المحتويات
توطئة
يتمحور الفكر الصوفي حول إشكاليات جوهرية تتعلق بعلاقة الطريقة بالشريعة، ومركزية التجربة الذوقية مقابل المعرفة العقلية، إلى جانب قضايا تاريخية كالانحرافات العقائدية و«الخرافة» في الزوايا. وتشمل القضايا المعاصرة محاولات التجديد الصوفي السني (ابن عجيبة، الحراق) لتوحيد السلوك بالشرع، مقابل انتقادات سلفية تعتبر الطرقية بدعة، أو مواقف سياسية تربط التصوف بسياقات السلطة والمعاصرة.
وتكمن إشكالية التصوف والشريعة في التوفيق بين الظاهر (الفقه والشريعة) والباطن (السلوك والتربية)، ومحاولات بعض الصوفية العودة بالتصوف لمنابعه السنية الأصلية لتفادي الانحرافات الخرافية، وفي المرجعية المعرفية حيث يعتمد التصوف على “المعرفة الذوقية” أو “اللدنية” (النور الإلهي في القلب) بدلاً من التعقل والنظر.
وتمة أيضا إشكالية المصطلح والغموض فالمصطلح الصوفي يتميز بالجمالية والغموض، مما يجعله يصطدم بمعايير الدقة والصلابة في العلوم الإسلامية الأخرى كالفقه. كما واجه التصوف انتقادات شديدة، خاصة في أواخر القرن 18م وبداية 19م، بسبب انتشاره في الزوايا، حيث اعتبرت أعمالاً محدثة وبدعة. وقد أثارت دراسات استشراقية شبهات حول أصالة التصوف، معتبرة إياه أفكاراً دخيلة، وهو ما حاول باحثون تصحيحه بتأصيل التصوف كعلم أخلاقي تربوي.
ويأتي كتاب “الفكر الصوفي.. إشكاليات وقضايا” لصاحبه الدكتور الشارف ليميط اللثام عن العديد من قضايا التصوف وموضوعاته، منها ما له علاقة بالسياسة والمجتمع، ومنها ما هو معرفي، ومنها ما هو تربوي سلوكي. ويقع في 278 صفحة، وصدر عن مطبعة تطوان سنة 2021م.
مضمون الكتاب
يعد التصوف مظهرا من المظاهر الثقافية المكونة للفكر الإسلامي، ذلك أن التراث الفكري للحضارة الإسلامية يضم إلى جانب الفقه وعلم أصوله، التصوف والتفلسف، والمنطق والأدب، وعلم الكلام والعلوم الطبيعية من فلك، وكيمياء، وطب، وعلوما ومعارف أخرى.
وإذا كان علم الكلام والتفلسف قد أصابهما نوع من الفتور أو الذبول، فإن التصوف ما زال يحيا في بعض الأوساط الاجتماعية والثقافية، وما ذلك إلا لأن فرضياته، التي ينطلق منها، تحاول الإعتماد على نصوص من الكتاب والسنة. كما أن وضعية التغريب والفتنة التي نعيشها والتكالب على الدنيا والفساد الاجتماعي والأخلاقي، كل ذلك قد يكون عاملا من عوامل انتشار منطق التصوف والإقبال على الممارسة الصوفية. إلا أنه ينبغي الاجتهاد للوصول إلى موقف إزاء التصوف يكون حدا وسطا بين الرافضين رفضا باتا وهم “السلفيون المتشددون”، وبين المتعصبين للتصوف القاتلين بالقبول التام للفكر الصوفي واعتباره الجوهر الحقيقي للإسلام.
ومما لاشك فيه أن كثيرا من أوائل كبار المتصوفة ومنظريهم كأبي القاسم الجنيد والحارث المحاسبي لم يصوغوا أفكارهم ونظرياتهم إلا بعد تفكير واجتهاد فقهي. ومن هنا فإنهم اجتهدوا كغيرهم، فمنهم من كان مصيبا في اجتهاده، ومنهم من لم يوفق في ذلك، فمال عن الجادة وانحرف، ومعظم هؤلاء ممن عاصروا زمن التفاعل الثقافي في عهد الدولة العباسية وتأثروا بالفلسفات والمذاهب اليونانية والفارسية، أو ممن عاشوا عصور انحطاط الأمة الإسلامية حيث تبلور التصوف الطرقي الذي لا يزال قائما. (مقدمة الكتاب، ص: 5)
إن عملية تجريد العطاء الصوفى من البدع والشوائب والشطحات والضلالات والاحتفاظ بما ينفع في ميدان تربية النفوس، وعلاج أمراض القلوب ومحو الرذائل وغرس الفضائل عملية مفيدة وبناءة ينبغى أن ينتدب لها أولوا الرأى من العلماء والفقهاء وما دامت الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها فإن كثيرا من كتب المتصوفة على علاتها تزخر بالحكم والأفكار الخلقية والسلوكية والتربوية الهامة. (مقدمة الكتاب، ص: 6)
يتناول كتاب “الفكر الصوفي.. إشكاليات وقضايا”، موضوعات صوفية مختلفة منها ما له علاقة بالسياسة والمجتمع مثل: “كتاب “إحياء علوم الدين” لأبي حامد الغزالي بين سلطتي المرابطين والموحدين”، أو “موقف السلطان المولى سليمان العلوي من التصوف الطرقي”، أو “علاقة الصوفية الطرقية المعاصرة بأمريكا” بهدف تكوين حلف لمواجهة المد السلفى. ومنها ما يرتبط بقضايا شاذة كعبادة النفس عند بعض أرباب الصوفية، والنزوع نحو الحلول ووحدة الوجود. ومنها ما هو معرفي مثل “إشكالية العلم اللدني بين محيي الدين بن عربي الحاتمي ومحمد ابن القيم الجوزية”. ومنها ما هو تربوي سلوكي مثل: “شيخ التربية وشيخ العلم والتعليم”، أو “التخويف النفسي من الحارث المحاسبي”.
كما حرص المؤلف على إدراج بعض النصوص الصوفية في ثنايا مباحث الكتاب قصد تحليلها وربطها بالثقافة والمجتمع، أي أن النصوص الصوفية هي بمثابة مرايا تنعكس فيها مشاهد وصور نابعة من الواقع الاجتماعي والثقافي والحضاري.
ونظرا لكون الكاتب مارس تجربة صوفية قبل أربعة عقود، وحرر كتابا في الموضوع تحت عنوان “تجربتي الصوفية مساهمة في فهم الكيان الصوفي”، فقد حرص على إدراج ملخص موجز لهذه التجربة ضمن فصل من فصول الكتاب، لعل القارئ يستفيد منها، ومن أسباب ممارستها، ومن ومنعرجاتها، والنتائج التي تمخضت عنها.
وقد جاءت فصول الكتاب، بعد المدخل العام، على الشكل التالي: الفصل الأول: قراءة في التصوف المغربي. الفصل الثاني: إشكاليتان صوفيتان. الفصل الثالث: قراءة في كتابات وخصوصا صوفية. الفصل الرابع: قضايا وحقائق صوفية. الفصل الخامس: مختصر “تجربتي الصوفية” وضمنه ملحقان؛ الملحق الأول عنونه بـ “العبور الأمريكي عبر الزاوية الصوفية”، والملحق الثاني: “أزمة التصوف الطرائقي بالمغرب”.
خاتمة
تقوم الأداة المعرفية، التي اعتمد عليها المتصوفة في إرساء قواعد تصورهم المعرفي، أساسا على عنصري التأويل والتجربة الباطنية، والتأويل كما هو معلوم حمل اللفظ على مجازه لا على حقيقته، أو بعبارة أخرى صرف المعنى الظاهري إلى معنى باطني مع وجود القرينة. لكن ثبت أن المتصوفة، باستثناء الجنيد والمحاسبي ومن سار على نهجهما، لم يكونوا من المتمكنين في العلوم الشرعية كالتفسير، والفقه وأصوله، وطرق التأويل وأساليبه وضوابطه، بل كان أكثرهم يمقت العلم إلا “علم الأذواق”، أما “علم الأوراق” فلا يعول عليه عندهم. ومن هنا فإنهم أولوا كثيرا النصوص القرآنية اعتمادا على علم الأذواق، ذلك العلم الذي ترجع من أصوله إلى الرؤية الباطنية حيث تغدو تجربة الصوفي الشخصية مقياسا للحكم على الأشياء. وبعبارة أخرى يفرق الصوفية بين علم الظاهر وعلم الباطن أو بين الشريعة والحقيقة.
ويظل الفكر الصوفي نسيجاً متكاملاً مع الثقافة الإسلامية، ورغم إشكالياته، يهدف إلى البناء الروحي والأخلاقي، ويحاول باستمرار التجديد لمواجهة الانحرافات.