توطئة

مرة ثانية زبيدة هرماس تغوص في عالم مخفي عن الكثيرين، وتجليه للقراء، وتكشف عن مستتر ظاهر غائب. وتركب صهوة الباحثين الميدانيين، لتتحدث بلغتها الأدبية عن الذين يشتغلون في صمت يحملون رسالة السماء وكلام الرب للعالمين، للعاشقين النور الإلهي الذي انبعث من غار حراء فأحدث ثورة علمية ومعرفية، وحرر العباد من الوثنية وتقديس الحجارة والذات إلى رحاب التوحيد ونبذ الخرافة. فشهدت مكة بعد غار حراء وأول الكلام اقرأ، ميلاد أمة تلقت النور من في سيد الأولين والآخرين، وبدار الأرقم بن الأرقم كانت محاضن التربية والتعليم وتقويم السلوك وتصحيح الانحراف العقدي. إنها  مجالس القرآن، مجالس أهل الله وخاصته؛ وكما علم عن عبد الله بن مسعود قوله  كنا نقرأ العشر الآيات لا نجاوزهن حتى نعلم ما فيهن ونعمل بهن. هو منهج حياة رسم معالمه سيدنا محمد، وتولدت رغبة عند المنتسبين الأوائل للتعرف على كلام ربهم وكشف أسراره، والاستماع لبيانه وإدراك معانيه. وسار على نهجهم من تبعهم من التابعين إلى يومنا هذا. ولم تكن المرأة نشازا في هذا التحول، بل انخرطت إلى جانب الرجل في التفقه في الدين والسؤال عن ما أشكل عليها لعبادة ربها عن علم، وتحملت الأمانة بكل صدق وأمانة، وساهمت في رقي الأمة ورفعها.

وقد كان لاختيارات المغرب المذهبية وعنايته بكتاب الله وفتح الباب لكل أبناء الوطن ذكورا وإناثا كبارا وصغارا وشباب، أن يشع نور القرآن وتعقد المجالس في ربوع المملكة لقراءته وتدبره وتفسيره وحفظه والاجتهاد في التأسي بسيد الخلق الذي كان خلقه القرآن “وإنك لعلى خلق عظيم”. وبهذا أجابت أم المؤمنين لما سئلت عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام. وقد حدثت في عهد محمد السادس نصره الله تحولات كبرى ساهمت في إصلاح الشأن الديني أكملت مسيرة الراحل الحسن الثاني رحمه الله، لتؤكد المملكة الشريفة عن اهتمامها بتدين المغاربة وعنايتها الفائقة بكتاب الله وسنة نبيه، وفقه إمام دار الهجرة، وعقيدة الأشعري، وزهد وتصوف الجنيد السالك، وضمان ذلك كله وصمام الأمان إمارة المؤمنين.

وقد ساهمت المرأة المغربية إلى جانب الرجل في بناء هذا الصرح المتين وتوطيده، والاجتهاد في الاتتصار على الجهل والأمية من خلال فتح الباب للمغاربة بصفة عامة والنساء بصفة خاصة كي ينتصرن على عقبة الأمية وظلامها. ويتلمسن طريق المعرفة والتمتع بقراءة القرآن وتدبر آياته، وحفظ العديد من أجزائه، والتعرف على مقاصده وأسراره، والانتفاع به قراءة وفهما واستيعابا وتدبرا. وكانت البدايات بفك رموز الحروف، وضمها لبعضها لتكوين الجمل والسباحة في عالم المعرفة وتشعباته،  والركوب في قطار التنمية.

ويأتي كتاب الدكتورة زبيدة هرماس الأديبة، العالمة، الروائية، والخبيرة في التعامل مع هاته الفئة من اللواتي تجاوزن عقبة الجهل بالقراءة والكتابة، الراغبات في أن يكن في مصاف المرتقين بـ”اقرأ” ويرسمن مسارات جديدا في حياتهن من خلال محاضن المجالس العلمية. والكتاب صادر عن رؤى برينت- الطبعة الأولى 2026م، ويقع في 142 صفحة.

 زبيدة هرماس.. مسار أديبة وعالمة

زبيدة هرماس روائية تزرع الأمل في النفوس، وتمتح من عبق الغرب الإسلامي، وعمقه الحضاري. تكتب للوطن ولأبنائه، لاسيما اليافعين، والشباب، أجمل الحكايات بلغة سلسة ومبسطة، رسمت لنفسها مسارا أدبيا غايته عشق الوطن، وتقريب قيمه ومميزاته لهم.

زبيدة هرماس عاشقة القلم، هامة وشامة، وصاحبة الكلمة المؤثرة والمعبرة عن خوالج النفس الفطرية الطاهرة، قامة من قامات الرواية المغربية، تكتب عن ما تعشقه وتحس به، من “عشاق الصحراء”، وبعد مجموعتين قصصيتين، الأولى؛ “كنز في تارودانت” والثانية؛ “لم أرحل إلى الضفة الأخرى”، وروايتين “فراشات مكة.. دعوها تحلق”، و”حب على رصيف القرويين”، و”أحلام فلوريدا”، و”ثورة وردية”، و”حين كنا أطفالا ”، و”لا تحرقوا هذا الوطن”.. وغيرها من الأعمال الرائعة.

هرماس كاتبة وروائية مغربية متميزة، اختارت لنفسها مسارا مختلفا وسجلت بمداد الفخر اسمها ضمن لائحة الروائيين، وهي إلى جانب تخصصها الأدبي عالمة بالدين اشتغلت بالمجلس العلمي، واجتهدت في إنارة الطريق للتائهين، والراغبين في التحصيل العلمي والمعرفي. وهي بعملها الدؤوب والمستمر تتوخى الإسهام في تحقيق مهمة العلماء النبيلة، التي تتجلى في التعريف بالثوابت الدينية.

مضامين الكتاب

يمثل كتاب الدكتورة زبيدة هرماس شهادة على تجربة إعادة ھیكلة الحقل الدیني وإشراك المرأة العالمة. وقد اجتهدت المؤلفة فيه بأسلوب سھل سلس یروي قصص نجاح نسائیة، وقسمت مبحثها إلى ست مقدمات، في كل مقدمة مجموعة من التقسیمات وضعتھا المؤلفة بكل عنایة ودقة، جاءت في أبحاث متساوقة في حلة قشیبة محترمة.

و سطرت فیه تجربتھا لما یزید عن عشرین سنة عاشتھا في أكناف المؤسسة العلمیة. فأبرزت فیه جانبا مشرقا من عطاءات المرأة المغربیة العالمة وحضورھا الفعلي في واقعھا ومجتمعھا إزاء بنات جنسھا، بالتربیة والإصلاح والتوجیه الصحیح، للرقي بھن روحیا وعقلیا وأدبیا وعلمیا، تبلغھن رسالة الإسلام ومیراث علم النبوة، رسالة دلیل للسالك كیف یسلك، ورسالة إفشاء العلم بین الناس كي لا یھلك كل الناس، توصلھن بمقومات دینھن، وتجدد قیمه في نفوسھن، وتربطھن برموزھن الإسلامیة الضاربة في عمق التاریخ الإسلامي والعلمي كالسراج حیثما وضع أنار وأضاء..

دبجت كتابھا بشھادات نماذج مشرقة، كلمات وخواطر أناس وضعھم القدر أو الصدفة في طریق رحلتھا، أو وضعھا في طرائقھم. شھادات نساء ذوات عزائم قویة، وقلوب منفتحة على محبة العلم والمعرفة. نساء متوقدات متحركات من ذوي الھمم حلقن في سماء المعالي، ولم ینته تحلیقھن دون علیین، فھي غایتھن العظمى وھمھن الأسمى. انطلقن بثقة وقوة، وثبات وإقدام نحو غایتھن التي حددنھا على بصیرة وعلم فقدمن لنا عصارة ما جادت بھ تجربتھن. لم یدخرن جھدا لأنھن لا یرضین لأنفسھن من كل شيء إلا أحسنه ومن كل أمر إلا أتمه وأجمله. (مقدمة الكتاب، ص: 6\7\8)

فھذا الكتاب ازدان بشھادات دلت على أن المشاركة الفاعلة للعالمات والمؤطرات الدینیات في تنشیط الحركة الفكریة والثقافیة. أبرزت الصورة المشرقة للعالمة المغربیة التي أكدت للعالم أجمع كفاءتھا وقدرتھا على خدمة ھذا الدین ونشر الثقافة الإسلامیة المتنورة، في خطى ثابتة لا تختلف ولا تتخلف عن ندھا الرجل، مما جعلھا قیمة فكریة مضافة تساھم في بناء الشخصیة المتوازنة للأسرة بمختلف الفضاءات، ولفائدة جمیع الفئات، بما یحفظ أمنھا، ویصون استقرارھا، في إثبات للذات، واحترام للآخر، ووقوف عند حدود الشریعة وأحكامھا. (مقدمة الكتاب، ص: 8)

الكتاب یضم قصصا لیست كثیرة، لكنھا كافیة جمعتھا كتابة أو شفاھة لسنوات طویلة من عضوات عالمات بالمجالس، ومن مؤطرات للبرامج، وكذا من مستفیدات منھا، ومنھا من عاشت أحداثھا، فصاغتھا بطریقة تحافظ على روحھا من غیر الابتعاد عن مقصدھا، وكثیرة ھي القصص التي لم ترو، وأكثرھا تلك التي احتفظت بھا صاحباتھا ولم یحدثن بھا أحدا.

ولا تعتبر المؤلفة كتابها تقريرا عما أحدثته ھذه البرامج في صفوف النساء، بل ھو صدى لما یمكن أن یصنعه العلم حین یبذل للمرأة بسخاء. وھو أیضا حقیقة تقدم أمام كل من یظن أن التمكین والنجاح حكر على المادیات، فھنا نجاح وتمكین من نوع آخر، تمكین في الثقة والاعتزاز بالدین والھویة الوطنیة والإقبال على البناء. (مقدمة الكتاب، ص: 12)

خلاصة

أكدت المؤلفة في خاتمة بحثها على ما يلي :

  • أنها عمدت إلى اختيار قصص نوعیة تمثل كل واحدة لائحة من القصص المتشابھة. وحرصت أن یبقى الكتاب في حجم مقبول لأن الناس لم یألفوا في ھذه السنوات قراءة الكتب الضخمة، غیر أنها إذا وقفت مستقبلا على قصص رائدة تستحق الذكر ستوردھا في طبعة قادمة بإذن ﷲ تعالى؛
  • إن القصص التي أوردتھا إما عایشت من وقعت له، أو سمعتھا مباشرة من صاحبتھا. ولذلك فھي قصص جمعتھا من المجلس العلمي الموحد للدار البیضاء عندما كانت عضوا فیه، أو من المجلس العلمي للحي المحمدي عین السبع والحي الحسني بعد التقسیم؛
  • كما أنها التزمت ذكر قصص رائدة للنساء، ولم یرد في الكتاب قصص رائدة للرجال. ولیس معنى ذلك أنھا غیر موجودة، فالمجالس العلمیة تقدم برامجھا للنساء والرجال على السواء. وقد استفاد منھا أقوام من الجنسین، ولو قام بعض الأعضاء العلماء أو المرشدین الذین یباشرون العمل مع الرجال بتتبع القصص الرائدة في مجالھم في تعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن وتجویده، والتفقه في الدین على مذھب مالك رحمه ﷲ، وحتى الوصول إلى مراتب الإمامة والخطابة.. لكان ذلك مكملا لھذا الكتاب؛
  • رغم وجود فضاءات عدة لتعلم القراءة والكتابة وتحفیظ القرآن، أو تلقین العلوم الإسلامیة أو اكتساب المھارات الحیاتیة، سیبقى فضاء المسجد أفضلھا جمیعا، وھذه میزة المجالس العلمیة. فالمسجد له نوره الخاص، ووظائفه واختصاصاته كثیرة، وحرص المجالس العلمیة على توظیف المساجد في إنجاز برامجھا یسھم في إحیاء رسالته وتفعیل الكثیر من وظائفه؛
  • وطالبت في الأخير من كل من قرأه الكتاب أو اطلع عليه، أن يفيدها بملاحظاته، لأن  الكتاب عندما ینشر، لا یبقى ملكا للمؤلف، بل یصیر ملكا للقراء، ولأن المبادرة شخصیة، ولیس وراءھا سوى شعورها بالحاجة إلى إخراج كتب تدوّن ھذه التجربة التي تمیز بلدنا، وإبراز حسناتھا، واقتراح الأفكار الصالحة التي تدفع نحو المزید من الجودة والإحسان.