توطئة

الإبداع الروائي عند فريد الأنصاري يتميز بـ”السرد المتقطع” الذي يتنقل بين الماضي والحاضر. ويغوص في أعماق النفس البشرية والتجربة الدعوية بأسلوب يمزج بين الواقعية والرمزية، مع التركيز على الموضوعات الإسلامية والتغيير. وله روايات هامة مثل “كشف المحجوب” و”آخر الفرسان”، حيث يبرز الإبداع في تحليل الذات والتنظيم الإسلامي عبر الشخصيات وتصوير الصراع الداخلي والخارجي.

ومن خصائص إبداعه الروائي: الزمن السردي المرن، العمق النفسي والروحي، الرمزية والتأويل، الموضوعات المحورية، الجمع بين الفكر والأدب؛ حيث يدمج بين رؤيته الفكرية والتربوية والعمل الروائي. ويهدف إلى “إحياء التغيير” وتعميق العلاقة بالله، كما يظهر في رواياته وقراءاته القرآنية.

ويأتي كتاب “الإبداع الروائي عند الدكتور فريد الأنصاري بين إيحاء التعبير وإحياء التغيير” ليجلي بعض معالم الإبداع الروائي عند الأنصاري. والكتاب من تقديم د. محمد البركة، ويقع في 247 صفحة، وصدر سنة 2015م.

مضامين الكتاب

عندما تكشف الرواية عن نفسها، وتصدح منذ البداية بطبيعة أفكارها، بل عندما تعلن عن هويتها من عنوانها المركب بشكل ذكي، تكون قد أتاحت لقرائها الوصول إلى معانيها حتى وإن تعددت؛ إذ المعنى عندها مركب يسعف القارئ في بيانه وتوضيحه انطلاقا من حالته وثقافته وفكره، إنه تعدد المعنى للنص الواحد. يتكاثر بتعدد القراءات أو بتعدد القراء؛ فقد يكون الكشف مثلا في رواية “كشف المحجوب” للأنصاري هو بيان المسكوت عنه، وإيضاح المستور، أو إزاحة القناع عن مراد يبغي الراوي إيصاله بما هو واقع أو يرجح وقوعه، وقد يكون المحجوب اسما يبحث عن الحقيقة. وقد يكون الفارس في”آخر الفرسان” و”عودة الفرسان” هو المكابد للحقيقة الماسك بها، أو هو القابض على الحقيقة والناثر لها، أو هو الأمل الباعث للحقيقة المعلن عنها، إنه فارس الشرق.

وبين هذا وذاك، تنطلق جمالية عمق العمل الروائي لتبدع عند القارئ حالة من التعدد في المعاني بين ظاهر معبر عنه بالمباني الموجزة القليلة، وباطن تقلبه الهواجس الإيضاح معانيه الكثيرة، ووقتها يصبح القارئ جزءا مكونا لفهم البناء الروائي. إنها ثنائية الإيحاء والإحياء في النص الروائي، بل إنها المزاوجة بين دلالات الظاهر والباطن في التعبير بغرض التغيير، مزاوجة تمتد اتصالا إلى حالة الجمع بين المروي والراوي والقارئ في لحظة واحدة، ممتعة وآسرة حينا، ومربية ومعلمة حينا آخر، وذلك من معاني الإبداع الروائي. (مقدمة الكتاب، ص: 9\10)

والحس الروائي المعبر عنه في الروايات الثلاث التي سطرها الدكتور فريد الأنصاري، سواء بالمرونة الفائقة في مجاراة الشخصيات والأحداث والأمكنة، أو بالإبداع المولد للأفكار في انسياب دون نتوءات أو قفزات مسقطة للمعنى في البناء الفني، أو بالجودة في الانتقال من فضاء إلى فضاء، ومن عتبة إلى أخرى، أو بالقدرة على التشويق أثناء بناء مشاهد الرواية لحظة الامتزاج بين الماضي الممتد حاضرا، والحاضر المتجذر ماضيا. كل ذلك وغيره، كان مقدورا عليه من قبل الدكتور فريد الأنصاري في غير نشاز، لأنه كان يملك ناصية اللغة في بعدها الشاعري الرقيق المهذب الجميل. إنها لغة الاحتراف الجمالي المبدع الرقيق المستمدة من قراءاته الكثيرة والمتذوقة لآيات القرآن الكريم. (مقدمة الكتاب، ص: 10)

إن العمل الروائي عند الدكتور فريد الأنصاري مسار كتابة لسيرة ذاتية انتقلت من سيرة مكاشفات المحجوب… إلى سيرة مكابدات بديع الزمان، إلى سيرة إشراقات كولن… فكانت كلها محطات ومراحل السيرة ذاتية واحدة عاشها أو أنشدها، لكنه أعلنها وتقمصها بلسان الروائي، يؤرخ بها لسيرته الباطنة في رحلة البحث عن الذات بعد تيه وحيرة… لذلك فسواء تعددت الشخوص أو الأمكنة، أو تعددت العناوين أو تواريخ الإصدار؛ فإنها تظل واحدة. (مقدمة الكتاب، ص: 11)

إن النص الروائي عندما يصير تعبيرا عن مسار حياة، وتعبيرا عن مكابدات ومواجيد وأشواق وأحوال تفاعلا بين التعبير والتغيير، ليس معناه أن النص الروائي صار لغة المتصوف، بل لأن لغة الرواية أقدر على النفاذ تعبيرا عن الروح وأحوالها ومتغيراتها. وهي الأوثق للتعبير عن الفكر ومخاضاته وطموحاته في التغيير، وبين الروح والفكر مسارات سيارة لا تتوقف يعيشها المتحرق صاحب المشروع الإصلاحي يستمد الواحد منهما القوة من الآخر طلبا للسداد، وتعبيرا عن المسار. إنها المزاوجة بين الإيحاء والإحياء في التعبير عن المقصود، لأنه كان يعبر عن الحياة التي يشاهدها هو لا التي نشاهد نحن. (مقدمة الكتاب، ص: 12\13)

إن الإبداع الروائي حين يتحول إلى تأريخ للذات بحثا عن الوعي والحقيقة، وانتقالا من الجدل الكلامي والتدافع السياسي والنضال النقابي إلى الإدراك الإيماني والحقيقة القرآنية ، تكون كل رحلات الكتابة وإن تنوعت عناوينها، رحلات تتجاوز الأزمنة والأمكنة والشخوص، لأنها رحلات تسطر المقصود وتبتغي المحمود تريد الرجوع إلى الفطرة والفجر والمآذن… تريد الرجوع بالذات والعودة بالأحباب والإنابة بالأمة إلى صحراء الميلاد، إنها روايات ثلاث، ورحلات ثلاث، عنوانها الجامع رحلة العودة إلى القرآن. وكأن الأعمال الروائية التي خلفها الدكتور هي عمل روائي واحد والاختلاف الحاصل بينها يكمن فقط في الظاهر، أما الجوهر فواحد إذ هي تعرض الموضوع واحد في قالب إبداعي خاص، مضمونه واحد رغم اختلاف التجليات، إنه موضوع فطرة الإنسان وبناء العمران عبر منازل تذوق القرآن. (مقدمة الكتاب، ص: 13)

إن الناظر في العمل الروائي عند الأنصاري سيجد أن النفس الذي كتب به الدكتور رواية “كشف المحجوب” غير ذاك الذي كتب به روايتي “آخر الفرسان” و”عودة الفرسان”. بل إن النفس الذي كتبت به رواية “عودة الفرسان” ليس هو نفسه المصاحب الرواية “آخر الفرسان”؛ إذ زادت روحانية الراوي من واحدة إلى أخرى أكثر فأكثر، لكنها كانت موجودة مما يعني أنه ليس هناك من تحول وقع، بل الحاصل هو الزيادة في الروحانية التي لامسها عند التعرف على مكابدات النور، بدليل أن معالم رؤيته ظلت هي نفسها في العمق حاضرة في الأعمال الروائية كلها. (مقدمة الكتاب، ص: 15\16)

إن النص الروائى عند الأنصارى تجربة للبلاغ، وأداة لاستعادة الذوق إلى فطرته بل لبناء الثقافة وترسيخها في كل الأبعاد؛ إذ الرواية وسيلة لإغناء الرصيد المعرفي عند القارئ. وهي عند الراوي سبب للبوح بعمق ثقافته وتنوعها، “لقد قررت البوح، سأبوح لكم ” إنه البوح بالمشروع بكل صوره الإحيائية والإيحائية الصريحة والمتفاوتة بحسب ثقافة المتلقي. إذ الأصل فيها الفهم بكل مستوياته العديدة التي تنحو أكثر فأكثر نحو العمق، والتي يريد تفوق جمالية دقة العبارات الموحية فيها، فهم كل الاتحادات الرمزية التي تصل في صراحة تامة وحركة صادقة لا تعرف الزيف أو المساحيق، على في النص الروائي، تكشفها على فطرتها في ذوق رفيع عنوانه الإحياء الفردي والمجتمعي في النص الروائي. (مقدمة الكتاب، ص: 20\21)

لقد أبان النص الروائي للدكتور فريد أنه وثيقة متعددة الأبعاد وثيقة عن سيرة الرجل وأفكاره ولغته وهواجسه وآماله، ووثيقة عن إبداعه الجامع لكل ذلك وغيره. وهنا تكمن قيمة هذا الإصدار، الذي لا ينطلق من الرغبة في عرض تجليات النص الروائي عند الدكتور الأنصاري، ولا من منطلق النقد للأعمال السردية للأديب الفقيه، بل يجمع كل ذلك ويسيجه في إطار الوسائط المتعددة التي اعتمدها الأنصاري لتبليغ قصده والقنوات المتنوعة التي استند إليها لإيصال غايته، فقد ترك لكل واسطة أو قناة أثرا أكثر من أن يدل عليه، بل أثرا يؤسس لبصمة الإبداع فيه، في تناغم بين كل هذه الوسائط تعبيرا عن فطرة أصيلة وذوق رفيع. (مقدمة الكتاب ص 21)

وقد اشتمل الكتاب بعد تقديم الدكتور محمد البركة، الذي تناول الفطري والفكري في الإبداع الروائي عند الدكتور فريد الأنصاري، على قسمين. القسم الأول حمل عنوان: إبداع القول في رواية “كشف المحجوب”. وقد ضم ما يلي: مشروع القول في رواية “كشف المحجوب”، لـ د. يحيى رمضان، ورواية “كشف المحجوب” عطاء جديد وطريف، لـ د. محمد حسن بريغش، والمتخيل الروائي في رواية “كشف المحجوب” لـ د. أحمد العزوزي، وأزمة القيم في رواية “كشف المحجوب” لـ د. عبد المجيد بنمسعود.

أما القسم الثاني فحمل عنوان:  إبداع النور في روايتي “آخر الفرسان” و”عودة الفرسان”. وضم ما يلي: رحلة المكابدات نحو العوالم النورانية في رواية “آخر الفرسان” لـ د. يحيى رمضان، ومصادر الجمال في الكتابة الروائية عند الدكتور فريد الأنصاري القراءة في روايتي آخر الفرسان” و”عودة الفرسان”، لـ د. محمد الحمادة، ومقاربة وظيفية لرواية “آخر الفرسان”، لـ د يوسف تغزاوي.

خاتمة

لقد استطاع  الخطاب الروائي عند الأنصاري أن يجمع بين المضْمَرات الروحية المصاغة في القوالب الفكرية، وبين التأملات الفكرية المسبوكة بالعباب الفطري. إنه مطلب الاحتماء الحاصل بين الفطري والفكري، المسند بالعدة الشاعرية واللغة الأدبية التي تسعف الراوي في الوصف والتدقيق والبلاغ، وتدفع القارئ إلى اكتشافها.

إن المزاوجة المعلنة التي توجد بين الإيحاء والإحياء في الإبداع الروائي عند الدكتور فريد الأنصاري، هي مزاوجة بين العمل الروائي والمشروع القرآني الذي ينشده صاحب الفطرية، حيث الوسيلة من جنس المقصد عنده. وهذا التماهي بين الوسيلة والغاية طبيعي في مشروع الأنصاري، ولعله كان السبب في استعصاء تصنيف الدكتور عند البعض بين القول بكونه أصوليا ومفسرا شاعرا ومربيا وخطيبا، وبين القول بكونه روائيا بامتياز.

إن فريد كان أديبًا مالكًا لناصية الأدب، ومتفتق القريحة في الإبداع، لغته شاهدة، حروفه ناطقة، نصوصه قطع ثمينة كأنها تنتمي لعهد الأدب الأول، عهد الجاحظ وابن قتيبة وأبي علي القالي والمبرد… عباراته تسبح بك في عوالم البيان، ولجج البلاغة، كما أن للروائي الفقيد الأنصاري سر نفاذ حروفه إلى سويداء القلب.