنفيذ مخططاته.
والنوع الثاني من المقاومة هي التي تعتمد السلاح كوسيلة للدفاع عن النفس ضد كل عداون أجنبي دخيل. لأن الانسان خلق حرا طليقا وجبل على الحرية والاستقلال. وهو يُثَبِّت وجوده بإثبات حريته وتحقيق ذاته وتقرير مصيره بنفسه. وهذا الأمر ينطبق على مختلف الجوانب على قبائل زعير التي تصدت لقوات الجيش الفرنسي ندا للند، واستطاعت مجابهة كل العقبات والمعيقات التي صنعتها السلطات الاستعمارية. لأنها لم تكن لتفرط ولو قيد أنملة من ترابها، وهدفها ومسعاها هو حماية مجالاتها من قبضة المستعمر الغاشم وسطوته وجبروته. (مقدمة الكتاب مصطفى الكثيري، ص: 7)
مضامين الكتاب
والكتاب، موضوع التقديم الذي بين أيدينا لمؤلفه الباحث المرحوم بوعبيد التركي الموسوم بـ «قبائل زعير في مواجهة التدخل الاستعماري الفرنسي من أواخر القرن 19 إلى منتصف القرن 20″. ويقع في 532 صفحة، صدر عن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، سنة 2022م. ويتوخى منه إماطة اللثام عن مرحلة مغمورة من تاريخ قبائل زعير، وحلقة هامة من سلسلة الكفاح الوطني ضد التغلغل الاستعماري الفرنسي، وجب الكشف عن أحداثها وإبراز ملاحمها وإنصاف الفاعلين فيها، الذين أصروا على رفع راية الحرية والجهاد، وكتبوا بدمائهم صفحاتها المشرفة.
لقد شكلت فترة ما بعد سنة 1907م، مرحلة عصيبة في تاريخ الاستعمار الفرنسي بالمغرب، الذي كان قد شرع في تثبيت وجوده بالبلاد، بدءا من احتلال مدينتي وجدة والدار البيضاء والتسرب إلى الشاوية. وبعدها إلى المناطق الهضبية المجاورة، ومنها بلاد زعير ذات الموقع الاستراتيجي يومئذ. إذ شكلت نقطة وصل بين شمال البلاد وجنوبها، وبين المحيط وهضبة الفوسفاط.
وقد حضيت بلاد زعير بأهمية خاصة في المخطط التوسعي الفرنسي بالمغرب، نظرا لأهميتها كموقع استراتيجي ومجال جغرافي. وكانت بلاد زعير من المناطق المغربية الأولى المستهدفة من قبل الاستعمار، مباشرة بعد احتلال الشاوية المجاورة لها. كما أنها منطقة سوف تتيح للمستعمرين فرصة التدخل والتوغل التدريجي في بلاد زيان وتادلا. ولبلوغ مراميهم تمكنوا من فرض السيطرة على كافة بلاد زعير، وعملوا على تأمين الطرقات والممرات وتشييد المعسكرات في المواقع الاستراتيجية المحادية للقبائل الثائرة. (مقدمة المؤلف، ص: 15)
وبعدما تمكنت القوات العسكرية الفرنسية من بسط سيطرتها على بلاد الشاوية سنة 1908م، بدأت تناور وتتربص بأهل زعير، وتفكر فى احتلال أراضيهم. لكنها فشلت فى محاولاتها الأولى، وخاصة بعدما سقط بعض من عساكرها المرابطين بالشاوية فى كمينين شهيرين بتراب زعير. ففى شهر فبراير 1910م سقطت كوكبة من عساكر جيش الاحتلال فى كمين بقبيلة السلامية من زعير، قتل فيه ضابط فرنسى يدعى Méaux وأحد معاونيه. وفى شهر يناير 1911م، فتك مجاهدو زعير بكوكبة فرنسية وتم قتل معظم أفرادها في كمين وقع بتراب قبيلة أولاد دحو من زعير، وكان أبرز القتلى الضابط Marchand، حينها أقامت الأوساط الاستعمارية الفرنسية ضجة إعلامية حول ما سمي في صحافتها بـ «اعتداء زعير»، و «کمین مرشوش»، وأصبحت قواتها العسكرية تسارع الزمن لاحتلال بلاد زعير والثأر من أهلها.
وعندما انطلقت القوات الاستعمارية في شهر أبريل 1911م، لتوسيع مخططها الاستعماري، ليشمل احتلال العاصمة فاس ثم باقي التراب المغربي. انضمت زعير إلى الأحلاف القبلية لاعتراض سبيل هذه القوات وتعطيل سيرها. وقد واجهت هذه القوات صعوبات كبيرة على طول المسار الذي قطعته من الدار البيضاء إلى فاس؛ وما أن عبرت كتائبها العسكرية وقوافل التموين والعتاد واد أبي رقراق في طريقها إلى المهدية، حتى اصطدمت بمقاومة شديدة. وشهد شهر ماي 1911م، عدة معارك واشتباكات ومطاردات على طول الخط الرابط بين سلا وقصبتي القنيطرة والمهدية، وأحيانا عرف اليوم أكثر من حادث. (مقدمة المؤلف، ص: 16)
خاض الزعريون عدة معارك واشتباكات خلال صيفي سنتي 1911 و 1912 وربيع سنة 1913… لكنهم أرغموا خلالها على الخضوع والقبول بشروط الأمان؛ فيما تحصن البعض منهم في المناطق الجبلية المتاخمة لقبائل زبان. ومن هناك واصلوا مناوشة الوجود العسكري الفرنسي في بلاد زعير، ولم يستسلم هؤلاء إلا بعد أن استنزفوا كل وسائل المقاومة.
لقد كلف تدخل القوات الفرنسية في بلاد زعير خسائر لوجستيكية وبشرية هامة، كما مني مجاهدوها بخسائر بشرية جد ثقيلة، سيما أن عساكر الاحتلال، استطاعت ضرب أهل زعير في عمق أراضيهم. فهددت أمنهم وقتلت خيارهم، وأصابت مصادرهم الحيوية، من خلال حرق حقولهم، وإفراغ مطاميرهم، والاستيلاء على قطعان ماشيتهم ونهب أمتعتهم. وأظهر كل من الجنرال Moinier والكولونيل Branlière والكولونيل Blondlat والكولونيل Brulard والكومندان Maurial وغيرهم من الضباط الذين قادوا ما سمي “بعمليات تهدئة زعير”، قسوة وعنفا في التقتيل والتنكيل والقصف المدفعي، مما أهلهم للترقي إلى رتب عسكرية عالية. (مقدمة المؤلف، ص: 17)
استهل الباحث عمله بتقديم بسط فيه البواعث والدواعى الكامنة وراء تأليف هذا السفر الجامع، والذى يصبو من خلاله إلى إعادة الاعتبار لتاريخ المنطقة وللفاعلين فيه الذين جاهدوا بالنفس والنفيس لرفع راية الحرية والانفلات من ربقة المستعمر وجبروته وتحقيق الحرية والاستقلال.
وقسمه إلى جزأين رئيسيين جزء أول عنونه ب “قبائل زعير فى مواجهة الاستعمار الفرنسي 1907- 1932م” ، وجزء ثان وسمه بـ “حركة الفداء بقبائل زعير 1953 – 1956م” . واستنادا على عنوان الجزء الأول: “قبائل زعير في مواجهة الاستعمار لفرنسي 1907 – 1932م”، وحسب تصنيفات مادته المصدرية وسياقاتها التاريخية عالج الباحث موضوع هذا الجزء في أحد عشر بابا، الباب الأول: قبائل زعير.. الوطن والأصول، التنظيم الإداري والسياسي، الحياة الاجتماعية والاقتصادية. الباب الثاني : أثر التسرب الفرنسي بزعير.. “الحماية القنصلية والمخالطة”. الباب الثالث: موقف قبائل زعير من تفعيل بعض قرارات مؤتمر الخزيرات. الباب الرابع: التدخل العسكري الفرنسي احتلال وجدة والدار البيضاء والشاوية. الباب الخامس: استراتيجية التدخل الفرنسي في بلاد زعير قبل الاحتلال. الباب السادس: الحملة الفرنسية لاحتلال فاس في ماي 1911م ورد فعل زعير وحلفائها من القبائل لوقف تقدم القوات الفرنسية. الباب السابع: التدخل العسكري لاحتلال بلاد زعير.. يوليوز _ غشت 1911م. الباب الثامن: سلسلة معارك واشتباكات سنة 1912. الباب التاسع: الأحداث من سنة 1913 إلى سنة 1932. الباب العاشر: مراكز احتلال بلاد زعير وكرونولوجيا استسلام قبائلها. الباب الحادي عشر: بعض رموز حركة الجهاد بزعير. أما ملحق الجزء الأول ففيه وثائق في شأن بعض أحداث زعير.
والجزء الثاني: حركة الفداء بقبائل زعير ” 1953 _ 1956″، وفيه: الباب الأول: أعمال فدائية وخلايا. الباب الثاني: المطالبة بعودة الملك الشرعي واحتفالات زعير بهذه العودة المظفرة. أما ملحق الجزء الثاني فأورد فيه: صدى نفي الملك محمد الخامس من خلال الموروث الشعبي الزعري. وكلمة ختامية.
خاتمة
إن المتتبع لصيرورة الأحداث التي عرفتها منطقة زعير خلال الفترة المدروسة من طرف الباحث يتبين له بشكل جلي، أن هذه المجموعة لم تستقبل الغزاة بالورود، وأنها لم تخضع أبدا للأجنبي دون مقاومة. وقد كان للواقع الديني والشعور الفطري لدى القبائل دور مهم في تعبئة المجاهدين وإيقاظ الشعور لمناهضة الغزو الاستعماري.
وبغية توثيق عمله الأكاديمي الرصين، استند الباحث إلى مادة مصدرية هامة من المصادر والمراجع والمطبوعات والتقارير والنشرات والدوريات باللغتين العربية والفرنسية، بالإضافة إلى المقالات والدراسات، وانفتاحه على وثائق الخزانة الحسنية بالرباط.
وجاء هذا المؤلف غنيا بالمعطيات الواردة في متنه والتي تم استقاؤها من الوثائق والمستندات والأرشيفات المعتمدة عليها، والمحكم على مستوى تحليل الموضوع ودراسته بالاعتماد على مناهج علمية متعددة تتقاطع فيما بينها وتتكامل.
لقد طمح المؤلف من خلال هذه الصفحات المشرقة من تاريخ قبائل زعير، التعريف قدر المستطاع بالكفاح البطولي لهؤلاء الرجال العظام الذين يمثلون جيل الأمس من أبناء زعير؛ كى تعرف الأجيال الصاعدة ما قدمه الأجداد من تضحيات جسام دفاعا عن الحرية والكرامة.