تقديم

القرآن الكريم روح هذه الأمة فيه حياتها والأطفال بهم استمرار هاته الأمة، ولا يكون هذا الاستمرار صحيحا وحقيقا نافعا إلا بالقرآن المجيد. وحيث إن رياحا كثيرة تتجاذب الأطفال لتأخذهم إليها أخذا وربما كان فيه هلاكهم، فإن الحاجة ماسة لمعرفة كيفية تعليم الأطفال القرآن الكريم ـ بما هو وسيلة فعالة لحمل الأطفال على الخير والنفع الكثير المانع من تدفق كل شر عليهم. يستوي في هذه المعرفة المربون والآباء وعموم الأمة لما لهم من دور أساس في عملية التعليم.

والكتاب الذي بين أيدينا المعنون ب: “تعليم الأطفال القرآن الكريم؛ الفوائد والمنهج” لمؤلفه الدكتور: عبد الرحمان بن محمد بوكيلي، وصدر عن “شمس برينت”، سلا، في طبعته الأولى 2020م، عدد صفحاته 114، يعتبر مساهمة مهمة في سبيل تعليم الأطفال القرآن الكريم. فما هدفه ومنهجه؟ وما أهم محتوياته؟ وما المزايا التي تميز بها؟.

محتوى الكتاب

انتظم عقد الكتاب، في شكل مقدمة، وأربعة مباحث، وخاتمة.

أما المقدمة[1] فقد أشار المؤلف فيها إلى اختصاص الله عز وجل هذه الأمة بالقرآن وجعله ميسرا للجميع، ولذلك كان الإقبال عليه من قبل المكلفين، ومع هذا الإقبال هناك فقرا في مناهج تعليمه، كما تناولت المقدمة أهداف الكتاب ودواعيه والخطى البحثية للكتاب.

وفي المبحث الأول والموسوم ب:”العز كل العز في القرآن الكريم”[2]، ففيه جملة العناصر منها: أن القرآن الكريم ميزة الأمة، وسر حفظها، وهو زاد المؤمن، ودستور الحياة، ثم بين المؤلف خطر الإعراض عن القرآن الكريم، وذكر أن الخير كله في القرآن الكريم، ثم عرض لأهمية تنشئة الصغار بالقرآن الكريم.

أما المبحث الثاني والذي خصصه للحديث حول “أولوية توجيه البنين والبنات إلى الارتباط بالقرآن الكريم”[3]، تناول فيه المؤلف علاقة المؤمن بالقرآن، وكذا الأطفال والقرآن.

وبعدها في المبحث الثالث: “مقاصد تعليم الأطفال القرآن الكريم”[4]، وذكر فيه المؤلف مجموعة من المقاصد.

أما في المبحث الرابع والموسوم ب: “معالم هادية في التحفيظ والتعليم”[5] فقد تحدث الكاتب عن العلامات الهادية إلى تحقيق هدف حفظ الأطفال للقرآن الكريم.

مزايا الكتاب

تراث المسلمين جزء من حياتهم وكيانهم وحضارتهم، ومن معانيه ما خلفه السابقون من العلوم والمعارف، لكن إزاء العلاقة مع التراث وجهات نظر مختلفة بين داع إلى الوصل معه وداع إلى القطيعة معه[6]، فالملاحظ اعتماد واحتفاء الكتاب بجملة من النصوص التراثية القديمة منها ما كان لابن خلدون مثلا وغيره ممن حفلت نصوص هذا الكتاب بكلامهم. إن استناد الكاتب على أقوال القدامى يجعل القول بأن الكتاب نحا منحى الوفاء وحسن الصلة مع التراث لا القطيعة معه كما هو الأمر عند آخرين، هو القول الصواب في علاقة الكتاب بتراث الأمة المسلمة.

وضع العلامة المرحوم فريد الأنصاري في كتابه “مفهوم العالِمية من الكتاب إلى الربانية” مجموعة من الشروط والضوابط اللازمة في العالم حتى يكون عالما في الحقيقة، وذكر منها: القيادة التربوية الاجتماعية[7]. إذ لا يكون العالم حقيقة حسب رأيه إلا إذا تحقق بمهمة قيادة المجتمع تربويا واجتماعيا، وبتأمل فيما جاء به الكتاب يجوز القول بأن فيه عملا قياديا واضحا لحركة المجتمع، يدل لذلك بشكل واضح أهداف الكتاب التي لم يكن إلا خير معبر على معنى القيادة التربوية الاجتماعية، جاء في أهداف الكتاب: “إنه رسالة ترمي إلى الإسهام في تخريج أجيال قرآنية فريدة، تمثل بحق ربيع الأمة وزينتها، كما تعد أملها وحلمها مستقبلا”.[8]

وتحضر شخصية الكاتب بقوة في الكتاب، ويشهد لذلك حجم الكلمات التي تنسب له، وكذا بذل الوسع في تحليل وتفسير ونقد بعض القضايا المثارة في الكتاب.

يعبر الكتاب على مستوى مهم من الانفتاح على الثقافات الأخرى، فإذا كان القرآن يدعو العقل المسلم إلى التعارف والأخذ والعطاء المتبادل مع الآخر، فإن الكاتب لم ينكب عن سواء القرآن بحيث عمل على الاستشهاد ببعض النصوص لباحثين غربيين في سياق مناقشته لبعض قضايا الكتاب[9].

يشكل الكتاب إضافة نوعية لمكتبة التربية والتكوين، ومرجعا مهما في مجال التربية يستفيد منه جميع المتدخلين في شأن التربية سواء معلمين أو مشرفين على إدارة التعليم، أو عموم الأسر والمجتمع، أما بخصوص المعلمين وهم المدبرون للفصول الدراسيةـ فالكتاب وسيلة تسهم في تطوير الممارسات الصفية في تدريس القرآن، كما يمكنهم  الاستفادة منه لأجل الارتقاء المهني بحيث تستثمر محتوياته في الإجابة عن الأسئلة التي ترد في الامتحانات المهنية لمهنة التدريس، خاصة في المواد ذات الصلة بالقرآن الكريم تعليما وتحفيظا، أما فيما يرجع إلى إدارة التعليم، فلما كانت مكلفة بإدارة الشأن التربوي فإن من الضروري أن يكون لها حظ من الإحاطة بتعليم الأطفال القرآن، وفيما يرتبط بعموم الأسر والمجتمع فهم بدورهم يقومون بمهمة التربية فكان من المفيد جدا أخذهم نصيبا مما جاء به الكتاب وغيره من الكتب ذات الصلة بموضوعنا.

تطبع سمة الجدة والجودة الكتاب، فما من شك في أن موضوع تعليم الأطفال القرآن الكريم كان موضوع العلماء من القدامى، يشهد لذلك النصوص الواردة في الكتاب والتي تتحدث حول الموضوع، لكن أين تظهر الجدة في هذا الكتاب؟ إن ملاحظة “هندسة حصة قرآنية”[10] تجلي جانب الجدة والجودة بحيث يظهر من خلالها جهد الكتاب في الاستفادة من خبرات التعليم المعاصر وحسن توظيفه علوم التربية في سياق تجويد تعليم الأطفال القرآن الكريم، وذلك باقتراح تلك الهندسة.

وانضبط الكتاب لتقنيات البحث العلمي[11]، بحيث تضمن مقدمة، ومباحث، وخاتمة. كما أن لغة الكتاب لغة سلسة، تساعد على حسن فهم محتوى الكتاب.

خاتمة

إذا كانت الحاجة ماسة إلى تعليم الأطفال القرآن الكريم في وقتنا المعاصر، فإن الكتاب جهد متميز قدم من خلاله صاحبه لعناصر ذات الصلة بالقرآن من خلال بيان أن العز كل العز  في القرآن الكريم، والتأكيد على أولوية توجيه البنين والبنات إلى الارتباط بالقرآن الكريم، وإبراز مقاصد تعليم الأطفال القرآن الكريم، ثم عرض أهم الهادية والمعينة على التحفيظ والتعليم.

إن هذه الإضافة النوعية القيمة التي قدمها المؤلف في باب تعلم القرآن الكريم، يمكن استثمارها بغية الإسهام في تقديم إجابات وحلول لقضايا مختلفة منها صعوبة الحفظ عند المتعلمين، وذلك من خلال توجيه بحوث علمية تربوية تعنى بمثل هذه الموضوع وغيره من المواضيع التي تجد جوابها في مجموع القضايا المطروحة في الكتاب.

المراجع
[1] بوكيلي عبد الرحمان، تعليم الأطفال القرآن الكريم؛ الفوائد والمنهج، شمس برينت، سلا، ط 1، 2020 ، ص3 وما بعدها.
[2] تعليم الأطفال القرآن الكريم؛ الفوائد والمنهج، مرجع سابق، ص7 وما بعدها.
[3] تعليم الأطفال القرآن الكريم؛ الفوائد والمنهج، مرجع سابق ، ص15 وما بعدها.
[4] تعليم الأطفال القرآن الكريم ؛ الفوائد والمنهج، مرجع سابق، ص  25وما بعدها.
[5] تعليم الأطفال القرآن الكريم؛ الفوائد والمنهج، مرجع سابق، ص53.
[6] عبد الرحمن طه، الحوار أفقا للفكر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت، الطبعة الثانية 2014م.
[7] الأنصاري فريد، مَفْهُومُ العَالِمِيَّة مِنَ الكِتاب إلى الرَّبَّانِيَّةِ ـ دراسة في مفهوم العلم وصفة العالمية وظيفة وبرنامجا من خلال وصية أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي رحمه الله (ت، 474ه)، دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع والترجمة. الطبعة الأولى: 1430ه /2009م.
[8]  تعليم الأطفال القرآن الكريم؛ الفوائد والمنهج، مرجع سابق، ص75.
[9] كتاب تعليم الأطفال القرآن الكريم؛ الفوائد والمنهج، مرجع سابق، ص 44.
[10] تعليم الأطفال القرآن الكريم؛ الفوائد والمنهج، مرجع سابق، ص105
[11] أبجديات البحث في العلوم الشرعية، فريد الأنصاري، دار الكلمة المنصورة، الطبعة الأولى، 1423هـ /2002م.